أوراق رمضانية.. نبحر خلالها في ما ارتضاه الخالق لخلقه، وما يليق بالمسلمين نهجاً وسلوكاً وفهماً وحياةً. فيها نجد ما قاله الرب والعبد في ما هو خيرٌ للناس، ونتلمس المعاني، وندرك التفاسير، ونحوط معاً في تعاليم ديننا الحنيف، في ما أقره الإسلام وانحاز إليه.
وفي ما نهى عنه ونبذه.. نخلص النية للخالق جل وعلا، وندرك عظمة الفهم للأوامر الربانية. وفيها أيضاً ما يجول في حياتنا وتربيتنا الإسلامية.. نتعرف على حكم وأحكام، ونتلمس الدروب للفهم والإنجاز، ونتعمق في تدابير الخالق للكون والإنسان..
في أوراق رمضانية لـ محمد الطيب عربي، نتوقف بعين التأمل للتلذذ في ما يمكن أن يجعل من يومنا الرمضاني ثرياً وغنياً بما يرضي الله، وبما يرضي ضمائرنا المنتمية إلى هذه الرزانة والثقة؛ والتربية الإسلامية.
للتيامن في الإسلام آداب في التعامل مع الغير، قد لا يهتم بها أصحاب الديانات الأخرى، ولكن المسلم يلتزم بهذه الآداب اتباعاً لتعاليم دينه الحنيف، وكثيرة هي هذه الآداب التيامنية وفقاً للإسلام نجتزئ منها بعض المسائل التي ربما لا يوليها بعضنا كبير اهتمام ظناً منهم بأنه لا فرق بين أن يفعلوها يميناً أو شمالاً.
من ذلك مثلاً إدارة الطعام أو الشراب على مجموعة من الناس اجتمعوا في صعيد واحد في مناسبة من المناسبات، فلتكن مثلاً وليمة عرس، فمن الأفضل أو من الأوجب أن نبدأ في توزيع صحاف الطعام على الحضور مبتدئين بالذين يجلسون على يمين من يتولون التوزيع.
ونستمر على ذلك حتى آخر الموجودين، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بلبن قد شيب بالماء، وعن يمينه أعرابي، وعن يساره أبو بكر الصديق فشرب ثم أعطى الأعرابي وقال: «الأيمن فالأيمن» رواه الشيخان. لم يقدم عليه الصلاة والسلام أبا بكر على الأعرابي إلا لأن ذلك الأعرابي كان يجلس على يمينه تأكيداً منه على التيامن وتعليماً لنا لاتباع هذا النهج المحمدي.
وهذا المنهج النبوي يجنب الناس كثيراً من الحرج فلا نعطي الأفضلية لرفعة في المنصب أو الجاه، وإنما نجعل الأولوية للتيامن، وعلى أصحاب المكانات الأعلى أن لا يغضبوا من هذا التفاضل، فليس القصد منه إقلالاً لشأنهم، كلا، فالمقامات محفوظة ولكن الأمر التزام بالتيامن.
وفي هذا نضيف ما أضافه رسولنا الكريم ذو الخلق العظيم، فقد كان صلى الله عليه وسلم يدفع فضل سؤره إلى من على يمينه، فإن كان من على يساره أجل رتبة قال للذين على يمينه «السنة أن تعطى، فإن أحببت آثرتهم» أي إذا شئت أن تتنازل عن حقك الذي كفله لك تواجدك على الميمنة فتأذن بأن يقدم إلى من هو على اليسار فلا بأس، أما إذا استمسك بحقه فلا أحد يلومه على ذلك.
ولأن اليمين بركة وخير، فإن الملكين الموكلين بكتابة الحسنات وكتابة السيئات فيما نأتي به من عمل صالح أو خلافه، أحدهما عن اليمين وهو الموكل بكتابة الحسنات والآخر عن الشمال وهو كاتب السيئات، وهذه دلالة أخرى على أن اليمين هي الفأل والبركة والعدل وأن الجور في الشمال.
