من الشخصيات التي غابت ولم أرها ولم أعش بقربها ولم يتسن لي التعرف إليه، ولكن مع ذلك فقد ترك تأثيره في شخصيتي، من خلال السيرة التي نقلت لي من قبل المحيطين به في ذلك الوقت. إنه جدي لوالدتي سيف بن عبدالله السري، طيب الله ثراه، وأسكنه في جناته الفسيحة، والذي توفاه الله في أواخر الخمسينات من القرن الماضي.
وما سوف أسرده، في السطور التالية، هو من روايات الأهل: والدي ووالدتي وخالي هلال، بعضها ظني قد لا يكون مؤكداً، ولكنها في مجموعها تؤلف سيرة جدي، وبعض تفاصيل حياته ومعيشته، وهي التفاصيل التي تشعرني بكثير من الغبطة والسرور عندما استذكرها، فهي تنقلني إلى ذلك الزمان، وإلى اليوميات التي كان يعيشها جدي ووالدي وأقربائي في تلك المرحلة الزمنية التي ترتبط بجزء حميم من ذاكرتنا.
تعريف وأصول
هو سيف بن عبدالله بن علي بن عبدالله السري من قبيلة آل بومهير وهي من حلف بني ياس، ويعتقد أن هذا الحلف يرجع إلى ياس بن عامر وهو من بني عدنان، وهي من القبائل التي هاجرت من منطقة الظفرة في ليوا في الفترة من 1833 إلى 1845 تقريباً، وانتشرت في أغلب الإمارات.
والسري هي إحدى العائلات التي يقال إنها سرت ليلاً من الممزر بدبي إلى الليه مروراً بالخان (ولكن يقول خليفة بن ماجد بن علي السري ان هذه الرواية غير مؤكدة)، وبعدها سكنت في ميان الليه لذا سميت العائلة بالسري، وتبقى هذه الرواية في سرد سبب تسمية العائلة، رواية ظنية، ليست مؤكدة بشكل كامل، وإن كانت مقنعة في تفاصيلها بشكل عام.
ويعتقد أن جدي سيف السري ولد بين أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين في الليه، في وقت كانت المنطقة على موعد مع قدوم بعض المشاهد المختلفة إثر الحماية البريطانية على البلاد في تلك الفترة. والده عبدالله بن علي السري أحد أعيان الليه ووالدته مينه بنت مايد المر بالعبد من دبي وأنجبته هو وأخيه هلال الذي مات غرقاً.
خبرات عملية
سيف بن عبدالله هو الابن الثاني بعد أخيه محمد، ولد في فترة كانت أغلب إمارات الساحل المتصالح تعيش على البحر ومن خيراته، ويحكمها التآلف مع مياهه، وتعلم القراءة بشكل عام وقراءة القرآن بشكل خاص عند المطوع مثل أقرانه ومن كان في سنه، وكانت عنده المقدرة على القراءة والكتابة والحفظ، لذا كان والده يعتمد عليه في تسجيل كل ما يريده من أمور تختص بحسابات الغوص وتجارة بيع اللؤلؤ.
اكتسب سيف السري مهارات الرجولة مبكراً مما جعله يتحمل المسؤولية ويصبح مرافقاً لوالده عبدالله وعميه ماجد وسيف عند استقبالهم آنذاك - للشيخ سلطان بن صقر القاسمي حاكم الشارقة في برزة والدهم، كما تعلم الكثير في هذه البرزة التي كان يحضرها أغلب أعيان الليه والشارقة مثل قوم مقرب وقوم بن بشير، وكانت مدرسة لهم.
كما نقل لي صورة هذه البرزة والدي ماجد بن محمد السري باعتباره الحفيد الأول لعبدالله بن علي السري. يقول والدي ماجد: كان جدي عبدالله يلبسني الكندورة والبشت والغترة والشطفة ويضع لي الخنجر ويقول لي (هذا لبس الرياييل)، ويجلسني إلى جانبه ويناديني بالشيخ مايد وكنت أسمع ما يدور من حديث في هذه المجالس.
وكانت البرزة تعتبر من أشهر المجالس في الليه والشارقة، ويضيف: مازالت ذاكرتي رطبة بكل تفاصيل تلك الجلسات، وما كان يدور فيها من أحاديث، وما تطرحه من أفكار يتم تبادلها بين رواد المجالس في ذلك الوقت.وفي ظل الجو السائد لأغلب أهل الساحل تعلم سيف وإخوانه من مرافقة والدهم كل ماله علاقة بالبحر من الصيد ورحلات الغوص المختلفة والسفر للتجارة بين دول الخليج والهند وإيران.
ويقال انهم وصلوا إلى زنجبار، وكذلك رحلات القنص الشتوية للمناطق البرية، حيث عرف عبدالله بن علي السري بهواية الصيد بالصقور، وكان يملك أنواعاً مختلفة من الشواهين وكلاب السلق وأشهرها الكلبة (لعبوه) وكان جدي سيف يرافقه في هذه الرحلات .
كما رافقه في رحلات القيض عندما كان صغيراً إلى بخا وخصب واليادي وغمضى ودبا والبريمي وأغلبها كان يتم السفر إليها بالبحر إلا البريمي بقافلة من (الرجاب) الجمال وكان (كريهم) الرفيسا أي الدليل وهو صاحب الجمال كما إن بن قصمول كان الدليل أيضاً لأهل الليه والشارقة. وعن كيفية سفرهم لأداء مناسك الحج كان السفر بالعبارات من الليه إلى الدمام مروراً بأبوظبي وقطر ثم السيارات (العريبيا) أو (البيتفورت) إلى جدة.
