جاء إلى دبي طبيبا للعيون وهو في أوج تفتحه الذهني، وفي ريعان «الشباب المهني»، كي يسد نقصا في اختصاصه ضمن الطاقم الطبي للمستشفى الإيراني.

وكانت نيته، ونية الجهات التي ابتعثته، أن يعمل لمدة عام، ثم يعود إلى إيران، ليواصل عمله كأكاديمي واستشاري في جامعة كرمان في طهران. غير أن أسبابا كثيرة، منها ما هو مرتبط بشخصيته، ومنها ما هو متصل بعوامل مهنية، ومنها ما هو متعلق بالبيئة الجديدة التي وفد إليها للعمل فيها.

وهكذا، وبعد أن وطأت قدماه أرضا جديدة في عام 1992، وجد طبيب العيون الإيراني محمد ترابي نفسه يحصي، قبل أيام قليلة، العام التاسع عشر له مقيما في دبي.

وعلى الرغم من أنه كشف على عشرات الآلاف من المرضى، وأجرى آلاف العمليات، فإن الطبيب محمد ترابي، لا يزال يحنّ إلى العمل الأكاديمي، الذي كان يزاوله في جامعة كرمان التي قدم منها قبل تسعة عشر عاما.

وبعد عمل طويل لسنين طويلة، يستنتج طبيب العيون محمد ترابي، استنتاجا جازما، لا يرقى إليه شك: أن نعمة البصر تتغلب على متع الحياة مجتمعة. ويعزز قناعته هذه أنه هو شخصيا يعاني من ضعف في النظر منذ سنين طويلة، يضطر معه إلى اصطحاب النظارات الطبية في حلّه وترحاله، عندما يغدو إلى عمله، وحينما يروح إلى بيته.

 

قصة البداية

التقيت الطبيب محمد ترابي في العيادة الخارجية التابعة للمستشفى الإيراني في دبي قبيل صلاة العصر، وقد كانت آثار التعب بادية على وجهه، بعد يوم طويل من العمل، والكشف على المرضى، لكن آثار التعب سرعان ما بددها ذكرى القدوم إلى دبي قبل نحو عقدين من الزمن. فمن هذه النقطة بدأ حديثي معه، فقال لي، وقد تفتحت أساريره على وقع ذكريات تلك الأيام، فقال:

قصة بداياتي في الإمارات تعود إلى عام 1992 عندما رشحني رئيس جمعية الهلال الأحمر الإيراني لسد نقص في اختصاص العيون والقرنية في المستشفى الإيراني في دبي، فاتفقت معهم على أن أرجع إلى طهران بعد عام واحد، لاستئناف عملي كعضو في الطاقم التدريسي في جامعة كرمان، وهانحن في العام الحادي عشر بعد الألفين، وما أزال أنتظر نهاية ذلك العام!وأما الأسباب التي حالت دون عودته إلى طهران، فيلخصها ترابي، بقوله: تعرضت لضغوط من أجل عدم العودة لأنهم يقولون لي:

«لم نؤمن بديلا مناسبا حتى الآن»، وكذلك فقد وجدت راحة نفسية في هذا البلد الذي تتسم الحياة فيه بالهدوء والأمان، فشعرت بكثير من متعة العيش في دبي، وهو ما ساعدني كثيرا على الاستمرار في البقاء هنا، رغم أنني أتوق إلى العمل الأكاديمي، والعودة إلى ممارسته في جامعة كرمان.

 

بلد آمن

يتحدث محمد ترابي عن تفاصيل حياته اليومية في دبي بطريقة تلحظ وكأن قشعريرة الرضا والقبول ينطق بها بدنه، قبل أن تندفع الكلمات من لسانه، فيقول: أهم ما لمسته وعايشته في دولة الإمارات العربية المتحدة: الأمان.