قال تعالى: «ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، إذ يتلقى الملتقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد» قال الإمام القرطبي في تفسيره «الجامع لأحكام القرآن» والإمام الفخر الرازي في تفسيره المسمى بـ«التفسير الكبير» قال مجاهد:
«وكّل الله بالإنسان ـــ مع علمه بأحواله ــــ ملكين بالليل وملكين بالنهار يحفظان عمله ويكتبان أثره، إلزاماً للحجة، أحدهما عن يمينه يكتب الحسنات، والآخر عن شماله يكتب السيئات». وقال سفيان: «بلغني أن كاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات، فإذا أذنب العبد قال:
لا تعجل لعله يستغفر الله، وهذه هي رحمة الله بعباده، إذا أحسنوا عجل لهم في الجزاء على إحسانهم، وإذا أساءوا تأخر الجزاء عن الإساءة لتتاح الفرصة للعبد للرجوع عن عمله السيء والاستغفار والإنابة إلى ربه، وفي ذلك ينبغي على المؤمن أن يكون ربانياً في سلوكه وتصرفاته، بمعنى أن لا يتعجل في إيقاع العقوبة على من أساء إليه في فورة من الغضب، بل عليه أن يتريث وأن يجد المعاذير والمخارج لمن يقع في خطأ، إذا كان هو صاحب القرار في عقوبته، لأن ذلك أفضل عند الله من أن نظلم الناس في أحكامنا.
وثمة أمر لا يفوتنا أن نقف عنده ونحن نتحدث عن التيامن وأهميته في الإسلام، ذلك أن الله سبحانه وتعالى عندما خاطب موسى بسؤاله عن عصاه ــــ وهو أعلم بكل شيء ـــ قال سبحانه: «وما تلك بيمينك يا موسى، قال هي عصاي» معنى ذلك أن موسى عليه السلام كان يحمل عصاه بيمينه وببركة هذا التيامن جعلها الله حية تسعى وتلقف أفك السحر، ويبطل ما درج عليه السحرة، بل ويؤمن أولئك السحرة بالله ويستشهدون في سبيل الحق الذي عرفوه.
وفي هذا الصدد قيل إن السحرة عندما فوجئوا بما حدث من ابتلاع عصا موسى لحبالهم التي خيل للناس أنها حيات تسعى بسحرهم، تحدثوا إلى كبيرهم فقال لهم: انظروا، إن كان ثعبان موسى كبرت بطنه بعد أن التهم الثعابين.
فما فعله موسى لا يتعدى أن يكون سحراً أيضاً، ولكنه أقوى من سحرك، أما إن كان حجمه بعد التهام الثعابين على ما هو عليه فيكون ما أتى به موسى معجزة من الله، وقيل في ذلك إن السحر لا يغير حقيقة الأشياء، لكنها تبدو أمام أعين الناس وفق ما يريد الساحر، وأنه يراها على حقيقتها، وفي ذلك يقول القرآن الكريم:
«سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم» سورة الأعراف ــــ الآية 116، فسحرة فرعون عندما ألقوا حبالهم وعصيهم خيل للناس أنها حيات تسعى، حتى أن موسى نفسه عليه السلام، خيل له مع الآخرين أنها كذلك وأصابته الدهشة والرهبة وأوجس منها خيفة لولا أن الله سبحانه وتعالى الذي اصطفاه للرسالة ثبته وكشف له حقيقة أمرها، وقد بين لنا القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى:
«.. فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، فأوجس في نفسه خيفة موسى، قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى» سورة طه ـــ الآيات 66 ـــــ 68، وما دمنا بصدد التيامن في هذا الذي سقناه عن موسى عليه السلام، والعصا التي التقمت سحر السحرة الذين كانوا يأتون بسحر عظيم يسترهبون به أعين الناس، نقف عند قوله تعالى:
«وألق ما في يمينك» سورة طه ــــ الآية 69، ويجيء الأمر الإلهي لنبيه موسى بعد قوله تعالى: «لا تخف إنك أنت الأعلى» إذن قوله تعالى «وألق ما في يمينك» ولم يقل «وألقِ عصاك» تعظيماً لهذا الجرم (العود) الذي يحمله موسى بيمينه، وهذا جانب من جوانب بركة التيامن، جعلنا الله من أهل اليمين.
اليمين والشأن
يكون التيامن في المصافحة على من هم جلوس، إذ يبدأ الداخل بالسلام على من هم على يمينه عند دخوله ولو كانوا أقل شأناً ممن هم جلوس على يساره عند دخوله، فلو كان على اليمين مثلاً خفير المؤسسة - إن كان القوم من زملاء المؤسسة - وعلى اليسار مديرها العام، فالتيامن يقضي عليه السلام على الخفير قبل المدير دون أن يكون في ذلك مساس بمكانة المدير إذا كان يتفهم نهج الإسلام في التيامن. وهذا النهج يحد من الكبر والتعالي على الآخرين.
ويستحب أن يناول المسلم أخاه المسلم شيئاً ما يطلبه منه بيمينه، مثلاً إذا طلب منه أن يناوله كوباً من الماء يحرص أن يمد له يمينه، وكذلك إذا أردت أن تعطي سائق الأجرة التي أقلتك إلى وجهتك المقصودة يفضل أن تناوله أجرته بيمينك.