أوراق رمضانية.. نبحر خلالها في ما ارتضاه الخالق لخلقه، وما يليق بالمسلمين نهجاً وسلوكاً وفهماً وحياةً. فيها نجد ما قاله الرب والعبد في ما هو خيرٌ للناس، ونتلمس المعاني، وندرك التفاسير، ونحوط معاً في تعاليم ديننا الحنيف، في ما أقره الإسلام وانحاز إليه، وفي ما نهى عنه ونبذه.. نخلص النية للخالق جل وعلا، وندرك عظمة الفهم للأوامر الربانية. وفيها أيضاً ما يجول في حياتنا وتربيتنا الإسلامية.. نتعرف على حكم وأحكام، ونتلمس الدروب للفهم والإنجاز، ونتعمق في تدابير الخالق للكون والإنسان.. في أوراق رمضانية لـ محمد الطيب عربي، نتوقف بعين التأمل للتلذذ في ما يمكن أن يجعل من يومنا الرمضاني ثرياً وغنياً بما يرضي الله، وبما يرضي ضمائرنا المنتمية إلى هذه الرزانة والثقة؛ والتربية الإسلامية.

 

ترتاح النفس للصوت الجميل، يجذبها إليه ويطربها تلاوة للقرآن، أو أداء الأذان، أو الغناء الرصين الذي ليس فيه خروج على الآداب والوقار، ولا يشجع على فاحشة أو فجور، وهو أمر محبب في الإسلام، وليس بمستنكر ولا مرفوض.

ما دعاني إلى أن أخوض في هذا الموضوع خاطرة كتبها أحد الأخوة الصحافيين، وكان موضوعها عن الأذان ورفعه ببعض الأصوات المنكرة والمنفرة في بعض المساجد، لا نبرات طيبة ولا وضوح في النطق، ويقودني هذا إلى ذكريات أيام جميلة، عشتها مع أخ فاضل في إحدى المدن الأوروبية، في تسعينات القرن الماضي، وقد أصر أن أكون في ضيافته وهو أمر قل أن تجده في أوروبا لعوامل كثيرة، ليس هذا مجال الخوض في تفاصيلها.

هذا الأخ الكريم من الملتزمين بدينهم منهاجاً وسلوكاً، لم تحوله عن هذا الالتزام الأجواء الأوروبية المعروفة والتي تجعل كثيراً من الوافدين إليها ينسلخون عن قيمهم وسلوكهم الإسلامي. هذا الأخ الكريم كنا عندما نعود من العمل في سيارته «والعمل هناك يستغرق النهار كله أو معظمه» يسمعني من مسجل السيارة تسجيلاً من أغنيات الموسيقار المصري الراحل محمد عبدالوهاب، ومعروف أن أغاني عبدالوهاب من لونية الطرب العربي الأصيل ليس فيها ما يستفز المشاعر أو يخرج عن الوقار.

هذا في المساء في طريق العودة، وأما في الصباح فكان ذلك الأخ يسمعني تسجيلاً من تلاوة قرآنية بصوت المرحوم المقرئ محمد رفعت، وهو من الأصوات التي تجعلك تتلذذ بحلاوة القرآن من خلال صوته الفريد، وعندما كنت أسأل ذلك الأخ لماذا محمد عبدالوهاب مساء ومحمد رفعت صباحاً كان يبتسم وهو يجيبني بقوله: عند الرواح «يعني المساء» يا أخي نكون متعبين مكدودين فنسمع محمد عبدالوهاب ونحن على تلك الحال التي ربما جرتنا إلى «الدردشة» والأحاديث فلا يكون علينا من بأس ونحن نستمع إلى الغناء.

أما استماعنا غدواً «أي في الصباح» إلى الشيخ محمد رفعت في تلاوته بصوته العذب فيتوجب علينا أن ننصت لها خاشعين، لا نتحدث أثناءها، حتى إذا وصلنا إلى مكان العمل تكون تلك التلاوة التي استمعنا إليها في سكون، قد شحنتنا بالذكر خلال التفكر في الآيات أليس كذلك؟ وكنت أوافقه في هذه النظرية العجيبة التي أتمنى أن يجربها كثير من الأخوة أثناء الطريق في سياراتهم رواحاً بعد انتهاء العمل، الاستماع إلى الغناء التطريبي الرصين من أصحاب الأصالة، وهم متوفرون والحمد لله ومن ثم الانصات أثناء طريق الغدو إلى العمل تلاوة مباركة من صوت عذب كصوت الشيخ محمد رفعت أو غيره من الأصوات الجميلة، والإسلام ليس ضد الترويح عن النفوس ــ كما يظن البعض ــ كلا وإنما ضد ما ينحدر بنا إلى السفاسف «ولنا وقفة مع هذا الموضوع إن شاء الله».

والدليل على أن الإسلام مع الأصوات الجميلة يحبب إليها اختيارنا للمقرئين حسني الصوت في التلاوة، وللمؤذنين ذوي الأصوات الجميلة في رفع الأذان، ولو أن هذه الأخيرة لم نعد نعيرها اهتماماً فكثرت أصوات المؤذنين المنكرة. والصوت الجميل تلاوة للقرآن أو نداء للصلاة يلعب دوراً مهماً في مجال الدعوة.