وعي قيادي مبكر
كلما تحمل المسؤولية برزت سمات القيادة لدى جدي فأصبح هو المستشار لوالده وللعائلة، فكانت مقومات القيادة التي اكتسبها من والده أعطته الفرصة لكي يصبح أحد أبرز النواخذة في الليه، وهذه المؤهلات القيادية أدركها والدي والمحيطون بجدي بشكل واضح، فقد كانت بادية على تصرفاته وسلوكياته التي اتسمت بالمسؤولية والإدراك وبعد النظر.يقول عنه والدي ماجد: كان عمي سيف من الشخصيات المثقفة، وكان يحب القراءة ويسجل كل ماله علاقة برحلات الغوص التي توضع في البشتختة.
والتي تضم مختلف أنواع اللؤلؤ وأسماء الغواصين وأسماء المحامل مثل الشوعي والجالبوت والصمعا والسوكة والبقّارة والماشوّة والشوشة أو الشاشة وهذه ضمن الأسطول الذي امتلكه جدي عبدالله السري وتوارثه أبناؤه من بعده وأبرزهم عمي سيف.كما يقول:
سافرت في أول رحلة غوص لي معه وكان عمري سبعة أعوام وكان هو النوخذة، كان يجلسني إلى جانبه يعلمني كل ماله علاقة برحلة الغوص التي كانت تستغرق أكثر من أربعة شهور، وقد أوكل إلي سقاية الموجودين على السفينة من الفنطاس، وكانت لدي تعليمات منه (أي عمي سيف) بألا أسقي أحدهم حتى ينظر لي بنظرة القبول وكنت استمتع بهذه المهمة، وأقوم بها بحماس منقطع النظير، خاصة وأنها تشعرني بثقته بي، وتعلمت بعدها أن أكوّن مجموعة من المتطوعين لسقاية المحتاجين في مدينة الكويت عن طريق التناكر وتوزيع المياه عليهم وأنا كنت أشاهد والدي وهو يسجل عمل هذه المجموعة في دفتر خاص لمن يذهب التنكر إليهم اليوم.
قارئ للسير والشعر
وعرف سيف بأنه قاض للغوص ويحكم بين «الغواويص» قبل وأثناء الرحلة، ومن يستحق العقوبة يوضع في المحلوسة وهي قصر الشيخ (سجن الغواويص) وكان يعاونه في ذلك ابن عمه محمد بن ماجد السري قبل الرحلة، وبعد أن يتم تقويضهم أي استلام الراتب قد يهرب البعض منهم فيذهب محمد بن ماجد للبحث عنهم ويتم وضعهم في السجن إلى وقت السفر كما كان يعاونه أحد أبناء النييار في الحراسة.
وتقول عنه والدتي ابنته: أذكره يقرأ لنا يومياً من سيرة أبو زيد الهلالي، وقصص الزير سالم، ويردد ما كان يحفظ من قصائد الشاعر راشد الخضر، كما أذكر لحظة وفاة والدتي فاطمه بنت مايد السري وأنا في الرابعة من عمري ويقال انه ذهب ليتأكد من وجود رحلة للبحرين أو سيؤجر طائرة من مطار المحطة بالشارقة لينقل والدتي إلى البحرين للعلاج بسبب تعسرها في الولادة ولكنها كانت قد فارقت الحياة فتكفلت برعايتي جدتي لأمي مينه بنت سعيد المزروعي إلى أن توفيت، ثم تولاني خالي جمعه بن ماجد السري بالرعاية بعد وفاة والدي سيف.
أغلب الشواب في الشارقة يذكرون جدي بقولهم (كان نوخذانا) عندما يسمعون باسمه، وهذا دليل على أن صيته في مجال قيادة السفن مازال باقياً إلى يومنا هذا.
حياة حافلة بالعطاء
بعد وفاة والده بعد الحرب العالمية الثانية امتلك أسرار السفر والغوص في البحار وبرع في قيادة السفن واشتهر بذلك فسافر إلى قطر في أواخر الأربعينات، ثم سافر إلى الكويت برفقة جدي محمد ووالدي ماجد وعمي سعيد في بداية الخمسينات، فعرضت عائلة الدبوس في الكويت أن يكون نوخذا على سفنهم لما يتمتع به من شهرة في مجال الغوص.
سيرة حياة جدي سيف حافلة بالعطاء منذ ولادته حتى وفاته في قطر في أواخر الخمسينات، حاولت أن أتعلم من هذه السيرة القيادية كلما أتيحت لي فرصة، وأن أستمد من حياته، فتعلمت الكثير ولا شك وكثيراً ما حزنت لأني لم أحظ برؤيته ولكن سيرته العطرة باقية وخالدة في الأعماق، وما سردته هنا هو جزء بسيط عن هذه الشخصية التي ستبقى ذكراها فواحة بين جنبات الليه التي ولد فيها مع إخوانه، ولعب بين سكيكها وتعلم السباحة في بحرها وسافر على محاملها لكنه لم يعد إليها فلم يدفن في ترابها.