أوراق رمضانية.. نبحر خلالها في ما ارتضاه الخالق لخلقه، وما يليق بالمسلمين نهجاً وسلوكاً وفهماً وحياةً. فيها نجد ما قاله الرب والعبد في ما هو خيرٌ للناس، ونتلمس المعاني، وندرك التفاسير، ونحوط معاً في تعاليم ديننا الحنيف، في ما أقره الإسلام وانحاز إليه، وفي ما نهى عنه ونبذه.. نخلص النية للخالق جل وعلا، وندرك عظمة الفهم للأوامر الربانية. وفيها أيضاً ما يجول في حياتنا وتربيتنا الإسلامية..
نتعرف على حكم وأحكام، ونتلمس الدروب للفهم والإنجاز، ونتعمق في تدابير الخالق للكون والإنسان.. في أوراق رمضانية لـ محمد الطيب عربي، نتوقف بعين التأمل للتلذذ في ما يمكن أن يجعل من يومنا الرمضاني ثرياً وغنياً بما يرضي الله، وبما يرضي ضمائرنا المنتمية إلى هذه الرزانة والثقة؛ والتربية الإسلامية.
اتفقت معاجم اللغة على أن معنى «اليمين» لغة يشمل أموراً عدة وكلها طيبة، كالبركة والقوة والشدة. ومن أجل ذلك عني الإسلام بالتيامن، فأصحاب اليمين لهم البشرى في الآخرة منهم: (في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة) الآيات من سورة الواقعة. فمن هم أصحاب اليمين المعنيون في هذه الآيات المباركات وغيرها من آي الذكر الحكيم مما سنمر عليه لاحقاً؟
إن الإسلام لا يتحدث عن شيء إلا ويكون فيه الخير والبركة، فاليمن هو البركة والفأل الحسن، قال الجوهري: «يمن فلان على قومه، فهو ميمون إذا صار مباركاً عليهم، وتيمنت به: تبركت وتفاءلت به خيراً، والأيامن: خلاف الأشائم (من الشؤم) والتيمن: الابتداء في الأفعال باليد اليمنى والرجل اليمنى، والجنب الأيمن. وكانت العرب في جاهليتها تجعل الخير من اليمين والشر من الشمال.
وكانوا يزجرون الطير، وقد عرف ذلك عندهم بـ (الطيرة) والتي نهى الإسلام عنها فلا طيرة في الإسلام، وإنما قوة وقدرة وشدة في الحق وليس طغياناً وبطشاً في الظلم. وقد أشار كثير من كتب التفسير إلى أبيات من الشعر كشاهد على أن العرب يستخدمون كلمة (اليمين) بمعنى القوة والقدرة، قال الشماخ - وهو شاعر جاهلي -: إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين وعرابة اسم رجل من الأوس.
وقال آخر: ولما رأيت الشمس أشرق نورها تناولت منها حاجتي بيميني ولابن قتيبة ــ رحمه الله ــ وهو صاحب التصانيف العديدة، قول في أن اليمين التي عني بها الإسلام هي مستودع القوة والقدرة، قال: «إنما قام اليمين مقام القوة، لأن قوة كل شيء في ميامنه».
قال الفخر الرازي في تفسيره الكبير لبعض الآيات التي ورد فيها ذكر اليمين ومنها قوله تعالى: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين) سورة الحاقة، الآيات: 44ــ46 أي «انتقمنا منه بالحق»، وذلك كقوله تعالى: (إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين)، أي من قبل الحق.
وقيل: إن المقصود بكلمة (اليمين) هنا.. أي العدل، قال بذلك القرطبي في تفسيره «الجامع لأحكام القرآن» فالعدل: اليمين، والجور والظلم: يرمز له بالشمال، وكذلك اليمين بمعنى «الطاعة» .
ومن أجل كل هذه المعاني الخيرة والطيبة لليمين اهتم الإسلام بالحق والخير بالتيامن المشتق عن اليمين والمسلم مع توجهات العدل والحق والخير: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم) والبيعة تتم باليمين لدى المسلمين، وقد رضي الله عن أولئك النفر الذين بايعوا رسول صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، جزاء لهم على حسن صنيعهم في موقف تحرش بهم فيه المشركون.
