بعد توقف دام خمس سنوات عادت مجلة "المشكاة" إلى قراء العربية على امتداد الكرة الأرضية بعد أن أصبحت وطوال ثلاثة عقود واحدة من المطبوعات العريقة التي اتخذت من الفكر السليم منهجا ومن الأدب الملتزم خطا ثابتا لم يتبدل منذ صدور عددها الأول عام 1983 وحتى عددها الذي صدر مؤخرا بعد انتقال مكاتب وإدارة المجلة من مقرها القديم في المملكة المغربية إلى مقرها الحالي في المنطقة الإعلامية في أبوظبي.
ومع استعادة المجلة لبريقها حملت مع اسمها شعارا في عبارة موجزة تشير إلى أنها أصبحت "صوت التعارف الحضاري" لتؤكد بذلك أن القائمين عليها قد اختاروا موقعها الجديد بدقة حيث تزهو "أبوظبي" حاليا بالمعالم الثقافية الحديثة وبخاصة في جزيرة السعديات، التي تستضيف اليوم متاحف عالمية هي الأولى من نوعها في العالم العربي، مثل متحف اللوفر الفرنسي ومتحف جوجنهايم اللذين يعبران عن احتضان لثقافات وحضارات الآخر بكل تقدير لنتاجات الإنسانية يرافقه اعتزاز بالهوية الوطنية.
وفي تأكيد للتوجه نحو تعارف حضاري حقيقي قائم على الثقافة الأصيلة والمعرفة الواعية طرحت المجلة في عددها الأخير، وهو الأول من أبوظبي، رؤية للكاتبة والإعلامية المغربية الدكتورة اعتماد الأمراني حول الدبلوماسية الثقافية كأحد أنماط التعامل بين الدول لتعزيز مفاهيم التعايش الإنساني، وهو نمط غاب عن عالمنا العربي رغم امتلاك أقطاره من الخليج إلى المحيط للمقومات التي تجعلنا في صدارة من يمكنهم التعامل بهذا النمط الدبلوماسي القائم على التبادل الثقافي ولدينا من نتاجاته ما استحق تقدير العالم واهتمامه.
أما الملف الأبرز الذي تضمنه عدد المجلة فكان عبارة عن تغطية موسعة لأول مؤتمر عالمي للباحثين في السيرة النبوية وهو مؤتمر عقد في مدينة فاس المغربية نهاية العام الماضي ونظمته مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع) بالتعاون مع وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية في المملكة المغربية، ودارت أعماله حول جهود الأمة في خدمة السيرة العطرة لرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.ولفتت الأنظار تلك الطروح التي دار حولها البحث والتي أكدت أهمية المؤتمر حيث حملت كلها تساؤلات مهمة في المجتمع الإسلامي، منها: ما هي مكانة السيرة النبوية في إطار العلوم الإسلامية؟ وما هي الجهود التي بذلها العلماء في التعامل معها: تدوينا وتيسيرا وفقها وتقريبا وترجمة؟ وما هي الأهداف المنشودة من البحث في جهود الأمة في خدمة السيرة؟ وهل هي مقصورة فقط على أعمال الحصر والجمع والتصنيف أم أنها تستهدف ما هو أبعد وأكبر، سعيا للوصول إلى تحديد حاجيات الأمة العلمية والمنهجية والإصلاحية من خلال عمل مؤسسي جاد وملتزم؟
ولعل أبرز ما توصلت إليه البحوث والنقاشات خلال المؤتمر الأول من نوعه هو التوافق التام على أن السيرة النبوية من أهم مفاتيح تجديد الأمة واستعادة وعيها بذاتها واستئناف سيرها الحضاري، ولهذا جاءت التوصيات الختامية بأهمية توسيع دائرة البحث في السيرة من خلال ربط البحث العلمي والباحثين بمراكز ومؤسسات متخصصة، واعتماد تقنيات النشر الإعلامي الورقي، والرقمي عبر المواقع الإلكترونية.
أما التوصية الأهم فكانت دعوة مفتوحة لكل مسلمي العالم لإطلاق قناة خاصة بالسيرة النبوية وأحسب أن أبوظبي عاصمة الإمارات ومركز التسامح الديني وملتقى الحوار الحضاري وصاحبة أهم التجارب العربية في تطبيق الدبلوماسية الثقافية، هي قبل غيرها، أولى الأماكن وأولاها في استضافة قناة تبث سيرة الرسول الكريم لكل أجيال المسلمين وتنقل صورة عن السلوك الإسلامي الصحيح لكل أجناس الدنيا.
malam678@yahoo.com