أوراق رمضانية.. نبحر خلالها في ما ارتضاه الخالق لخلقه، وما يليق بالمسلمين نهجاً وسلوكاً وفهماً وحياةً. فيها نجد ما قاله الرب والعبد في ما هو خيرٌ للناس، ونتلمس المعاني، وندرك التفاسير، ونحوط معاً في تعاليم ديننا الحنيف، في ما أقره الإسلام وانحاز إليه، وفي ما نهى عنه ونبذه.. نخلص النية للخالق جل وعلا، وندرك عظمة الفهم للأوامر الربانية. وفيها أيضاً ما يجول في حياتنا وتربيتنا الإسلامية.. نتعرف على حكم وأحكام، ونتلمس الدروب للفهم والإنجاز، ونتعمق في تدابير الخالق للكون والإنسان.. في أوراق رمضانية لـ محمد الطيب عربي، نتوقف بعين التأمل للتلذذ في ما يمكن أن يجعل من يومنا الرمضاني ثرياً وغنياً بما يرضي الله، وبما يرضي ضمائرنا المنتمية إلى هذه الرزانة والثقة؛ والتربية الإسلامية.

 

دعوة الإسلام منذ بدايتها استظلت بظل الحرية، والشاهد على ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صرح بما أمر به ربه في مكة ولم يكن يحمل خنجراً يرهب به أحداً أو يجبره على الدخول في الإسلام، دعاهم بالحسنى، وعُرضت عليهم آيات القرآن التي كانت تدعوهم إلى الرشد، تلك الآيات التي استمع إليها نفر من الجن فآمنوا بها واستكبر واستعلى وعاند عبدة الأصنام.

وظل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم بهذه الكيفية ثلاثة عشر عاماً والذي حدث من مشركي قريش أنهم حجروا على النفر الذين اعتنقوا الإسلام بكامل حرية إرادتهم، أن يخرجوا عن دين الآباء.. دين الوثنية وعبادة الأصنام، وبلغ بهم الشطط أن صاروا يعذبون كل من يعرفون أنه «صبأ»، على حد قولهم، فكانت الساحات في مكة تعج بالمعذبين على ما هو معروف في كتب التاريخ والسيرة.

وقد مارس المشركون مع المسلمين كافة ممارسات القهر، من ذلك حصار بني هاشم في شعب أبي طالب ومنع التعامل معهم، فجوعوهم تجويعاً مريعاً، وانتهت أعوام التجويع والحصار الثلاثة، والتي كانت على أقسى صورة من الضغط على من يسمونه الصابئين بموت خديجة وأبي طالب، اللذين كانا الكابح لقريضة من أن تصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأكثر ما قد وصلت إليه، فاضطر إلى الذهاب إلى الطائف عله يجد استجابة من القوم بها، فما كان الحال هناك بأفضل من مكة، فعاد ليدخل إلى موطنه تحت إجارة أحد مشركيها. ويأبى الله إلا أن ينتشر الإسلام رغم أنوف المضايقين له، المحاربين له دون هوادة، وعرف الذين دخلوا في دين الله معنى الحرية الحقيقية بحقوقها المختلفة، وسعدوا في ظله، لأن الحرية في كل زمان هي سعادة الإنسان، وهناؤه والتعبير عن تحمل مسؤوليته، فهو عندما يكون حراً يستشعر هذه المسؤولية.

لا إكراه في الدين

لم يكره أحد منذ فجر الدعوة على الدخول في الدين ـــ كما سبق أن أشرنا إلى ذلك ـــ ويظل هذا نهج الإسلام إلى قيام الساعة، إنما هي تذكرة وإرشاد إلى طريق الهداية والخروج من نفق الضلال وظلامه، ونقرأ هذا في آيات الذكر الحكيم. قال تعالى: (لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي، فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم، الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات، أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) [سورة البقرة الآيتان 265-257].

