أوراق رمضانية.. نبحر خلالها في ما ارتضاه الخالق لخلقه، وما يليق بالمسلمين نهجاً وسلوكاً وفهماً وحياةً. فيها نجد ما قاله الرب والعبد في ما هو خيرٌ للناس، ونتلمس المعاني، وندرك التفاسير، ونحوط معاً في تعاليم ديننا الحنيف، في ما أقره الإسلام وانحاز إليه، وفي ما نهى عنه ونبذه.. نخلص النية للخالق جل وعلا، وندرك عظمة الفهم للأوامر الربانية. وفيها أيضاً ما يجول في حياتنا وتربيتنا الإسلامية.. نتعرف على حكم وأحكام، ونتلمس الدروب للفهم والإنجاز، ونتعمق في تدابير الخالق للكون والإنسان.. في أوراق رمضانية لـ محمد الطيب عربي، نتوقف بعين التأمل للتلذذ في ما يمكن أن يجعل من يومنا الرمضاني ثرياً وغنياً بما يرضي الله، وبما يرضي ضمائرنا المنتمية إلى هذه الرزانة والثقة؛ والتربية الإسلامية.
سورة الإخلاص
هي سورة من أربع آيات فقط، ولكن فضلها عظيم كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، في ترتيب المصحف الشريف تلي سورة «المسد» وتليها المعوذتان «الفلق» و«الناس»، تسمى سورة «الإخلاص» و«التوحيد» و«الأساس» لاشتمالها على أصول الدين. ولم يأتِ ترتيبها في المصحف بعد «المسد» من فراغ وإنما لارتباط بها. هذا الارتباط هو أن أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أعداء التوحيد.. أعداء الله، وأعداء الإسلام وأعداء الحق في كل زمان وفي كل مكان.
سبب نزولها
روى الطبراني من حديث عبدالرحمن بن عثمان الطائفي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكل شيء نسبة، ونسبة الله قل هو الله أحد الله الصمد، والصمد ليس بأجوف. وروى الإمام أحمد عن أبيّ بن كعب أن المشركين من قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، أنسب لنا ربك، فأنزل الله عز وجل: قل هو الله أحد، وفي فضل هذه السورة العظيمة أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً على سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بقُل هو الله أحد، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟
فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبروه أن الله يحبه. ومن حديث عقبة بن عامر قال: لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فابتدأني فأخذ بيدي فقال: يا عقبة بن عامر، ألا أعلمك خير ثلاث سور أنزلت في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن العظيم؟ قال: قلت بلى، جعلني الله فداك. قال: فأقرأني: قل هو الله أحد.. قل أعوذ برب الفلق.. وقل أعوذ برب الناس، ثم قال: يا عقبة.. لا تنسهن ولا تبت ليلة حتى تقرأهن، قال ــــ أي عقبة ـــ فما نسيتهن منذ قال لا تنسهن وما بت ليلة قط حتى أقرأهن.
ولهذه السورة أسماء عدة، وتعدد الأسماء يدل على عظمة المسمى، وهي سهلة على كل لسان وميسرة للحفظ ولا ينبغي أن يتقالها أحدنا ـــ أي يعتبرها قليلة، فهي على ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعد ثلث القرآن.
قال علماؤنا المفسرون في معنى الأحدية، فالله وحده هو الذي يقصد في جميع الحوائج، فالكل مفتقر إليه فهو السيد الذي يصمد إليه وحده في الحوائج. قال ابن عباس: الصمد: السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف، الذي قد كمل شرفه.. إلخ. ومن كماله سبحانه أنه لم يلد ولم يولد. ألا تكون من خير ما أنزل سورة هذه شأنها باختصار شديد.
سورة الفلق
سورة «قل أعوذ برب الفلق» هي السورة الثانية من الثلاث الموصوفات بالخيرية، والفلق ــــ لغة ـــ الصبح. قال الإمام الزمخشري صاحب تفسير «الكشاف» الفلق والفرق: الصبح ، لأن الله يفلق عنه، ويفرق يقال في المثل: هو أبين من فلق الصبح، ومن فرق الصبح، ومنه قولهم: سطع الفرقان: إذا طلع الفجر. قال الشاعر:
يا ليلة لم أنم بت مرتفقاً أرعى النجوم إلى أن نور الفلقُ
وقال آخر يصف ثوراً وحشياً:
حتى إذا ما انجلى عن وجهه فلقٌ
هاديه في أخريات الليل منتصب
ونأتي إلى مفردة أخرى من مفردات هذه السورة الموسومة بالخيرية لمعرفة معناها لغوياً وهي غاسق، الغاسق: الليل إذا اعتكر ظلامه
قال الشاعر:
يا طيف هند لقد أبقيت لي أرقا إذ جئتنا طارقاً والليل قد غسقا
والمفردة الثالثة هي وقب: أي دخل ظلامه كل شيء، ويقال: وقبت الشمس: إذا غابت وفي الحديث «لما رأى الشمس قد وقبت» قال: هذا حين حلها، يعني صلاة المغرب.
