الأسرة منّة من ربكم جل في علاه قالَ سبحانَهُ: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً) سورة النحل- آية 72.
وإنّ من أوجب الواجبات، وأعظمِ المسؤوليات، وأكبرِ الأمانات؛ أمانةَ تربية المسلم لأسرته مبتدئا بنفسه، ومثنّيا بمن يعول.. أدناه فأدناه.
وهذا من معنى قول الله: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) سورة التحريم آية 6.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ) والتضييع أشكال وألوان.. ماديّ وأخلاقيّ وأسريّ، وهلم جرًّا..
أجر التربية مستمر
وحسبك من محامدها أي التربية - أن العبد يؤجرُ عليها ويثابُ على ما بذل فيها حتى بعد موته: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ).
وحسبك من محامدها أن يُرفعَ في قدره، ويُضاعَفَ له في أجره، ويُعقبَ بخير في أثره: قال تعالى: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتُهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتَهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين) سورة الطور آية 21. فهذا جزاء الأبناء بصلاح آبائهم!
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: أَنَّى هَذَا؟ فَيُقَالُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ ) وهذا جزاء الآباء بصلاح أبنائهم!
فسبحان الرحمن القائل في محكم القرآن ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) سورة الرحمن آية 60.
عود بنيك على الآداب في الصغر/ كيما تقرَ بهم عيناك في الكبرِ
فإنما مثلُ الآداب تجمعها/ في عُنفُوان الصِّبا كالنقش في الحجرِ
هي الكنوز التي تنمو ذخائرُها/ ولا يُخافُ عليها حادثُ العبرِ
النصائح دعائم
وهذه بعض نصائح ودعائم جمعتها من كلام أهل العلم وطلبته لا حرمنا الله وجودهم وبركتهم ورتبتها وهذبتها فاستمسك بها أخي المسلم وأختي المسلمة في شهر التربية لعل الله أن ينفعك بما فيها فهو أكرم مأمول وأجل مسؤول.
أولا: إن تربية الأسرة عبادة يؤجر عليها العبد ولابد فيها من إخلاص النية وتجريدِها لله تعالى: فلا يتعَبُ المسلم في التربية ليقال عنه إنه أحسن فيها، أو ليشار إليه بالبنان بأنه قد بذل الغاية في البحث عن سبل الهداية: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى) وكم من مفاخِر بأن أولاده على قدر عال من العلم والتربية وليس له من ذلك إلا السمعة. نعوذ بالله من الخِذلان!
ثانيا: احتساب الأجر عند الله تعالى في ما يبذل في هذه التربية، فهي شاقة لا راحة معها، وطويلة لا انتهاء لها فعَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ، دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ) قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: ( وَبَدَأَ بِالْعِيَالِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: وَأَيُّ رَجُلٍ أَعْظَمُ أَجْرًا، مِنْ رَجُلٍ يُنْفِقُ عَلَى عِيَالٍ صِغَارٍ، يُعِفُّهُمْ أَوْ يَنْفَعُهُمُ اللهُ بِهِ، وَيُغْنِيهِمْ ) وعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا أَنْفَقَ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةً، وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا، كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً). الاحتساب هو طلب الثواب فالتربية كل الناس يمارسونها، وليس كل الناس يؤجرون عليها!
ليس اليتيمُ من انتهى أبواه
وخلَّفاه في همِّ الحياة ذليلاً
إن اليتيم هو الذي ترى
له أم تخلَّت وأبا مشغولاً
القدوة الصالحة
ثالثا: القدوة الصالحة.. فنفسك ميدانك الأول، فإن قدرت عليها فأنت على غيرها أقدر وعلى سواها أمكن، فابدأ بها فأصلحها، يصلح الله لك رعيتك، ومن هم تبع لك، فإنهم يوم يسمعون منك ما يناقض ما صدر عنك، يقع الخلل، ويعظم الزلل! (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) سورة الصف آية 2 -3. قال تعالى: (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب) سورة هود الآية 11.
يا أيها الرجلُ المعلمُ غيرَه
هلا لنفسك كان ذا التعليمُ
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى
كيما يصِحَّ به وأنت سقيمُ
ونراك تصلح بالرشاد عقولَنا
أبدا وأنت من الرشاد عديمُ
فابدأ بنفسك فانهها عن غيها
فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل ما تقول ويُهتدى
بالقول منك وينفع التعليمُ
لا تنه عن خلق وتأتيَ مثلَه
عار عليك إذا فعلت عظيمُ
ترى.. ماذا تتوقع من ابنك أيها الأب المدخِن؟!
مدرس قراءات قرآنية