كان الاتجاه العام في دولة الإمارات إبان تأسيس النظام الصحي قبل ما يزيد عن ثلاثة عقود تقريبا، يعمل على تأهيل مجموعات كبيرة من أبناء الوطن وإلحاقهم بكبرى الجامعات العريقة في أوربا وأمريكا.
و في شتى التخصصات الطبية ليكونوا قادة المستقبل، وكان الدكتور سعيد عبد الله رئيس وحدة الأمراض المعدية بمركز الفحص والصحة الوقائية بأبوظبي، واحدا من أولئك الذين وفرت لهم الدولة كل الدعم للحصول على الشهادات التخصصية حيث حصل على درجة البكالوريوس في الطب العام للجراحة، والماجستير في طب المجتمع، وكذلك الدكتوراه.
كما حصل على عضوية الكلية الملكية البريطانية لطب المجتمع وعضوية الاتحاد الدولي لعلم الوبائيات، كما شغل عدة وظائف فنية وإدارية، منها.. طبيب ممارس عام في مستشفى العين ثم مديراً للرعاية الصحية الأولية بالعين، بعد ذلك سافر إلى المملكة المتحدة لنيل الماجستير في طب المجتمع.
وبعد عودته بالماجستير كلف بإدارة التخطيط في وزارة الصحة، ثم تم تعيينه مديرا لمستشفى الجزيرة والمركزي. بعد ذلك ذهب مرة أخرى لنيل الدكتوراه، وقد حصل عليها وعلى العضوية الملكية لطب المجتمع، وكذلك عضوية الاتحاد الدولي لعلم الوبائيات، وبعد عودته كلف بشغل وظيفة مدير إدارة الجودة والتطوير في وزارة الصحة، ويشغل حالياً وظيفة رئيس وحدة الأمراض المعدية بمركز الفحص والصحة الوقائية بأبوظبي.
الكوادر الوطنية في النظام الصحي
ويشير الدكتور سعيد إلى أن الخدمات الصحية بالدولة مرت بفترة أدخلت فيها بعض معايير تقنين الوصول للخدمات الصحية حيث أنشأت وزارة الصحة البطاقات الصحية التي تسمح لحاملها الحصول على الخدمات الصحية، كما تم فرض بعض الرسوم على مجموعات من حاملي البطاقات الصحية، ثم أدخل النظام الخاص للوصول للخدمات الثانية أو الثالثة إما عن طريق الخدمات الأولية أو عن طريق غرف الطوارئ.
ويضيف.. وقد تطلب ذلك التطور إيجاد الروافد الداعمة لذلك النمو، وخاصة في ما يخص العنصر الوطني من الموارد البشرية، فقامت الدولة بإرسال أعداد كبيرة من أبناء الدولة للحصول على المؤهلات العلمية في مجالات مختلفة من الصحة، وضمن هذا التوجه رأت الدولة أن تبني مؤسسات تعليمية في مجال التعليم الخاص بالصحة وقد أنشأت الدولة كلية الطب في العين، وكليات التمريض، كما قامت جهات عدة بإنشاء كليات طب في عدة إمارات.
كلية الطب
ويسرد الدكتور سعيد عبد الله مجموعة من الذكريات التي ظلت بذاكرته منذ بدأ حياته العملية كممارس عام في مستشفى العين فيقول عندما بدأت العمل كطبيب ممارس في مستشفى العين كان الكثير من زملائي الذين عاشوا الحقبة الأولى من تطور الخدمات الصحية قد سبقوني في هذا المجال.
وهم أدرى بتلك الحقبة وعند التحاقي بالخدمة وجدت أن هيكلية الخدمات الصحية تقريبا مكتملة، إلا إنني شاركت بكل فخر تطلعات أبناء الدولة وعملهم الدؤوب في إنشاء كلية الطب ضمن جامعة الإمارات بالعين، حتي تكون رافدا لتلك التطورات التي شاهدتها الدولة وخاصة منطقة العين في ما يخص الخدمات الصحية، وهنا أريد أن أذكر الدور الفعال والجليل الذي قام به معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان في قيادة تلك المرحلة وإيصال كلية الطب إلى ما وصلت إليه من مستوى عالمي معترف به.ويضيف لقد بدت فكرة كلية الطب مثل ما قاله الشاعر العربي :
( كان حلما وخاطرا فاحتمال ثم أضحى حقيقة لا خيال ) حيث بدأت الكلية بأعداد قليلة من الكوادر المعينة على ملاك الكلية ومجموعة من العاملين في المجال الصحي في منطقة العين وقد كنت واحدا منها، وعاصرت تلك المرحلة مرحلة تلو الأخرى حيث كانت الكلية مقسمة في أكثر من مكان حتى أصبحت ضمن مبناها الحالي المتكامل، كما شاركت مرحلة تطوير المناهج الخاصة بالكلية.
