الذاكرة الشعبية عماد نبع مهم من ينابيع التراث الثقافي، فهي بمثابة المصنع للتراث، تتم فيها صناعة أنماط جديدة من التراث وأدبياته، في الحياة العامة تتبع التقاليد بشكل دقيق ونمطي، لكن الخروج على التقاليد لا يدوّن إلا في ثنايا الذاكرة الشعبية.
في هذه الإطلالة سوف نستعرض وإياّكم بعض ما سجلته الذاكرة الشعبية، والذي يعتبره الكثير من الباحثين من هوامش التراث، فهم لا يعدونه في متن التراث إلا فيما ندر.
عنواننا هو شعبيات، في كل جانب سنتناول موضوعاً مختلفاً حول معطيات الذاكرة ومخزوننا منها، في هذه المساحة تتنوع الموضوعات، وتتوالى أسماء الشخصيات.
اخترنا موضوعنا الأول بعنوان المجالس، لأن المجالس هي المصانع الرئيسة للذاكرة الشعبية، ففيها تحاك عباءات السرد المختلفة، بلغة وقوالب خاصة.
لقاؤنا في رمضان، لأن شهر رمضان شهر مبارك، ذو حميمية خاصة ووهج ثقافي قلّما نجد له نظير بين شهور السنة الأخرى، فيه يتجدد الحديث عن المجالس، والملتقيات الفكرية والثقافية والاجتماعية بطبيعة الحال.
منبع الخبرات
في الإمارات تعتبر المجالس أساسا للروابط الاجتماعية، ومنبعا للمشورة وتناقل الخبرات والعادات والتقاليد والمعارف الشعبية والأدب الشعبي.
وقد تنوعت المجالس في تراث الإمارات إلى أشكال عديدة، تبعا للمكانة والدرجة الاجتماعية لجلاّسها، مما أوجد أسماء مختلفة لها، وما هذه الأسماء الا صفات وهيئات حددت موضوعات الأحاديث في تلك المجالس. أما الاسم العام لهذه المجالس فهو "الميلس"، قلبت الجيم ياء حسب ضرورات اللهجة الإماراتية وخصوصياتها، من تسهيل واهمال و دمج وتحوير، وكما أسلفنا بأن كل وسط اجتماعي أو مجموعة تختار هيئة خاصة لمجلسها، فإن كان صاحب المجلس هو الشيخ "الحاكم" سمّي مجلسه "مبْرز" بتسكين الباء، لأن الشيخ يتّخذ في مجلسه مكانا بارزا يراه فيه الجميع.
والجلسة في ذلك المجلس تسمى "برزة"، في هذا المجلس الذي يسمى المبرز تدور أحاديث جادة حول البلاد ورعاياها وعن السياسة والشعر والأدب النخبوي الخاص، هناك في البرزة "المْقَهوي"، وهو الشخص المكلف بصب القهوة لضيوف الشيخ، ومن أمثالهم "فلان تفق برزه" والتفق هي البندقية، معنى المثل تشبيه الرجل قليل الحيلة عديم المنفعة بتلك البنادق المعلقة للزينة في مجالس الشيوخ، وهي فارغة من الذخيرة. أما إن كان صاحب المجلس من الأعيان أو من التجار أو الطواويش ومفردهــــا "طوّاش" أي تاجر لؤلؤ أو "نوخذا" أي ربّان سفينة، فإن كان كذلك فإن المجلس يسمى باســمه مجلس فلان أو "ميلس فلان"، وهو مجلس رسمي قد يكون "ثقيل الظل أحيانا"، فغالبا ما تسوده المجاملات والعلاقات النفعية.
أما إذا كان المجلس مجلس أنس وسمر وحكايات سمي "مرمس"، والأصل فيه "رمس" أي تكلم، والكلام هو الرمسة والجمع رمسة أيضاً، وجمع الجمع "رمسات" و "الرّماس" كثير الكلام.
مرامس النساء
لقد اشتهرت في الإمارات "المرامس" الى حد كبير، حتى أن بعض النسوة كانت لهن "مرامس" أسوة بالرجال، وكانت مجالس عمادها الأحاديث المسلية والحكايات والنوادر والقصص والأمثال وكل ماله صلة بالكلام، وهي مجالس ظريفة تبعث على البهجة والسرور وتزيد من التواد والتراحم، تختلط في هذا النوع من المجالس المأثورات الشفاهية والحكم والسير التي تتصل بحميمية المكان.
بريزة البدو
أما النوع الآخر من المجالس في الإمارات فهي "البريزة"، وقد تسمى "الحظيرة"، والبريزة مجلس للبدو يكون في ناحية بارزة من سكناهم في الصحراء، مفرشهم في البريزة الرمال الناعمة وغطاؤهم السماء المتلألئة بالنجوم، وهي على شكل حلقة غير مكتملة، فهي مفتوحة من جانب واحد، هو الذي يواجه مكان الدخول، الكل في البريز أو ضيف و مضيف، والجميع مسؤول عن متاع الضيافة من طعام وماء وقهوة حتى حليب النوق الذي يشتهرون به يساهم به القادر ويعرضه حسب الطلب باردا أو ساخنا، في هذا المجلس توقد النار لإرشاد الزوار الوافدين من بعيد والترحيب بهم، كما أن النار هي موقد دلال القهوة ومكان خَبْزِ (القرص)، كما يمكن تشبيه البريزة عند البدو بالمرمس عند الحضر، إن لم يكن النسخة البدوية المطابقة.
مناخ التواصل
كانت المجالس في الماضي حاجة وضرورة لمجتمع شفاهي مثل مجتمع الإمارات، وفي الوقت الحاضر هي مهمة أيضا حتى بعد تلاشي الأمية والابتعاد عن الشفاهية، فقد ساهمت المجالس هذه الأيام في خلق مناخ جيد من التواصل، كما ساهمت في فتح الأبواب الرسمية المغلقة، فما يسمى بالروتين في الحياة المعاصرة لا يقضي عليه أو يفتته غير المجالس التي تنمحي فيها كل مظاهر التسيّد والفوقية والتعالي.
ضوابط وتقاليد
بالرغم مما يقال من ان المجالس ليست إلا باباً للكلام والنميمة والغيبة وهو ما نهى عنه الإسلام الحنيف، وفي التراث العربي أمثال كثيرة تحث الناس على الإقلال من الكلام كقولهم " إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب"، وقولهم أيضاً " الصمت در والسكوت سلامة"، وفي الأمثال الشعبية الإماراتية "الرمسة قوت لكنها خراب بيوت"، إلا أن المجالس التي نعنيها لا تدخل ضمن هذا الإطار المشبوه، فهي تحكمها العادات والتقاليد والأعراف والقيم الأصيلة، كما أن روادها يفترض أن وازعهم الديني أكبر من أن يتفوهوا بما يخالف الفطرة السليمة والخير، وما يكون خلاف ذلك فهو من الدخيل على مجتمعنا.
من قاموس اللغة
في المصباح المنير: (أرمسته) بالألف لغة ورمست الخبر كتمته وارتمس في الماء مثل انغمس، أما في معجم الألفاظ المشتركة في اللغة العربية: فالرمس هو الصوت الخفي.