ونجد في ست آيات أخر من سورة الغاشية الخطاب يوجه مباشرة إلى الداعية الأول عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، بأن عليه التبليغ دون إكراه لأحد فهو بما يتلوه عليهم من آي الذكر الحكيم مذكراً لهم بما يفيدهم ولا سيطرة عليهم منه، ومن ذلك تكون الملاحقة منهم له ولمن اتبعوه ليكرهوهم على ترك هذا الدين الذي لم يعرفوا عنه شيئاً من آبائهم الأولين، وهذا يجعلنا نشير إلى أنهم حتى في عبادتهم للأصنام لم يكونوا أحراراً، وإنما هم عبيد الموروث من العبادة والتقاليد، مقيدون بسلاسل ذلك الموروث، لا يستطيعون الفكاك منها.

الهجرة إلى الحبشة

ونعود بعد هذا الاستطراد إلى الآيات من سورة الغاشية من الآية 21 إلى الآية 26. قال تعالى: (فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمصيطر، إلا من تولى وكفر، فيعذّبه الله العذاب الأكبر، إن إلينا إيابهم، ثم إن علينا حسابهم). من هذه الآيات وغيرها كثير يتضح جلياً أنه لم يكن هناك ثمة إكراه للدخول في الإسلام، إنها دعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وكان الطرف الآخر المعاند لم يكتف بعدم الاستجابة للدعوة، وإنما تخطى ذلك إلى الصد عن السبيل، إلى تعذيب من تطوع له نفسه اعتناق الإسلام حتى كان الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه من الرعيل الأول من المؤمنين بالهجرة إلى الحبشة ليأمنوا فيها من الملك العادل النجاشي على أنفسهم وليتمتعوا بكامل الحرية في ممارسة شعائرهم.

لكن الآخر لم يعجبه ذلك، فحاول أن يسلبهم تلك الحرية التي يتمتعون بها خارج أرضهم، فأرسل وفداً ـــ على ما هو معروف ـــ برئاسة عمرو بن العاص ليكيدوا للمؤمنين لدى النجاشي ليطردهم من بلاده. وهذه الحرية في الإسلام وعدم الإكراه في الدين هي من منطلق ـــ كما تقول الأستاذة حورية الخطيب ـــ «تنافي الإكراه مع طبيعة العقيدة نفسها، من حيث كونها عنصراً نفسياً، ومن المحال تكوين أو تأسيس حقيقة نفسية بالإكراه، إذ الإسلام لا يشرع من الأحكام ما لا يستقيم مع طبائع الأشياء».

الإسلام ومفهوم الحرية

وتستطرد الأستاذة حورية في كتابها «الإسلام ومفهوم الحرية» ص 28 من طبعة دار الملتقى القبرصية قائلة: «وبديهي أن يكون في قوله تعالى: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)[سورة الكهف الآية 29] دلالة وافية وكبيرة على أن الحرية قد أعطيت للإنسان دون قيد أو شرط في أمر من أخطر الأمور وأدعاها إلى طلب الإجبار لو طلب من المسلمين، وهل هناك عندهم أمر أهم من إدخال الناس في الإسلام، ولكن النص الصريح لم يجز لهم ذلك بأي حال، وما انتشار الإسلام واتساع رقعته ـــ دون وجود الإكراه ـــ إلا الدليل الأوفى على أن هذا الدين استطاع أن يدخل إلى العقول والقلوب ليترسخ ويتجذّر في النفوس». وإلا إذا كان هناك إكراه وأسلمة بحد السيف.

ـــ كما يزعم أعداء هذا الدين ـــ لوجدنا أن من يدخلون في الدين بهذا الإكراه يرتدون عنه بمجرد الخلاص من السيف المسلط عليهم (حسب الزعم) لكن الأمر على عكس ذلك، فالأفواج التي تدخل في الدين طوعاً واعتقاداً، نجدها تتمسك بالدين وتموت في سبيل الدفاع والذود عن العقيدة. فإذا كان الإسلام الذي لا يرضى أن يكره إنسان على اعتناقه، فهل يرضى أن يعيش هذا الإنسان مسلوب الحرية في كل ما يتعلق بشؤون حياته من أمن وسبل كسب عيش غير محرمة وعقيدة وما إلى ذلك.