تحضرني قصة لا أذكر تماماً من رواها لي، وهي أن أحد رجال الأعمال من الأخوة المسيحيين مرَّ إلى جانب أحد المساجد أثناء رفع الأذان للصلاة، وكان المؤذن من أصحاب تلك الأصوات الجذابة، فما كان من الرجل إلا أن أمر سائقه بالتوقف وراح ينصت إلى الأذان في تلذذ واضح حتى انتهى، ثم انطلق به سائقه نحو البيت وقبل أن يصله سمع صوت أذان آخر وكان هذه المرة من الأصوات المنكرة للدرجة التي جعلته يضع أصابعه في أذنيه حتى لا يسمع ذلك الصوت المنفر.

يقول الراوي: وعندما وصل الرجل إلى بيته أخذ مبلغاً من المال وقال لسائقه اذهب وادفع هذا المبلغ للمؤذن الأخير الذي آذاني الاستماع إليه.

وتعجب السائق وظن أنه أخطأ فراجعه قائلاً تقصد يا سيدي المؤذن الأول الذي أعجبك صوته وأطربك حتى أمرتني بالتوقف عنده؟ فكان جواب الرجل للسائق: لا يا هذا وإنما للأخير المنفر وانا أعي ما أقول، وكان لزاماً علي أن أكافئه تدري لماذا؟ قال السائق في حيرة: لا يا سيدي قال الرجل: لأن الأول بصوته العذب كاد يخرجني من ديني واعتنق الإسلام، فإذا بالأخير يردني عن ذلك بصوته المنكر، أفلا يستحق مكافأة مني؟

من خلال هذه القصة التي أكد لي راويها أنها حدثت بالفعل وليست من نسج الخيال، ألا نرى كيف تؤثر الأصوات الجميلة في النفس؟ وعجبت لرجل بنى مسجداً وسط مجموعة من البنايات السكنية التي يملكها في إحدى مدننا العربية، فأمر الكهربائي أن يجعل مفتاحين لمكبرات الصوت، أحدهما كتب عليه «الداخل» أي للمكبرات الداخلية بالمسجد والآخر كتب عليه «الخارج» والمقصود المكبرات الخارجية المثبتة على المئذنة، وأصدر أمره بألا تستعمل المكبرات الخارجية إلا للأذان فقط، أما الإقامة والصلوات الجهرية فلا يستعمل الإمام فيها غير المكبرات الداخلية.

والسبب الذي دعاه إلى ذلك ــ حسب رأيه ــ حتى لا يتأذى سكان بناياته من غير المسلمين، أما سكان الناحية من الأغلبية المسلمة فلم يحسب لهم ذلك الرجل حساباً. والعجيب في الأمر أن أمام ذلك المسجد من أصحاب الأصوات العذبة الجذابة المريحة التي يرتاح إليها المسلم وغير المسلم وكذلك المؤذن، وأن الرجل الذي يخاف من سكان بناياته غير المسلمين أن ينفروا فيخلوا البنايات، ما يدريه لعل صوتا امام مسجده العذب يجذب بعض أولئك النفر فيدخلون في دين الله.

قبل أن نختم ورقتنا هذه عن الأصوات الجميلة، أورد لكم نبذة مما كتبه الدكتور محمد رجب البيومي عن الشيخ المقرئ محمد رفعت قال: «لقد عجب الناس أن يكون هذا المقرئ الخاشع فناناً موهوباً، ونسوا أن أكبر المطربين من المغنين لا يحسن دوره إلاَّ بمصاحبة «أوركسترا» مكتملة، والأوركسترا الفرقة الموسيقية المتعددة الآلات يرسم له طريق النغم ويهيئ له جو الترديد ارتفاعاً وانحداراً، وهمساً وانتفاضاً، بل إن الصوت يتضاءل وينكمش، فتأتي الألحان المسعفة المنقذة لتنقذه من فشله الذريع، أما محمد رفعت فيستعين بصوته وحده على أداء رسالته العجيبة، فيبلغ من الإبداع والروعة ما ينقل الناس من الأرض إلى السماء.»

هذا الكلام الذي قاله الدكتور رجب البيومي عن محمد رفعت ينطبق على كثيرين من أمثاله، ومع ذلك أهملوا فلا نجد لهم تسجيلات جيدة تحفظ هذا التراث القيم من الأصوات الجميلة.

إسلام الجن

 

إن نفراً من الجن في هدأة الليل عندما سمعوا تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هداهم الله بتلك التلاوة إلى الرشد. قال تعالى «قل أوحي إليَّ أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآناً عجباً، يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً». وفي آيات أخرى يبين المولى عز وجل أنهم انطلقوا إلى قومهم يزفون إليهم بشرى استماعهم للقرآن ويدعونهم إلى الإسلام، فأسلمت قبيلة منهم.