وما أدراك ما أصحاب اليمين الذين يذكرنا بهم التزامنا بالتيامن؟ يقول علماؤنا: أهل اليمين الذين التزموا بشرع الله، وأطاعوا الله ورسوله وجاهدوا أنفسهم للمثابرة على إتيان الطاعات واجتناب المحرمات، وقد وعدهم الله ــ سبحانه وتعالى ــ بالحساب اليسير أو عدم المحاسبة في الآخرة.
قال تعالى: (فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً وينقلب إلى أهله مسروراً وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبوراً ويصلى سعيراً) سورة الانشقاق الآيات من 7ــ12.
عن عائشة ــ أم المؤمنين ــ رضي الله عنها، قالت: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم حاسبني حساباً يسيراً» قلت: وما الحساب اليسير؟ قال: ينظر في كتابه ويتجاوز عن سيئاته، فأما من نوقش في الحساب فقد هلك».
إلى ذلك يشير ما جاء في سورة المدثر إلى أن أصحاب اليمين لا يرتهنون بأعمالهم كباقي الناس، وإنما يتجاوز الله عن سيئاتهم وذلك في قوله تعالى: (كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين) الآيتان 38، 39.
ولخاصية التيامن المرتهن بأفعال المسلمين بأيمانهم، ممارسة العبادات باليمين، فقد أوضحت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أموراً كثيرة ينبغي على المسلم مباشرتها بيمينه (بمعنى أن يكون فعله لها تيامناً) ففي الوضوء الذي هو مقدمة الدخول في الصلاة ولا تجوز إلا به حتى لو افتقدنا الماء،
كان علينا بالتيمم وهو أيضاً نباشره بتقديم اليمين في المسح على اليدين من صعيد طاهر، فالوضوء نبدأه باليمين في غسل اليدين وكذلك الرجلين، ومن السنة في الصلاة وضع اليد اليمنى على اليسرى، وإذا صلى اثنان أحدهما إمام للآخر، وقف المأموم على يمين الإمام، وفي الخروج من الصلاة، فإن التسليم يكون أولاً من جهة اليمين.
هكذا أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن ابن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم عن يمينه وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، حتى يرى بياض خده (أي إنه يستدير بوجهه).
وعن سمرة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة، أقبل علينا بوجهه وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يقبل على من في جهة الميمنة.
هذا بشأن الصلاة، وكذلك الأمر في كثير من شؤوننا الحياتية، نبدأ لباسنا باليمين ثوباً أو نعلاً أو خلافه، ونقدم من على يميننا، سيراً أو دخولاً في الأماكن. فعن أبي داود: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن ما استطاع في شأنه كله.
حق للجميع
يقول الدكتور السيد ــ اسماً لا لقباً ــ عبدالحكيم عبدالله: «التيامن من الأمور التي أمر بها الله رسوله، فهو حق لهما، كما أنه حق للمجتمع وللأفراد أيضاً، وتبدو أهمية التيامن في أنه مظهر خارجي يذكر الإنسان دائماً باليمين، وأهل اليمين، وأمور الشرع التي تجعل فاعلها من أهل اليمين».
مع الكون
الأشياء، لا يختص شيء دون شيء، كما أشار إلى ذلك الحديث بقوله: «وفي شأنه كله»، وتأكيد الشأن بلفظ (كل) يدل على التعميم، وقد خص من ذلك دخول الخلاء والخروج من المسجد، ونقل الشوكاني عن النووي أنه قال: إن قاعدة الشرع المستمرة استحباب البداءة باليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزيين، وما كان بضدها فيستحب فيه التياسر.
يرى الدكتور السيد عبدالحكيم عبدالله «أن التيامن يحقق لصاحبه التوافق مع هذا الكون المتسع بنجومه وكواكبه وأقماره، والتي تدور في اتجاه اليمين، وكذلك كثير من النباتات والحشرات والطير، التي لها حركات مؤكدة في اتجاه اليمين طاعة وانقياداً للخالق الذي أمرها بذلك وقدر سعيها وتحركها وفقاً لهذا النظام البديع».