أوراق رمضانية.. نبحر خلالها في ما ارتضاه الخالق لخلقه، وما يليق بالمسلمين نهجاً وسلوكاً وفهماً وحياةً. فيها نجد ما قاله الرب والعبد في ما هو خيرٌ للناس، ونتلمس المعاني، وندرك التفاسير، ونحوط معاً في تعاليم ديننا الحنيف، في ما أقره الإسلام وانحاز إليه، وفي ما نهى عنه ونبذه.. نخلص النية للخالق جل وعلا، وندرك عظمة الفهم للأوامر الربانية. وفيها أيضاً ما يجول في حياتنا وتربيتنا الإسلامية..
نتعرف على حكم وأحكام، ونتلمس الدروب للفهم والإنجاز، ونتعمق في تدابير الخالق للكون والإنسان.. في أوراق رمضانية لـ محمد الطيب عربي، نتوقف بعين التأمل للتلذذ في ما يمكن أن يجعل من يومنا الرمضاني ثرياً وغنياً بما يرضي الله، وبما يرضي ضمائرنا المنتمية إلى هذه الرزانة والثقة؛ والتربية الإسلامية.
قال تعالى: «ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله» الآية 24 من سورة الكهف، وقال تعالى: «وما تشاءون إلا أن يشاء الله» الآية 30 من سورة الإنسان. يقول الراغب في مفردات ألفاظ القرآن: روي أنه لما نزل قوله تعالى: «لمن شاء منكم أن يستقيم» الآية 28 من سورة التكوير، قال الكفار: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله تعالى «وما تشاءون..» الآية.
وقال بعض علمائنا: «لولا أن الأمور كلها موقوفة على مشيئة الله تعالى، وأن أفعالنا كلها معلقة بها وموقوفة عليها، لما أجمع الناس على تعليق الاستثناء به في جميع أفعالنا. غير أننا نلاحظ في زمان الغفلة هذا إهمالنا تعليق الاستثناء بالله في حركاتنا وفي سكوننا وفي كل أفعالنا تقريباً إلا من رحم ربي وقليل ما هم.
لم نعد نقدم المشيئة فيما نفعله. هذه إحدى بناتي في العاشرة من عمرها جاءتني تقول لي: إننا لم نسافر هذا العام في إجازتنا السنوية، وعلى ذلك في العام المقبل ينبغي أن نسافر، وعندما قلت لها: إن شاء الله تسافرون نظرت إليّ وقالت: بل يجب أن نسافر، وكأن بالصغيرة قد فهمت تقديم المشيئة تسويفاً تماماً كما يفهم ذلك كثير من الكبار أيضاً ممن ابتعدوا طويلاً عن مفهوم تقديم المشيئة فيما يريدون فعله.
ولكي أعلم صغيرتي درساً في مفهوم المشيئة، وبالتالي يعتبر به غيرها أجلستها ورحت أقص عليها أسباب نزول الآية «ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله» الواردة في سورة الكهف حسب ما أورد ذلك علماؤنا المفسرون. وراحت الصغيرة تصغي لما أقول جيداً مما يدل على أنها شغوفة ــرغم حداثة سنهاــ أن تفهم شيئاً تضيفه إلى معلوماتها.
أهل الكهف
قلت لها: يقول علماؤنا المفسرون في أسباب نزول هذه الآية الكريمة: إن اثنين من مشركي قريش أرسلهما قومهما من مكة إلى المدينة ليتصلوا بأحبار اليهود فيها ويسألوهم عن محمد صلى الله عليه وسلم بصفتهم أهل كتاب وعندهم علم بالنبوة والأنبياء، فقال اليهود للرجلين: قولوا لقومكم: اسألوا صاحبكم عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم؟ فإنهم قد كان لهم حديث عجيب «وكانوا يعنون أهل الكهف» وليسألوه عن رجل طوَّاف بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه؟
«يعنون ذا القرنين» وليسألوه عن الروح فإن أخبركم بذلك فهو نبي واتبعوه، وإن لم يخبركم فإنه رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم، وعندما سألت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم عما حدثهم اليهود بشأنه، قال عليه الصلاة والسلام «أخبركم غداً عما سألتم عنه» ولم يستثنِ، بمعنى لم يقدم المشيئة، فانصرفوا عنه ومكث عليه الصلاة والسلام خمس عشرة ليلة لا يحدث الله له في ذلك وحياً، حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غداً، واليوم خمس عشرة أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء عما سألناه عنه.
وشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جاء الوحي بعد ذلك بالإجابة عما سألت قريش بشأنه بإيعاز من اليهود. أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه عن أصحاب الكهف والرقيم وعن ذي القرنين، وأما عن الروح فبيَّن له أنها من أمر الله. وبين الإجابات كان العتاب الرباني لمصطفاه من خلقه أن لا يقول لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا بعد تقديم المشيئة. وظل هذا التوجيه التربوي قرآناً يتلى إلى يوم الدين لكي نستفيد منه، فهل أفدنا منه ونحن نتلوه؟
هذا وقد نظرت في عيني ابنتي التي قصصت عليها ذلك، فأحسست أنها استوعبت الموضوع وفهمت الدرس تماماً، والدليل على ذلك تطبيقها له بعد ذلك، فما كانت تريد أمراً مستقبلياً غداً أو بعد غد أو بعد شهر أو بعد سنة أو سنوات إلاّ وتقدم المشيئة.
مشيئة الله
ولنا في قصة موسى عليه السلام مع العبد الصالح الدروس والعبر، وهي أيضاً واردة في سورة الكهف، فعندما صحب موسى عليه السلام ذلك العبد الصالح ليتعلم منه ما لم يكن يعلمه بتوجيه من الله، قال ذلك العبد الصالح «إنك لن تستطيع معي صبراً» فقال موسى: «ستجدني إن شاء الله صابراً» قدم المشيئة، ومع ذلك، وكما هو معروف من سياق القصة التي ورد ذكرها في سورة الكهف، لم يستطع موسى عليه السلام الصبر على ما قام به العبد الصالح من أمور لم يفعلها في واقع الأمر عن أمره هو وإنما هي من أمر الله.
لم يصبر موسى على ذلك على الرغم من أنه قدم المشيئة، لأن المولى سبحانه وتعالى لم يشأ له هذا الصبر لحكمة يعلمها هو سبحانه، فانقطع التعليم الذي كان قائماً بينه وبين العبد الصالح في ثلاثة أمور فقط، وهكذا مشيئة الله الغلابة، بينما نجد إسماعيل عليه السلام عندما أخبره أبوه إبراهيم عليه السلام أنه يرى في المنام أنه يذبحه قال: «يا أبت أفعل ما تؤمر، ستجدني إن شاء الله من الصابرين» لم يقل صابراً، وإنما قال «من الصابرين» في موقف جد حساس هو موقف ذبح.
وربما لهذا التواضع الجم، تواضع الصالحين، تحققت مشيئة المولى فيه ففداه الله بذبح عظيم في اللحظة الأخيرة، فكانت مكافأة هذا الصبر الانقاذ من الموت الذي استسلم له طوعاً لمشيئة الله. وفي موضع آخر نجد العبد الصالح مع موسى في مدين تحقق له الصلاح الذي قدم عليه المشيئة قال تعالى على لسان ذلك الرجل الصالح: «قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج، فإن أتممت عشراً فمن عندك، وما أريد أن أشق عليك، ستجدني إن شاء الله من الصالحين».
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المدينة يأتيها الدجال فيجد الملائكة يحرسونها، فلا يقربها الدجال ولا الطاعون إن شاء الله» وبعد: إن أمورنا في حياتنا كلها ينبغي أن تكون مرتكزة على مشيئة الله، أن نقدم هذه المشيئة في أعمالنا وفي أفعالنا، فإذا لم يتحقق ما نتمناه أو نقصده، فعلينا أن نوكل الأمر لصاحب الأمر، وأن نؤمن أن الله وحده لم يشأ سبحانه لهذا الأمر أو ذاك أن يتم، وعلينا أن نجرب غيره في إيمان وتوكل على الله، وأن نجدد السعي والعمل وبذل الأسباب، وأن نطرق الأبواب دون تقاعس أو يأس وقنوط. النجاح والفشل
تقديمنا للمشيئة فيما نريده لا يعني النجاح أو الفشل فيه، فذلك متروك لمشيئة الله التي قدمناها في سعينا أو في ما ننوي فعله، فإذا لم نوفق في أمر ما أردناه، فينبغي ألا نحزن أو نتبرم من عدم توفيقنا فيه، ونمضي في السعي في وجهة أخرى مستعينين كذلك بالمشيئة الربانية فما نكرهه ربما يكون الخير فيه وما نحبه ونتطلع إليه ربما يكون من ورائه شر، فالله وحده يعلم ونحن لا نعلم، وما علينا إلاَّ أن نصبر على أمر لا نعلمه.