حيث تبنت كلية الطب بالعين نظام الدراسة المبني على حلول المشاكل وهو نظام جديد تطلب الجهد الكبير حتى تكون للكلية المناهج الخاصة لها وطرق التعليم. واليوم إذ أرى كلية الطب في شكلها الحالي والأعداد الكبيرة التي تخرجت فيها وحصلت على شهاداتها ثم واصلت التخصصات في جامعات عالمية بدعم لا محدود من قبل الدولة أشعر بالفخر لتلك المنشأة التعليمية التي تطلعنا إليها وأصبحت اليوم حقيقة ورمزاً لتطور الدولة.
ذكريات الدراسة
عندما التحق الدكتور سعيد عبد الله للعمل مديرا للتخطيط بوزارة الصحة تم ابتعاثه للحصول على شهادة ضابط استنفار المجتمع في جامعة ( تولين ) بالولايات المتحدة الأمريكية، وقد كلف في ذلك الوقت من قبل معالي وزير الصحة أحمد سعيد البادي للاتصال بالجامعة ودراسة امكانية تعاون وزارة الصحة مع تلك الجامعة.
وفي هذا الصدد يذكر بأنه التقى مدير الجامعة الذي كان -للمصادفة- عائدا من الإمارات المتحدة فلما علم أني من دولة الإمارات ظهرت أسارير وجهه فما عرفت السبب إلا بعد تكملة حديثاً حيث كان ضيفا على أحد أبناء الدولة الحاصلين على الدكتوراه من تلك الجامعة العريقة، وقد تعّرف على والد المواطن المضيف له، وكان رجلاً مسنا لم تتح له الفرصة للتعليم.
وقد تعجـب ذلك المدير أن يكون ذلك الأمي هو والد ذلك الخريج من جامعته العريقة والحاصل على شهادتها العليا أي الدكتوراه، وقد كان من ما قاله ذلك المدير أن مثل هذه القفزات لا تحدث غالبا، حيث أن ابن راعي البقر في الولايات المتحدة الأمريكية يكون من الصعب أن يحقق مثل هذه القفزات في تحصيله العلمي ويضيف قد رأى ذلك المدير إن حصول ذلك الشاب على تلك الشهادات بسبب ما يتمتع به من الدعم اللامحدود الذي توفره له حكومة الإمارات الرشيدة.
مستشفى الجزيرة والمركزي
كما يتذكر الدكتور سعيد أنه أثناء عمله مديرا لمستشفيي الجزيرة والمركزي، قام وفد من جامعة هارفورد بزيارة المستشفيين والإطلاع على الخدمات المقدمة من قبل المستشفى فيقول: أثناء تجوال الوفد بالمستشفى واطلاعهم على جميع المعلومات المتوفرة لنا ومدى معرفة المرضى لشخصي ومعرفتي لمجموعة منهم وطريقة الحديث بيني وبين المرضى وذويهم.
فقد استغرب الوفد تلك العلاقات بين مقدمي الخدمة والمستفيدين منها، كما قاموا بالإطلاع على تكلفة الخدمة في ذلك الوقت ومخرجات الخدمة وعند انتهاء الوفد من الزيارة كان ما قالوه إن تلك الزيارة كانت زيارة تعليمية تعلموا الكثير منها وأنهم لو أخبروا أي شخص بما رأوه لما صدقهم، إنهم لاحظوا قوة العلاقة بين المرضى والأطباء وبين مدير المؤسسة الطبية والمرضى الذين يتعاملون معه وكأنهم من أفراد أسرة الواحدة.
ويرى الدكتور سعيد أن لتلك المرحلة من تطور الخدمات الصحية ظهرت مجموعة من التساؤلات فيما يخص مدى نجاح تلك الخدمة ومدى حاجتها إلى تغييرات، ومن الأمور القيمة حينها التوجيهات العديدة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وفي عدة مناسبات حين كان يقول بأنه على المؤسسات الحكومية أن تدار بعقلية القطاع الخاص حيث تقدم خدماتها للمستفيدين بعقلية متفتحة نحو التغيير وتقديم خدمات فعالة ومجدية، كما يؤكد سموه أن قراءة التاريخ تؤهل المجتمع لبناء مستقبله.
