لحظات رمضان جميلة دائماً فهي ذات مذاق خاص لأنها مواقف ثابتة لا يستطيع الزمن إزالتها من الذاكرة بالرغم من كثافة تفاصيل الحياة اليومية. وفي كل عام حين يقترب هلول شهر رمضان يبدأ كل شخص بتقليب شريط محفوظاته الذهنية الذي يحتوي العديد من المواقف المرتبطة بهذا الشهر، منها الصعب ربما ومنها الطريف، ولكنها في النهاية هي حصيلة جميلة تضفي على الشهر الفضيل طابعه الخاص. يستحضرها البعض مبتسماً وإن كانت سبباً للمتاعب حينها
يقول عيسى الودناني: من المواقف التي لا تفارق ذاكرتي، عندما كنت مدعواً عند أحد أصدقائي في منزله الذي يبعد عن منزلي ما يقارب ثلاثين كيلو مترا، وبعد أن عدت من صلاة العصر اتفقت معه أن أكون معه عند ساعة الإفطار. وأضاف: لكنني بعد ما أنهيت المكالمة قررت أن أنام دقائق قليلة حتى قبيل الإفطار، ومن ثم أتحرك مباشرة إلى منزل صديقي، ولكن النوم كان له رأي آخر عندما أحكم عليّ سلطانه سلطته وأخذني إلى ما بعد صلاة المغرب، تاركاً صديقي ينتظر مما أدى إلى غضبه مني، وإلى غضبي أنا منه بعد ما اتصلت به عدة مرات بدون أن احصل على رد منه، لأنه ترك الهاتف في الغرفة المجاورة، لكن لم أخسر الدعوة، فلقد تحولت من دعوة لوجبة الإفطار إلى دعوة لوجبة العشاء.
مقلب صعب
وأشار سليمان السويطي عن أصعب موقف قائلاً: إن أصعب يوم قضيته في رمضان، كان ذات يوم عندما فكرت في الخروج مع أفراد عائلتي للإفطار في البر، بسبب جمال الطقس بعيد سقوط بعض الأمطار الخفيفة التي خلفت جواً استثنائياً في ذلك اليوم، فجهزت جميع ما يلزمنا، وحملت ما لذ وطاب من المأكولات التي طهيت بعضها في المنزل والبعض الآخر اشتريته من السوق، وقبيل أذان المغرب بدأنا التجهيز للمائدة في أجواء مفتوحة، ولكن لم يدم ذلك الطقس البديع سوى لحظات، لتنقلب أحوال الجو من الغيوم الناعمة إلى موجات من الغبار والهواء المجنون الذي طمر الطعام كله بالرمال، وانتهت الرحلة بالإفطار في السيارة وبكمية قليلة من الماء فقط.
بين الحرج والغضب
أما محمد عبدالله فيسرد هذا الموقف من ذكرياته فيقول: ارتبطت ذكرياتي في رمضان بالحادث الذي تعرضت له خلال شهر رمضان والذي قضيت على اثره عدة أيام في المستشفى بسبب إصابتي ببعض الكدمات. ففي أحد الأيام حينما تجمع أصدقائي في المستشفى، فقرر أحدهم أن يقيم بمناسبة شفائي إفطاراً جماعياً في منزله بعد خروجي من المستشفى، لبى الدعوة جميع الأصدقاء باستثنائي حيث لم أسمع بموضوع الدعوة التي رتب لها صديقي حينها، وكنت قد قررت أنا في اليوم نفسه أن أدعو أقاربي لإفطار جماعي بالمناسبة نفسها، فانشغلت بالتجهيز لاستقبال ضيوفي.
وقبيل أّذان المغرب بدقائق اتصل بي صديق ليعرف سبب تأخري عليهم ويعاتبني لأن الدعوة على شرفي، ولأني صاحب المناسبة ويفترض أن أكون أول الحاضرين، لكني كنت آخر من علم، وتفاجأت في مكالمته لأنني لم أعلم ولم أسمع بهذه (العزومة) إلا في تلك المحادثة وفي تلك اللحظة، وأوقعتني هذه الحادثة بين مطرقة الإحراج من أقربائي، وسندان الغضب من أصدقائي.
هربت من الوقت ففات الأوان
ويذكر عبد السلام محمد أصعب يوم رمضاني قضاه ويقول: ذلك هو اليوم الذي غلبني النوم فيه ولم أنهض للسحور، وفي الصباح شعرت بعطش وجوع شديدين، وفي حينها كان نهار رمضان أطول من ليله، وبعد عودتي من عملي نمت إلى صلاة العصر، لكن بعد عودتي من المسجد اشتد بي الجوع والعطش فقررت أن أخرج من المنزل حتى لا أشم رائحة الطعام، وقررت أن أقضي الوقت بالتجوال فوق الرمال أتصبَّر حتى يمضي الوقت بسرعة وأعود إلى المنزل لتناول الإفطار، ولكنني لم أتوقع ما كان يخبئه لي القدر، فقد غاصت إطارات سيارتي في أمواج الرمال، ولم أستطع إخراجها، وبعد محاولات يائسة لجأت لهاتفي لأطلب المساعدة لكن الهاتف كان يخبئ لي هو الآخر فخا.
وقد خيب أملي بالخروج من هذا المأزق بسبب فراغ الشحن منه، وما كان أمامي من خيار سوى الانتظار حتى يمر أحد بهذا الطريق فيساعدني، ولكن طال انتظاري، فقررت أن أتوجه إلى الشارع مشياً على قدمي لعلي أجد من يوصلني إلى مكان أطفئ عطشي وجوعي ثم أعود لاستخراج سيارتي، ولكن الشارع كان شبه خال من المارة فقد كانت ساعة الإفطار، والكل منشغلٌ بإعداد المائدة في انتظار أذان المغرب، وبعد ساعة من اذان المغرب وقفت بجواري سيارة أجرة وأقلتني وأنا بحالة من الإعياء الشديد، وبعدما كنت هارباً من سعة الوقت عدت بعد فوات الأوان.
مفاجأة فاشلة
وفي الإطار نفسه قال يوسف عبدالله من السعودية: ذكرياتي في رمضان كثيرة وتحتاج لساعات للحديث عنها، ولكن سأتحدث عن آخر موقف تعرضت له، عندما دعاني أحد أقاربي إلى الإفطار معه في منطقة بعيدة من مناطق السعودية، وأردت أن أفاجئه بالزيارة حتى لا يتكلف في إعداد الطعام والموائد، فخرجت من منزلي في الساعة الثالثة من بعد الظهر متجهاً إلى بيته، والذي لا أعرف موقعه تحديداً إلا بشكل عام من خلال الكلمات التي املاها عليّ بالهاتف، وبعد مضي ساعتين من المسير اكتشفت أنني سلكت الطريق المعاكس تماما، وعوضاً عن أن أتناول الطعام في بيت صديقي أفطرت وحيدا في أحد مطاعم الطريق.