عنواننا هو شعبيات عبر محطات، في كل جانب سنتناول موضوعا مختلفا حول معطيات الذاكرة ومخزوننا منها، في هذه المساحة تتنوع الموضوعات، وتتوالى اسماء الشخصيات التي تستعرضها.
الذاكرة الشعبية عماد نبع مهم من ينابيع التراث الثقافي، فهي بمثابة المصنع للتراث، تتم فيها صناعة أنماط جديدة من التراث وأدبياته، في الحياة العامة تتبع التقاليد بشكل دقيق ونمطي، لكن الخروج على التقاليد لا يدوّن إلا في ثنايا الذاكرة الشعبية.
في هذه الإطلالة سوف نستعرض واياّكم بعض ما سجلته الذاكرة الشعبية، والذي يعتبره الكثير من الباحثين من هوامش التراث، فهم لا يعدونه في متن التراث إلا فيما ندر.
قصة وداع
حين يحل فصل الصيف.. وكان يُسمى (القيظ) نجد سكان الساحل وخاصة الرجال قد اختاروا المكان المناسب لقضاء الموسم فيه، وغالبا ما يتقرر ذلك أثناء استعدادهم لرحلة الغوص التي قد تطول إلى أربعة اشهر. في هذه الفترة يكون الأهل قد انتقلوا بـ(الرجاب) أي الجمال أو بـ(اللنجات) المراكب الخشبية، أو بسيارات تسمى (العريبي).
يتفق المسافرون من كل عائلة على اختيار (الكري) المناسب، والكري هو الدليل وصاحب النوق التي ستنقلهم إلى المصيف، وله معرفه كافية بأحوال الطقس، و(قص) أو اتباع الأثر والاهتداء بالقمر والنجوم ليلاً، وبظل الشمس نهاراً، كما يعرف منابع المياه العذبة.
من أشهر الأدلاء (بن قصمول) وكان مختصا بطريق العين أو البريمي، و(بن شحام) وكان يقلهم إلى الباطنة في سلطنة عمان. ومن مستخدمي (اللنجات) المراكب عرف (الرفيسا) حيث ينقل مجموعتين الأولى تنزل في مناطق بشمال رأس الخيمة مثل اليادي وغمضة وخصب والرمس وشمل والخران، ثم يأخذ المسافرين الآخرين إلى منطقة دبا، وقيل فيها (بنحضر دبا وبنشوف مقيظها).
مجموعة من الأسر كانت تذهب باستخدام سيارات (العريبي) وعرف من أصحابها بن جرش حيث يقلهم إلى (اليزيرة) أي الجزيرة والتي كانت تسمى (المياز) وهي منطقة من مناطق الشارقة، وبعضهم إلى (البراحة) وهي من مناطق دبي.
ساحلية وبرية
كلمة (القيظ) تعني شدة الحر، ويقال (النخل قاظ أو يقيظ) أي استوى رطبه، وقاظت (الهمبا) أي المنجا بالمعنى نفسه، وتشير الكلمة أن موسم الحر شديد هذه السنة لذلك كانت الناس تهرب من القيظ إلى المناطق الجافة والتي تشتهر بمياه العيون أو الافلاج.
هجرة المشتى
كان السكان يهجرون منازل الطين الشتوية إلى (العرش) التي كانت تبنى من جريد النخل وهي تسمح بمرور الهواء. كما تبنى (منامة) لنوم جميع أفراد الأسرة عليها، وتكون مرتفعة عن الأرض لمنع الحشرات من الصعود، ولكي ينعموا بنسيم لطيف أثناء الليل، ويتم بناء هذه المواقع من قبل أهل المنطقة أنفسهم ليستفيدوا من مردودها. تعتبر المصايف في الإمارات وعمان من أجمل المصايف في تلك الفترة حيث يشد الرحال لمناطقها البريه مثل العين والبريمي وصعرا وعبري وصولاً إلى الباطنة التي تتميز بساحل كبير، وهي من أجمل المناطق الشرقية حيث تتوفر فيها (الشريعة) أي عيون الماء العذبة والافلاج، ذات الأبعاد الاسطورية أحيانا الضاربة في عمق التاريخ، التي كانت تسمى (داودي).
وتشتهر بأجود أنواع النخيل، إضافة إلى اعتدال جوها وجفافه خاصة أنه في المساء يصبح أبرد ويحلو فيه السمر، فتقوم النساء بالطبخ، ويقوم الرجال بعمل القهوة حتى موعد النوم وكل تلك الأنشطة تكون في (الرايح) وهي ساحة الفريج حيث يجتمع الناس بعفوية وتتسع المجموعة بكل راغب في الانضمام إليها.
