أيام شهر رمضان المبارك ولياليه تتميز بخصوصية وروحانية عالية، حيث تنتظر العائلات في أرجاء الوطن قدومه كضيف عزيز وجميل، ليجمع شمل الأسرة على موائد الإفطار وقد عمرت بما لذ وطاب من الاكلات والحلويات. ولكون رمضان شهرا واحدا يهل على الأمة طوال عام، فإن فيه تتبارى المطابخ الخاصة والعامة لتعد أفضل الاصناف واندرها بعض الاحيان. وفي هذا التحقيق نستطلع عادات بعض المجتمعات وتقاليدها الغذائية والاجتماعية في هذا الشهر الفضيل.
يُجرح رمضان بالمجاهرة بالإفطار في نهاره، وذلك من التجاوزات الخطيرة التي يمارسها البعض، غير مكترثين بتعاليم الدين ولا بمشاعر الآخرين، والمفطرون يضربون عادات المجتمع وقوانينه عرض الحائط، مبررين تصرفاتهم بالحرية الشخصية التي فسروا مفهومها بما يتناسب مع أهوائهم.
إيذاء المشاعر
وللتعرف إلى الأسباب التي تدفع إلى ذلك وآثاره السلبية على المجتمع يقول محمد أحمد صالح: إن غياب الوازع الديني عن بعض الأشخاص يدفعهم إلى انتهاك حرمات رمضان بالأكل والشرب في نهاره، ومن دون عذر قاهر أو شرعي يبرر تصرفهم العبثي، وبالرغم من أن الدين حرّم الإفطار عمداً في نهار رمضان، وفرض عقوبات قانونية على الذين يمارسون هذه التصرفات في الشهر الفضيل إلا أن ذلك لم يردع من لم تردعه نفسه عن المخالفة.
وأضاف أن هناك بعض الفئات التي تعتقد أن مثل هذه التجاوزات حرية شخصية، ولكن مفهوم الحرية يعني أن للفرد حقا في ما يفعل شريطة ألا يضر أو يؤذي مشاعر الآخرين، ومن خلال ذلك ندرك أن الأكل أو الشرب أمام الصائم إيذاء لمشاعره وغيره من الصائمين، ويندرج ضمن المساس بحريات الأشخاص الآخرين.
انتهاكات محرمة
من جانبه استشهد خلفان جمعة بأحد المشاهد التي أثارت استغرابه واستياءه فقال: في يوم من أيام رمضان كنت متوجها إلى العمل في الساعة التاسعة صباحاً، وفي طريقي توقفت عند محطة البنزين لأزود سيارتي بالوقود، وفوجئت بشاب في مقتبل العمر وهو خارج من سوق المحطة يحمل معه كوباً من الشاي وقارورة مياه معدنية، والواقع أنني صدمت بالمشهد وتوجهت على الفور إلى تذكير الشاب فقد تصورت أن يكون نسي أننا في رمضان وأنه نسي أنه صائم، ولكن أحزنني رد فعله؛ فقد استنكر هو سؤالي المصدوم، ليقول بحدة: من أنت لكي تحاسبني، وبلا أدنى شعور بالخجل ولا بذرة من الحياء مضى في طريقه، الحقيقة أننا في مجتمع مسلم وملتزم ومثل هذا السلوك مرفوض من الأطفال ممن وجب عليهم الصوم، بل وحتى ممن يدينون بغير الاسلام، فكيف يمكننا تقبله من مسلم عاقل وبالغ؟! هذه كبيرة.
مقياس مغلوط
أما راشد أحمد عبدالله فأشار قائلا: ان المجاهرة بالإفطار في نهار رمضان اقتناع شخصي يصل إليه بعض الأشخاص نتيجة ملازمتهم لأصدقاء السوء وبالتالي التأثر بهم. فعندما يلحظ المراهق شخصا يأكل أمامه يشعر بالغيرة، فيحاول أن يقلده بأن يفعل الشيء نفسه في أول فرصة، ولعله في البداية قد يشعر بالخوف والرهبة من الله والناس نتيجة هذا التصرف المحرم والمشروط، ولكن مع الاستمرار يصبح الأمر بسيطا وعاديا، بل وربما ينسى المفطر أنه في رمضان أساسا وليس في النهار منه فحسب، فيأكل على مرأى من الناس، لافتاً إلى أن مثل هذه التجاوزات تنتشر بصورة أكبر عند المراهقين، حيث اصبحوا يتنافسون في ما بينهم، معتبرين أن المجاهرة بالإفطار مقياسا للشجاعة وتعزيز قوة الشخصية، ولذلك لا بديل عن كبح تفكيرهم الخاطئ، وتغيير المفاهيم التي تشربوها من أصدقائهم، وهناك وسائل عديدة ومختلفة لفعل ذلك.
المطاعم العالمية
ويقول يحيى مصلح: ان من الأسباب التي تدفع ببعض الأفراد إلى الإفطار في نهار رمضان ومن غير عذر موجب، هو تقديم بعض المطاعم للمأكولات خلال ساعات النهار، خصوصا المطاعم العالمية ومطاعم الوجبات السريعة، وعدم فرض أي قيود عليها، لأن فئات مختلفة من المقيمين والسياح يفدون إليها لكونهم غير مسلمين، فيجد من ضعفت ضمائرهم ما يدعم رغبتهم في استباحة حرمة رمضان وتناول المأكولات، مضيفا: أن هناك قلة ممن أعرفهم للأسف ينتهزون فرصة عمل هذه المطاعم، فيتوجهون لتناول المأكولات فيها بدون خجل، ويستهجن مثل هذه التصرفات لأنه لا يوجد ما يدفعهم إلى ذلك، فالحياة أصبحت مريحة وفيها سبل التخفيف التي تبعد المشقة عن الصائمين.
المناعة الفكرية
في حين يؤكد طاهر طلال: أن المجاهرة في نهار رمضان تثني عزيمة الأطفال عن الصيام، وتتنافى بشكل سلبي مع أصول التربية التي يسعى ولي الأمر لغرسها في نفوس أبنائه، فعندما يشاهد طفل وهو في أول تجربة له في الصيام؛ شاباً يفطر وهو في مقتبل العمر ويتناول الطعام أمامه، فإن ذلك سوف يضعف من عزيمته ويدفعه ذلك الى عدم الصيام لأنه سيشعر بصعوبة الأمر عليه وهو الصغير، مشيراً إلى أن علاج هذه الظاهرة لا يتأتى بمراقبة المجاهرين والترصد لهم في الفرص التي يستغلونها بغية احراجهم مثلا حتى يعودوا عن فعلهم، لا؛ وإنما بتقوية المناعة الفكرية في نفوس الأطفال، من خلال ترغيبهم في الصيام وليس إجبارهم عليه.
لا تعميم
وإن كان البعض تهزمه الارادة في الصبر عن الجوع والعطش، خاصة حين يقع الصوم في فصل الصيف القائظ، إلا أن الأمر لا يعمم. فالكثيرون ينتظرون رمضان بفارغ الصبر ليؤدوا هذه الفريضة، بل ويختبرون فيه قوة تحملهم وصدق إيمانهم، وأما من يتجرأ على الافطار فهم قلة لكن تأثيرهم جارح.