ويفصّل: لقد وجدت الأمان بكامل معناه، بل أزعم أنني لم أجده في أي مكان آخر زرته رغم أنني زرت الكثير من عواصم العالم ومدنه، فهنا أشعر بأمان بالغ على نفسي وأبنائي وممتلكاتي. وفي دبي تمثل أمامي شعار «الشرطة في خدمة الشعب» بشرا سويا، نعم صدقني في ما أقول.

وسأدلل على كلامي بمثل حي حصل معي مباشرة عندما أوقفني مرّة شرطي بعد منتصف الليل، وأنا في حالة مخالفة، ورغم ذلك، فإنه تعامل معي بلطف أشعرني فيه كما لو أنه هو المخطئ، ولست أنا، وهذا عكس لي صورة التعامل المهذب من قبل الجهات المعنية مع الناس هنا.

 

حداثة وأصالة

من قال إن الحداثة تنهض على أنقاض الأصالة؟!

هذا هو السؤال الذي حاول أن يجيب الطبيب الإيراني محمد ترابي عليه في طيات حوار الذكريات الذي جمعني به، بالقول: حقيقة تدهشني سرعة التطور في الإمارات، فما رأيته في هذا البلد بلغ من العجب ما لا يستطيع أن يصدقه أحد لو سمع عنه غيبا دون أن يراه رأي العين.

والمستشفى الإيراني يتابع ترابي الذي أحدثك منه الآن، كان قبل سنين ليست طويلة صحراء تسبح فيها الرمال، ولكنه تحول إلى بقعة تنطق بالمدنية والحداثة، ولعمري هذه هي الأعجوبة البشرية بعينها.

ويواصل محمد ترابي حديثه عن إعجابه الممزوج بدهشته، قائلا: لكن ما يدهشني أكثر هو قدرة الإماراتيين على اقتحام عصر الحداثة، مع احتفاظهم إلى درجة كبيرة بأصالتهم، تلك الأصالة التي تتعلق بالطباع، وبطرق العيش، وبالمحافظة على الزي الوطني، والأهم من ذلك كله الإصرار على الاحتفاظ بالمظاهر الإسلامية بشكل قوي وكبير، فأنا في دبي مثالا لا حصرا أتناول طعامي وأنا مطمئن إلى أنه حلال المأكل، وأستمتع بنداء الأذان، وأشعر أنني أعيش في بيئة ولدت فيها.

 

بين دبي وطهران

طبيب العيون محمد ترابي ولد وعاش ودرس وعمل لفترة طويلة من حياته داخل بلده، ولكن كل ذلك لم يمنعه من التعبير عن شعوره بالمتعة في معايشة أجواء رمضان في دبي أكثر من طهران، والسبب بحسب ما يقول أن هواء «دار الحي» رطب، محمل بذرات المياه.

وهذا يساعدني على تحمل العطش كثيرا، بعكس طهران ذات الهواء الجاف الذي يشعرني بعطش كبير أثناء الصيام، وكذلك يتميز عملي في دبي بالتنظيم، فهنا أنهي عملي في وقت محدد، ثم أذهب كي أصلي فروضي في المسجد، ثم أجتمع في نهاية اليوم مع أسرتي، وهذا لم يكن يتح لي بدرجة كافية في طهران التي يزدحم فيها المرضى لدرجة تقل فيها زياراتي إلى المسجد، واجتماعي بأفراد أسرتي. ولهذه الأسباب مجتمعة، فأنا أحب رمضان في دبي أكثر منه في طهران.

وينعطف الحديث مع الطبيب محمد ترابي، الذي يكاد يلامس العام الثاني والستين من عمره، إلى طبيعة مهنة طبّ العيون التي يصفها بأنها «ليست لعبة»، وهو يعني بذلك أن طبّ العيون اختصاص حساس وخطير، ولا يقبل الخطأ إلا في أدنى حدوده.