أما المصايف الساحلية فهي كثيرة وغنية وجاذبيتها بتوفر الأسماك فيها، إضافة إلى تنوع مزارع الحمضيات والنخيل والفاكهة كالهمبا والتين واللوز والسدر والرمان، ويفضل هذه المصايف كثير من اهالي دبي والشارقة وعجمان حيث يختارون (خصب) وقيل فيها هذا الشعر (حاضر خصب ياب اليليلي/ والتمر يابه بوقذيلات/ والسعن مخروز عديلي/ اللي مقيِّل تحت غافات).
وهناك من يفضل (غمضا) و(اليادي) و(الرمس) و(شمل) و (شعم) وكلها تشتهر بأشجار النخيل والهمبا اللومي، (الليمون) كذلك دبا وهي من أجمل مصايف الساحل الشرقي في ذلك الوقت. أما المناطق الداخلية فمنها مسافي وتشتهر بالهمبا والنبج والرمان واللومي.
احتياجات القيظ
يجهز الكري أدواته لنقل المسافرين حسب وجهتهم المختارة ويوفر الابل المعدة للسفر، والمطارح التي تربط بالشداد الذي يحمل السيدات والبنات، أما المسافرون فيكون عليهم تجهيز الخيام الصيفية وشراء الحصر والمير مثل العيش والسكر والطحين، وتأمين (الدهن) أي السمن والمالح والجسيف (السمك المجفف والمملح) والفراش والملابس. تبدأ مجموعة من السيدات في تحضير (المدلوجة) التي تصنع من الطحين والتمر والدهن وقليل من الزنجبيل لكي تبقى طوال مدة الرحلة.
كما تؤخذ مجموعة من الدجاج الحي للاستفادة من بيضه وريشه أثناء الرحلة، وأيضا بعض من الاغنام من أجل لبنها ولحومها وصوفها. ولا ينسون تأمين كمية كافية من القهوة، وحمل الدلال والكوار والمهباش والفنر والكاز والحطب والحبال. فالرحلة تستغرق أياما، وخلالها يتم التوقف للاستراحة والطبخ وتناول الطعام.
وفي جوانب الشداد تخزن الأغراض وتنطلق الرحلة أو القافلة من الشارقة مثلا إلى الذيد فطوي حمده والمدام والشويب والهير حتى العين والبريمي إلى عبري.
أما الأسر التي ستسافر عبر البحر فتنطلق إما من جميرا في دبي أو من الليه في الشارقة، أو عجمان وأم القيوين، وتكون الاستعدادات نفسها تقريباً، ولكن الأخيرين يستغرقون فترة أقصر للوصول وهم غالبا لا يحملون الخيام لأنهم لا يحتاجونها.
القيظ بين مهذب وسلامه وبناتها
السفر الطويل له مشقة، لكن التوقف في بعض الأماكن يعطي دافعاً للقريحة وقول القصيد، وقد تؤلف بعض الخرافات وقد يصدقها البعض ويكذبها آخرون، ومن ذلك ما قيل في طوي حمده، وأنه سمي باسم امرأة اسمها حمده، ويقع البئر أو الطوي بالقرب من المدام في الشارقة، ومازالت هذه الطوي تسقي الناس بمائها العذب، أما طوي مهذب فاستخدمه المسافرون براً إلى رأس الخيمة، وللشاعر راشد الخضر السويدي (رحمه الله) في طوي مهذب هذا الشعر: (يروى رشاكم من مهذب/ واسقو العطشان من ماكم) أما خرافة (سلامة وبناتها) فهي من حكايات الخيال التي مازلنا نتداول أخبارها.
وهي من الجزر الواقعة بالقرب من مضيق هرمز، وبحكم الجبال الموجودة في تلك المنطقة فإن الامواج حين تصطدم بالجبال تخلف أمواجا متدافعة أو متلاطمة وتسمى (سايورة) فيخيل للناس أنه غضب، ولن يهدأ ما لم يلقوا ببعض من أمتعتهم في البحر لتهدئة غضبه، فيمروا بسلام، وتصمت عنهم (سلامة وبناتها) كما أطلقوا عليها، ولكن الحقيقة أنهم حين يلقون بأمتعتهم فإن وزن السفينة يخف فيسهل مرورها بسبب دفع الرياح لها.