الذاكرة الشعبية عماد نبع مهم من ينابيع التراث الثقافي، فهي بمثابة المصنع للتراث، تتم فيها صناعة أنماط جديدة من التراث وأدبياته، في الحياة العامة تتبع التقاليد بشكل دقيق ونمطي، لكن الخروج على التقاليد لا يدوّن إلا في ثنايا الذاكرة الشعبية.

في هذه الإطلالة سوف نستعرض وإياّكم بعض ما سجلته الذاكرة الشعبية، والذي يعتبره الكثير من الباحثين من هوامش التراث، فهم لا يعدونه في متن التراث إلا فيما ندر.

عنواننا هو شعبيات عبر محطات، في كل جانب سنتناول موضوعا مختلفا حول معطيات الذاكرة ومخزوننا منها، في هذه المساحة تتنوع الموضوعات، وتتوالى اسماء الشخصيات التي تستعرضها.

حديثنا في إطلالة اليوم عن السرد، فللسرد الشعبي في الإمارات أشكال عديدة: وهي الرمسة، والسالفة، والمثل أوالقصة ـ والخروفة، والغطو (الألغاز). كما هناك القصيد، ومنه (النشيدة ، والشلة).

ونستعرض أشكال السرد بشيء من الشرح، فالرمسة.. هي الكلام الدارج بين الناس أي (القوالب التصريفات ). وهناك الكلام الخاص حين يقال ( الشيخ عنده رمسة في المختصر ). أي في مجلسه الخاص لعدد محدود من الرجال من الخاصة.

وجاء في ما يقال عن أحاديث المناسبات (و ابَا مورة و ذبيحة.. والرمسة .. وأيضا والرزفة ليلتين).

كما هناك تعبير للشيء للأمر المعيب فيقال (حرمة عليها رمسة). أي تشكيك في السمعة.

وهناك الشيء أو الأمر المكذوب فيقال (حرمة حشيم و هذي الاّ رمسة). وهنا دفاع عن الجنسين لكنه يخص المرأة أكثر وأن ما ورد ما هو إلا إشاعة وافتراء.

تصنيف الرمسة

فالرمسة: هي الكلام العادي، ولكن هناك (مصاصر) وهو الهمس، وهناك (خريط) أي أنه كلام يُلقى بغير ترتيب أو انتظام أو ترابط. وأما حشْره: فهو الحديث بصوت عال من دون نتيجة مفيدة، وهو ما يخلف سوى زعيق.

ويقال (يتحرطم أو تحرطيم) وهو التذمر والاحتجاج بصوت مسموع.

والـ (هذربان، ويهذرب أو يهربي)، أي كلام غير مفهوم، أو بدون داع.

(اللَّغْوَه): وهي الردود غير المهذبة (فلان يلاغي فهو لغّاي) أي كثير الكلام في المشاحنة. وأما اللِّغابه: فذلك هو الكلام في غير محله ويوصف بـ (فلان لغْب).

تصنيف السالفة "السوالف"

هي المادة الرئيسية للسرد الشفاهي اليومي في كل الأمكنة تقريبا، وهي الأكثر حضورا وحساسية لدى الناس، وتكاد تكون إحدى أهم مواد التلقين التربوي والتاريخي والاجتماعي لدى الأسر في الإمارات.

الأمثال

قول مأثور يتميز بإيجاز لفظه وإصابة معناه، ويكون قد قيل في مناسبة معينة، واستخدم ليذكر في مثل تلك المناسبة، وقد أدرك العرب أهمية الأمثال، فجمعوها وحرصوا عليها.

فالمثل هو جملة مفيدة موجزة متوارثة شفاهة، وهو جملة محكمة البناء بليغة العبارة، شائعة الاستعمال عند مختلف الطبقات.

والمثل يلخّص قصة عناء سابقة وخبرة غابرة اختبرتها الجماعة، وقد حظي عند الناس بثقة تامة، فصدقوه لأنه يسهم في حل مشكلة قائمة بخبرة مكتسبة بمشكلة قديمة انتهت إلى عِبَر لا تنسى. وقد قيلت هذه العبرة في جملة موجزة قد تغني عن رواية قصة ما جرى.

يقول الفارابي:"هو ما ترضاه العامة والخاصة في لفظه ومعناه حتى ابتذلوه في ما بينهم وقنعوا به في السرّاء والضرّاء، ووصلوا به إلى المطالب القصيّة، وهو أبلغ الحكمة لأن الناس لا يجتمعون على ناقص.