والمفردة الرابعة: النفاثات: السواحر اللواتي تنفث في العقد التي تعقدها، والنفث: شبيه بالنفخ، وهو أقل من التفل (كما ورد في معاجم اللغة).
ومن فضائل هذه السورة الكريمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ما ذكر الترمذي عن أبي سعيد، كان يتعوذ من الجان والإنسان حتى نزلت المعوذتان فأخذهما وترك ما سواهما. وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بقل هو الله أحد والمعوذتين جميعاً، ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده، قالت: ولما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به.
وعظمة هذه السورة الكريمة وأختها التي تليها وهي «الناس» تأتي من أن ما يقوم في قلب المؤمن من الالتجاء والاعتصام بالله والانطراح بين يدي الرب العظيم والافتقار إليه، والتذلل بين يديه، أمر لا تحده أو تحيط به العبارة، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في امتثال أمر الله في الاستعاذة قوله: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم» وقوله: «أعوذ بكلمات الله التامات كلها من شر ما خلق»: وقوله: «أعوذ بعزة الله وقدرته» وقوله: «أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحل علي سخطك، لك العقبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك».
سورة الناس
هي ثاني المعوذتين وسميت بـ «الناس» لذكر لفظ «الناس» في السورة الكريمة خمس مرات ويلاحظ أن وضعها في المصحف الشريف جاء في آخره، بها تختم التلاوة لتبدأ من جديد بفاتحة الكتاب وهكذا دواليك، فيكون خير ما يفتتح به مرتبطاً بخير ما يختتم به. وقد بُدئت هذه السورة التي هي من خير ثلاث سور أنزلت، برب الناس، كما بُدئت أول سورة في الكتاب الكريم برب العالمين، وهذا الارتباط بين البدء والختام يدل دلالة واضحة على أن ما في هذا الكتاب الكريم شيء واحد، ومن جهة أخرى الأمر يدل على ملاك الأمر كله ــــ في هذا الدين القويم ـــ هو التوجه إليه وحده سبحانه وتعالى، وتوحيده في ربوبيته وألوهيته والإخلاص إليه في القول والعمل والالتجاء إليه والاستعانة به والتوكل عليه والاعتصام به واللياذ بجنابه والوقوف ببابه. هو الغوث في الشدائد إليه يفزع الملهوف للإغاثة من كل كرب ومن كل ضيق، وبه يستغيث لينصره إذا أحاط به الأعداء.
«مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين» هذا في فاتحة الكتاب، ونعوذ به من شر الوسواس الخناس الذي هو أعدى عدو للناس، نعوذ به ليس من الجنة فحسب، لكن أيضاً من شرور شياطين الأنس، لأنه رب الناس وإلههم. هذا في سورة الناس التي نحن بصددها. من أجل هذا الارتباط في المضمون، ارتبطت السور الثلاث: أم القرآن ــ فاتحة الكتاب ـــ والمعوذتان (قل أعوذ برب الفلق)، (قل أعوذ برب الناس)، بهذه الخيرية التي قصد إليها علماؤنا في معايشتهم لهن.
يقول العالم الجليل محمد محمود الصواف ــ رحمه الله ــ: لقد تضمنت سورة الفلق الاستعاذة من الشر الذي هو ظلم الغير لنا بالسحر والحسد وهو شر من خارج. وتضمنت سورة الناس الاستعاذة من الشر الذي هو سبب ظلم العبد نفسه، وهو شر من داخل، وهو بسبب الذنوب والمعاصي كلها، وهو منشأ العقوبات في الدنيا والآخرة وهو الشر الداخل في الإنسان. يقول الدكتور محمد رأفت السعيد: «في المعوذتين ما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون من الحذر تجاه شياطين الإنس والجن، وإن الملجأ إلى الله وحده، فهو الذي ينجي من شرورهم، وهذا التنبيه القرآني الكريم في المعوذتين يدل على الصيانة والحماية المبكرة للمؤمنين، حتى يبقى نموهم صحيحاً لا تؤثر فيه العداوات المريضة. فهلا نكون على هذا الحذر؟