العادات والتقاليد العربية الأصيلة، هي الموروث الذي نشأنا عليه منذ نعومة أظفارنا، فالعادات هي قبس الماضي، وهي الروح المتجددة لحاضرنا. فكم هي شيقة تلك الحكايات التي تذكرنا بعبق أجدادنا وماضيهم الذي لا يزال نابضا في وجداننا.
وأجمل بداية لهذه الحكايات هي (عادة التزاور بين الأهل والجيران) فالتزاور في الأحياء القديمة، كان الانعكاس الحقيقي للمودة الصادقة، وهو الترجمة الواقعية للتواصل الرحيم بين الأقارب والأصدقاء والجيران في الحي الواحد.
فكان السؤال عن أحوال بعضهم البعض منذ أن تشرق شمس الصباح إلى أن يعودوا جميعا في المساء إلى بيوتهم المتواضعة. في الفترة الصباحية؛ تجتمع النساء في بيت إحداهن يتجاذبن الأحاديث، ويتقاسمن الهموم ويشرفن على الكثير من المهام المختلفة، ويشاركن بعضهن البعض في تقديم واجب الضيافة في المناسبات الاجتماعية المختلفة؛ كالأعراس والعزاء وعودة الحجاج من بيت الله الحرام وفي الأعياد.
في هذه المناسبات يبرز دور الرجال بشكل أوضح فكانوا يجتمعون في المجالس يتفقدون أحوال بعضهم البعض ويسأل الحاضر عن الغائب لاسيما من يفتقدون حضوره لصلاة الفجر, كانوا على قلب واحد في السراء والضراء, وما يبرهن على ذلك حرصهم الشديد على تكرار زيارة المريض حتى يمن الله عليه بالشفاء.
و يحضرني قول كان يردده العرب في أهمية الزيارات للأوقات العصيبة والشدائد "من ما لفاني والديار مخيفه **** لا مرحبا به و الديار أمان".
أروع صور التكافل
الجميل في هذه الحكاية أنهم كانوا يصطحبون الأبناء في بعض الزيارات العامة، لينهجوا على منوالهم فينشأ الصغار على التطبع بطباع آبائهم, وحرصهم الشديد على الزيارات الخاصة لأرحامهم وأقاربهم.
لقد رسموا لنا أروع صور التكافل الاجتماعي وباتت حاضرة ومتجسدة في أذهاننا.
ما نراه الآن من هذا الفقد الكبير لهذه الروح الاجتماعية يكاد يثير شيئا من القلق في دواخلنا، من أن تندثر هذه العادة الأصيلة؛ التي تنضح بالرحمة والمحبة الخالدة في القلوب بلا أي شروط، فلقد ترجم أجدادنا وآباؤنا الشيم الكريمة في أرقى معانيها.
ملامح ذهبية
بعد هذه الحكاية ذات الملامح الذهبية الأصيلة، وبعد هذه الومضة السريعة على عادة من عادات بيئتنا القديمة, تساورنا أحاديث في أنفسنا قبل أن نتحدث بها جهراً... وتعترينا بعض التساؤلات؟ ترى! أين نحن من تلك الحياة المليئة بالعلاقات الاجتماعية الدافئة؟
وكيف هي عادة التزاور في حياتنا وأين وصل بها الحال بعد هذه التطورات الكبيرة، التي شهدها الوطن في مستوى المعيشة للمجتمعات المحلية؟!
هل ستغنينا وسائل الاتصال الحديثة والمتقدمة عن متعة التزاور الحميم بيننا وبين من يشاطروننا الحياة من الأهل والأقارب و الجيران!؟ لقد أصبح إيقاع الحياة المعاصرة سريعا، وأصبحت اللقاءات والزيارات خالية من ذلك الترابط الوجداني والمشاركات المعنوية الأصيلة، نريد العودة من جديد لتلك القيم النابعة من الدين الإسلامي الحنيف، ومن الموروث العربي الرفيع. نريد أن تدب الحياة في علاقاتنا بجيراننا الذين أوصانا بهم الرسول صلى الله عليه وسلم وبذوي القربى من أرحامنا.. هكذا ستعود العادات الرائعة التي شهدتها الحياة في الماضي.. وستشتعل جذوة الروابط، وستعود النفحات العبقة تعطر حياتنا بشذا الوفاء وعبير التراحم, فما أحوجنا لتلك العودة من جديد. سأترككم هنا والى لقاء آخر غداً مع عادة جديدة من جواهر العادات والتقاليد.