وحول ذلك يقول: المهنة التي أعمل فيها صعبة للغاية، لأنك تتعامل مع مكوّنات لا ترى بالعين المجردة، وفوق ذلك تتمتع بحساسية بالغة، وهذا يعني أن طبيب العيون يحتاج إلى دقة شديدة وتركيز عال، وبالتالي فنحن أصحاب هذا الاختصاص نعمل ونجتهد وحسبنا في ذلك أن ننجو من اللوم، قبل أن نطمح إلى كسب رضا المريض.

توثيق العمليات الجراحية

 

 

خلال التسعة عشر عاما التي قضاها طبيبا مقيما في الإمارات، جمع الطبيب محمد ترابي رصيدا لا يستهان به من الخبرات الطبية، ينقلها لنا، قائلا: عاينت خلال هذه الفترة أكثر من 150000 ألف مريض، وأجريت سبعة آلاف عملية للعيون، إضافة إلى ألفي عملية ليزر، وخمسمئة عملية زراعة قرنية.

وكشف أنه يحتفظ في أدراجه بتقرير يوثق سائر هذه الأرقام والأعمال التي قام بها. ويضيف: وقد مكنتني هذه الفترة والأعمال التي أنجزتها من اكتساب معارف إضافية في حقل طبّ العيون، وأستطيع أن أقول لك إنني بنيت في الإمارات رصيدا مهنيا مهما، بل إنني تعرفت في الإمارات على بعض أنواع العمليات التي لم أكن أملك أي فكرة عنها قبل قدومي.

 

كتاب في 8 سنوات

 

 

ويواصل ترابي حديثه عن تجربته الشخصية بشيء من الشعور بالفخر، الذي ظهر كملامح على وجهه، ومن طريقة حديثه، فيقول: ألفت خلال فترة عملي في دبي كتابا، استغرق إنجازه ثمانية أعوام من العمل المضني، وهو باللغة الفارسية، وقد خصصته بالكامل للتعريف بجميع أطباء العيون في إيران.

وإلى جانب الكتاب، وضعت نظرية تثبت أنه يمكن لمريض العيون من ضعيفي النظر أن يستغنوا عن استخدام النظارات، من خلال طريقة بديلة. وأعتقد أن طبيعة عملي هنا، والوقت الذي يتاح لي، وفر لي الفرصة لإجراء بعض البحوث والدراسات الشخصية، التي أوصلتني إلى تأليف الكتاب الذي أنظر إليه بكثير من الأهمية، وكذلك إلى تمكيني من وضع النظرية التي حدثتك عنها.

 

قصة «عينين» أنعشت الروح

 

 

إذا كانت «العيون التي في طرفها حورٌ» قد قتلت بشار بن برد، فإن العيون التي فيها ضعف قد أنعشت روح طبيب العيون محمد ترابي. والقصة باختصار، يرويها بنفسه، قائلا: قبل قدومي إلى الإمارات بأسابيع، زارتني في طهران أمّ تهدهد ابنها الذي كان يعاني من ضعف شديد في النظر لا يمكنه من رؤية الأشياء إلا كضوء عام، فقلت لها إن ابنك بحاجة لزراعة القرنية، فوافقت على الفور، وكانت اللوائح تفرض علينا أن نجري عملية لإحدى العينين، على أن نقرر إمكانية إجراء عملية للعين الثانية بناء على حالة العين الأولى.

ولكن لهفة الأم على ابنها، دفعتها إلى مناشدتي لإجراء العملية للعينين سوية، عارضة تحمل المسؤولية الكاملة عن أي نتيجة. وأجريت عملية ناجحة للعينين، وحصلنا على نتائج ممتازة، فعاد الطفل مع أمه إلى المنزل دون الحاجة إلى أن تمسك بيده، لكن التطور الأهم، حصل بعد أربعة شهور عندما تعلم قراءة الحروف، ثم ذهب إلى المدرسة مثل باقي أقرانه من الأطفال. وقد كلفت تلك العملية الحساسة والخطيرة في ذلك الوقت تسعين درهما فقط.

ويقول ترابي: علمتني هذه القصة أن نعمة البصر تفوق متع الدنيا مجتمعة.