مصادر الأمثال الشعبية

الحكايات الشعبية، والأمثال الفصيحة، الشعر الشعبي، وأيضا خلاصة تجارب وممارسات وتجارب انسانية، بعضها بقايا معتقدات قديمة، ومما هو مستمد من التعامل مع شعوب وثقافات أخرى.

أما مضمون الأمثال وخصائصها هو أصالتها، حيث كثير من الأمثال الإماراتية قديمة الجذور، عربية المنشأ، مع أنها ليست بلفظها الفصيح، إنما طرأ بعض التعديل والتحريف في معانيها وألفاظها وأسباب قولها عن أصلها العربي، ولعل البعد الزمني سر ذلك الاختلاف.

إلا أن لها واقعيتها، حيث تمتاز الأمثال الشعبية في الإمارات بواقعيتها التي اكتسبتها جراء شيوعها بين الناس، فهم يحفظونها بسهولة ويسر.

كما تختص ببلاغتها، فهي تمتاز بإيجاز اللفظ وتركيزه، وبإصابة المعنى ودقته، وببعد مغزاها، فهي تعبر عن المعنى الكثير باللفظ القليل، على طريقة خير الكلام ما قل ودل. أما (موسيقاها) فإنه لا تخلو أمثالهم من الرشاقة اللفظية، ففيها جرس موسيقي وتناغم بين ألفاظها وتناسق بين الجمل، وتجانس بين الأحرف، وجملهم وتراكيبهم في أمثال قصيرة بشكل عام، مما سهل حفظها، وساعد على تداولها بين العامة.

الحكايات

ومنها حكايات مغنّاة وهي (خريريفات)، وحكايات خرافية وهي (خراريف).

ولدينا الحكايات التاريخية تتناول (الهجرات ـ الصراعات ـ القحط ـ الأمراض الوبائية). وحكايات التجارب الشخصية وهي (السوالف). وهناك حكايات المعتقدات، وحكايات الأمثال، وقصص الحيوان، والحكايات الدينية، والحكايات الهزلية، والقصص الشعرية، وحكايات الفراسة.

أما الخريريفات، فهي الحكايات الخرافية المغنّاة ومن أشهر ما قيل فيها: (خريريفه مجيريفه، و.. يا عليا).

وأما (الخراريف) فهي الحكايات الخرافية، وتنقسم إلى أقسام عديدة تبعا لشخصيات البطولة فيها، وعلى سبيل المثال: الأبطال البشر، والبطال أنصاف البشر، والحيوانات العجيبة، (خاصة الصراع بين الحيوان الطيب والحيوان الخبيث ومنها (الكلب والقط )، والنباتات وأعاجيبها، والجمادات، الجن و الشياطين.

ولاشك أن المورد الرئيس للحكايات الشعبية والخرافية التي نستقي منها هذه الكنوز الدلالية الحكيمة، هي حكايات التجارب الشخصية (السوالف)، وقصة المرموم، قصة البحّارة. وخاصة الشعر ومنه (يَتْ بِشْعَرَه تِنْقِادِي/ دِنْيِا يومْ أقْبَلَتْ/ وْيُوم أَدْبَرَتْ مَاَفَادِي/ سَلاَسِلْ قَطّعَتْ).

خاتمة الحكايات

لكل حكاية خاتمة تختص بفلسفة عميقة وذات أهداف تربوية وذوقية عديدة، فالسارد إما أن يكمل الحكاية أو يجزئها، وفي الحالتين فهو قبل التوقف يختم بهذا (وييت أنا عنهم)، (وعطوني سبع جنيّات، واحد خرّ، وواحد فرّ، وواحد مرّ، وواحد تحت لخريس احمرّ، وواحد عقيّته في الصنّيّه، و يوني كلاب جنيّه، وواحد عقيته في لصبخة يوني كلاب مصلّخة، وواحد عقيته في الغبَّة ياني هامور يسحب لغبه).

 

 

كاتب وشاعر وباحث في التراث

 

الغطو

 

اسلوب شعبي يقوم على الرمز لإعمال الذهن وتحفيزه على التفكير، ومنه الألغاز، والمعضلات اللسانية، كما يستخدم في القصيد لإخفاء اسم أو معنى في متن النص، لا يتوصل إليه إلا الفطين، وصاحب الفراسة. وأما القصيد فماهو إلا أشكال الأدب الشعبي، وهو موضوع كبير يستحق مساحة مستقلة.