نظرة مستقبلية
ويستطرد الدكتور سعيد عبد الله قائلا: إننا إذ نتصور المستقبل فعلينا أن نراه ضمن تلك الرؤية الواضحة لاستراتيجية الإمارة سنة 2030 ويقول غير أنني أريد أن أدون آراء المتخصصين في المجال الصحي فقد دون الكثيرون منهم ميزات ومساوئ أنماط الخدمات الصحية، فقد وجدوا أن الخدمة الصحية العامة ( الحكومية ) تقدم تغطية أوسع إلا إنها لا تحقق رضى المستفيدين، وأعتبر هذا النمط ( النمط الأول ) لتقديم الخدمات الصحية.
فقد وجد الدارسون أن هذا النمط يحقق رضى المستفيد إلا أنه يفشل في توفير التغطية الصحية، وقد أعتبر هذا النمط ( النمط الثاني ) لتقديم الخدمات الصحية، ومن هنا فإن تلك الجهات الدراسية قد اقترحت تبني نمط ثالث يوفر التغطية ويحقق الرضا وذلك عن طريق مشاركة القطاع العام والقطاع الخاص حيث يعمل القطاعان معا في إطار واحد وأن أي توجه لتقديم خدمات صحية يكون ضمن تلك الاستراتيجية الواضحة المعالم وعليها أن تأخذ بعين الاعتبار محاسن ومساوئ كل نمط من الخدمات الصحية.
سلطات صحية مختلفة
نظرنا إلى واقع الخدمة الصحية اليوم في إمارة أبوظبي فإننا نرى بوضوح أن المسؤولين قد قاموا بتبني النمط الثاني الآسيوي منه، حيث فصلت السلطات الثلاث إلى سلطتين وهي :السلطة الواضعة للسياسات والمراقبة لها وكلفت بها هيئة الصحة في أبوظبي والسلطة التنفيذية وقد تم إنشاء شركة صحة وكلفت بمسؤوليتها، كما أن السلطــات المذكورة أعـلاه دعمت ذلك بإدخـال السلطة الثالثـة .
وهي السلطة الدافعــة ( التأمين ) فإذا ما رجعنا لدراسة هذه التجربة التي طبقت في إمارة أبوظبي فنجد أنها قد توفر لها كل مقومات الدعم من المجلس التنفيذي برئاسة سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي حفظه الله، كما قامت القيادات الصحية بالجهد الكبير لجعل ذلك واقعاً، وتعتبر تجربة إمارة أبوظبي في إنشاء السلطات المسؤولة عن الصحة تجربة فريدة ومتقدمة في المنطقة والوطن العربي، وأنها حرية بالدراسة للاستفادة.
تطور النظام الصحي بالإمارات
يقول الدكتور سعيد عبد الله الذي شارك في بناء منظومة الخدمات الصحية بالدولة كنت شاهدا على إنجازات الخدمات الصحية في عقدها الثاني، حيث كنت مشاركا فيها في مجال العمل المباشر أو كأحد ممن كلفوا بأدوار عدة فإذا ما بدأنا تحليل ما حققته الخدمات الصحية في العقود الأربعة الماضية منذ قيام الاتحاد، فإننا نجد أن الخدمات الصحية قد مرت بنفس منحى النمو الذي شهدته المؤسسات الأخرى في دولة الإمارات العربية المتحدة.
ويضيف لقد مرت الخدمات الصحية بعدة مراحل، حيث بدأت المرحلة الأولى بتأمين خدمات صحية توفرت فيها الهيكلية المطلوبة لتلك الخدمات، فبدأت الدولة ببناء المنشآت الصحية وقد توفرت في شكلها الثلاثي من حيت الخدمة: الخدمات الأولية والخدمة الثانية والخدمة التخصصية، ووفرت لها كل الأجهزة المطلوبة وكذلك الكادر الطبي، وقد كان للقطاع الحكومي في تلك المرحلة الدور الأعظم في تحمل المسؤولية وتقديم الخدمات للمستفيدين منها، وقد كانت الخدمة المقدمة للمستفيد مجانية.