النقد أفضل وسيلة لتعديل السلوك، لأن الإنسان يصعب عليه ملاحظة عيوبه، وبالتالي فإن أفضل طريقة لتغيير الخلل هو النقد البناء الذي يأتي من محب.. يفرح إذا عدلت من سلوكك بعكس الناقد الحاقد يحزن إذا غيرت ذلك الخلل الذي فيك؛ لأنه لا يحب أن يعلو عليه أحد. والإنسان بطبعه يحب الثناء والمديح، إلا من رحم ربي. وهذا عكس المتواضع الذي يرى نفسه أقل من غيره.
ويحرص كل منا على ذوق الآخرين في لبسه وأسلوبه و كما جاء في المثل:( كل على ذوقك واللبس على ذوق الناس) بالفعل كل ما نفعله لأجل ذلك، وقد رغّب النبي عليه السلام في تحسين المظهر أمام الناس قال صلى الله عليه وسلم :( تجملوا حتى تكونوا كأنكم شامة في عيون الناس) فعيوبنا تكون ظاهرة لدى الغير ومخفية أحياناً عنا فالذي يهدي لك عيوبك فقد أسدى إليك معروفاً وأهدى إليك هدية غالية، لذلك خذ كل نقد بعين الاعتبار ولا تكابر، فالمكابر عدو نفسه لأنه لن يتغير ولن يعدل سلوكه بهذه النفسية المتعالية.
أنا شخصيا تعلمت كثيراً من النقد سواء كان بناءً أو هداماً مع أنه يؤثر على نفسيتي؛ ولكنني أستفيد كثيراً منه وأفكر في النقد الذي وجه لي هل هو صحيح أم لا؟ وأحرص جداً على ألا أُنتقد من أحد، وذلك بمراقبة نفسي وتصرفاتي، وجعلت انتقاد الآخرين لي معلمي الأول الذي يجعلني أبحث عن الصح وأجتنب الخطأ، ودائماً أسأل الأشخاص الذين يستمعون لمحاضراتي.. هل رأيت في كلامي خطأ؟ أو زلة لم أنتبه لها؟ وعلى المرء أن يدرك أن بعض الناقدين الحاقدين، يحاولون بشتى الطرق عرقلة نجاحه، بل أحدهم قال لشخص أعرفه وكان يشاهد معه إحدى محاضراتي عبر التلفاز.
قال: هذا الذي تراه كان مدمناً للمخدرات، وأنا والله بريء من هذا الكلام كبراءة الذئب من دم يوسف عليه السلام، وأمثاله كثر. والنقد من أجل الهدم، يكون من حاقد مكابر مغرور، ينتقدك حتى تكون حقيرا في عين نفسك وفي أعين الناس، ويحزن ويتألم إذا عدلت سلوكك، لأنه لا ينتقدك لأجل التعديل بل لأجل التشهير والتحقير، أما الناقد المحب الذي يكون نقده بناءً، فإنه يفرح إذا وجدك عالجت الخلل الذي فيك، فالإنسان مازال بخير ما كان له توفيق من الله عز وجل، وواعظ من نفسه، وقبول ممن ينصحه.
فإذا كنت بهذه الأخلاق فأنت بخير والحياة طيبة معك، وينبغي للذي به عيب أن يأخذ النقد بعين الاعتبار ويعمل على تغييره حتى يُقبل من الناس، وكما قال تعالى: ( فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين ) فإن كان ولابد من انتقاد من ترى فيه عيب فليسبقه مدح وثناء حتى يتقبل نقدك فتخرج من دائرة الحاقدين المدمرين للمواهب التي وهبها الله لبعض البشر، وبعض الناس حتى كلمة ( اتق الله) يرفضها ويقول لك لماذا؟ أو إذا قلت له الله يهديك! يمتقع وجهه لأنه شعر بالذنب. فاحرص على تقليل انتقادك للآخرين، وإن كان ولابد من ذلك، فليكن بالكلام الحسن وبلباقة وبأسلوب جذاب.
وطبيعة البشر لا تحب الذم والانتقاد، أما المؤمن يحرص أشد الحرص على انتقاد الآخرين له ويعمل على تغيير نفسه وسلوكه، وإياك أن تدخل في نيات الناس ومقاصدهم، وتنتقدهم بسبب ظنونك وتفسير عقلك لفعل رأيته في أخيك وظننت به الشر من دون أن تتحقق من ظنك. وإياك من الانتقاد الساخر، يقول الله تعالى: " يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ".
يسخر بعضهم من بعض وينتقص بعضهم بعضاً، كل أهل بلد يرون أنهم أفضل من أهل البلاد الأخرى، فالنقد الذي يسبب سخرية وفتنة ومنكراً فالسكوت أعظم، والناقد الحاقد هدفه من ذلك نشر الفضائح المتعلقة بالشخصية، ويجب أن يكون الانتقاد بغية إيجاد الحلول وتصحيح الخطأ. أهل الأدب قد اعتنوا بـ(النقد) حتى صار فنا عندهم، واستعملوه في تطوير معارفهم وكتاباتهم في صنوف الأدب المختلفة، بل تعدى ذلك إلى أهل الفنون الأخرى المرئية والمسموعة، ورصدت له الجوائز وعقدت الملتقيات والندوات في فن النقد. تسعة أعشار الفقه هي من باب الظنون، وكل أحد يؤخذ من كلامه ويترك، إلا النبي صلى الله عليه وسلم. فكن ناقداً لا حاقداً.
أخصائي أول توجيه وإرشاد في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري