هذا رجل عاش في الإمارات، فعاشت فيه، حتى أصبح مسكوناً بحبها. تفاصيل البدايات لا تبرح ذاكرته، في مرحلة تأسيس الدولة، حينما كانت الطموحات كبيرة، والأحلام بعيدة، لولا العزيمة الصادقة، التي تسلحت بها القيادة، وأبناء الوطن.
ساهم بشكل كبير في وضع لبنات السياسة الإعلامية للدولة، ولأن الإمارات كانت ومازالت تفتح ذراعيها وأحضانها، لكل مبدع ذي قدرة على البناء والإبداع، فقد تقلد أرفع المناصب، وكان واحداً من أهم رجالات الإعلام في الدولة.
في هذا الحوار... يتحدث الدكتور علي شمو، وزير الإعلام السوداني الأسبق، ووكيل وزارة الإعلام في الإمارات، في مرحلة البناء والتأسيس، ويفتح خزائن الذكريات، ليروي لنا فصولاً من تاريخ، لن ينساه التاريخ.
يقول الدكتور شمو: قدمت إلى الإمارات، في شهر مارس 1973، وذلك بعد لقائي بالصديق راشد عبدالله في أحد اجتماعات جامعة الدول العربية، وكان حينها وكيلاً لوزارة الإعلام في دولة الإمارات، ومن ثم التقيت بالشيخ أحمد بن حامد أول وزير للإعلام في الدولة، فكلفني بوضع تقرير لوصف حالة وواقع الإعلام في الدولة.
ما هي أهم النقاط التي قدمتها في تقريرك الإعلامي؟
كان التقرير تشخيصياً، وقد قلت فيه: إن الدولة لا يمكن أن تصبح قوية إلا إذ كان هناك إعلام قوي، وإن المواطن لا يمكن أن يشعر بالانتماء والمواطنة والولاء للدولة، إلا إذ وجد إعلاماً يقنعه بأهمية الكيان الاتحادي الوليد.
وذكرت في التقرير، أن البنية الأساسية غير مكتملة، فهناك إذاعات في أبوظبي، ودبي، والشارقة، ورأس الخيمة لكنها متواضعة جداً، والتلفزيون كان موجوداً في شقة بشارع حمدان، يديره فاروق جرار من الأردن، إلى جانب صحيفتي «الخليج» و«الاتحاد» التي انطلقت بعد توقيع اتفاق الاتحاد، ولذلك كان لابد أن تفعّل هذه الوسائل وتنتشر بشكل قوي لتحدث استجابة للوضع الجديد، أي النقلة من إمارات منفصلة، إلى دولة متحدة.
تغيير المنظومة
كيف كان انطباعك عن الدولة؟
انطباعي على العموم كان جيداً، غير أن المشكلة كانت تكمن في الناس، إذ لم يكونوا قد استوعبوا بعد فكرة أن يتركوا ولاءهم للإمارة، لأجل أن يكون ولاؤهم للدولة، وحتى الحاكم نفسه، هل سيترك سلطته وكل علاقاته الإدارية، ويسلم ذلك للدولة، ويبقى محتفظاً بسلطات محلية فقط؟
هذا إلى جانب الكثير من المسائل المعقدة، مثل موضوع الحدود، وفكرة وجود إنسان له كيان قائم بذاته ومستمر فترة طويلة من الزمن وهو الأوحد والسلطة مطلقة، ولكنه فيما بعد يجد نفسه في سلطة كيان أكبر، يترك إشكالات نفسية واجتماعية وفكرية، لأجل أن تعتاد الناس على الشكل الجديد.
كيف تتذكر أبوظبي في ذلك الوقت؟
لم يكن هناك بنية أساسية، ولا توجد طرق معبدة، ففي أبوظبي كان هناك شارع رئيس هو شارع المطار، وأي سيارة تخرج عن مسار الشارع تغرس في الرمل، وكانت هناك مشقة كبيرة عند التنقل بين الإمارات، ولم تكن هناك خدمات كهرباء، كما كانت الكهرباء تنقطع في الصيف خلال العام 1973، أما البيوت والعمارات فكانت عبارة عن بنايات متواضعة ذات خدمات متواضعة أيضاً، ولا يختلف عنها السوق والمدارس والمستشفى.
غير أن الإمارات، رغم البدايات المحدودة، استطاعت خلال فترة وجيزة، وبفضل جهود وإخلاص المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، أن تحقق معجزة مبهرة.
رسالة إعلامية
ماذا عن عودتك الأخرى للإمارات وعملك وكيلاً لوزارة الإعلام؟
في المرة الأولى جئت من أجل الزيارة، وقدمت العديد من المقترحات، حول ما يمكن أن يتم تنفيذه لتأسيس منظومة إعلامية متكاملة، وكنت آنذاك وكيلاً لوزارة الإعلام في السودان، فقدمت تقريري الإعلامي وعدت إلى السودان، وبعد عودتي بشهرين واستئنافي لعملي، أرسل الشيخ زايد بن سلطان، خطاباً موجهاً للرئيس الأسبق محمد جعفر النميري، يطلب منه إعارتي للدولة للمساعدة في بناء وزارة الإعلام، وكان أمراً غريباً أن ينتدب «وكيل وزارة»، وبالنسبة للسودان كان الأمر سابقة، لكن بسبب العلاقة الودية بين المغفور له الشيخ زايد والنميري، سمح لي الثاني بالانتداب.
كيف تلخص عملية وضع السياسات الإعلامية في ذلك الوقت؟
شرعنا بوضع وتحديد شكل الخطاب الإعلامي الذي يخاطب كل الناس، ويشتمل على رسالة تعزز الوحدة، خاصة وأن الإعلام كان محلياً فقط، ولم يكن هناك بث تلفزيوني من الخارج، فكل دولة في الخليج كانت تشاهد ما يبثه تلفزيونها فقط، فحرصنا ألا يكون خاضعاً للمواد المستوردة، من أفلام ومسلسلات من دول أخرى، واخترنا الخطاب الإعلامي المتوازن، على أن تكون المواد صادرة من الإمارات.
ولذلك كان الخطاب يهتم بالتراث والفنون الشعبية الموجودة والتاريخ، يضاف إلى هذا نشرة الأخبار، على أن يكون هناك توازن في الأخبار، وأن لا يكون هناك ترجيح لإمارة على أخرى، بل أن يكون هناك توازن في نشرة الأخبار المحلية، والدولية أيضاً.
ماذا بشأن الخطاب الإعلامي الخارجي؟
خطاب متوازن يرفض التطرف، فليس له موقف حاد مع أو ضد أحد، وحرصنا على تقديم جرعة عالية من الأخبار العالمية، تعكس ما يحصل على النطاق العربي والآسيوي، فالسياسة كانت واضحة جداً، وكان الهدف أن يعي العالم أن الدولة الناشئة، دولة مسالمة تؤمن بالحوار والتواصل مع العالم بأسره.
ما طبيعة البرامج التلفزيونية التي كانت تقدم؟
كانت توجيهات المغفور له الشيخ زايد، تركز دائماً على ضرورة الاهتمام بالتراث الأصيل، ومن ثم اهتمت البرامج بمفردات التراث مثل رقصة العيالة، وسباق الهجن، والشعر النبطي، ولكن بالنسبة للصحيفة كانت لدينا مشاكل «لوجستية» فصحيفة «الاتحاد» كانت تصدر في أبوظبي، ولكن وعورة الطرق وبعد المسافات يعرقل التوزيع، ولا يمكن أن تصدر صحيفة باسم الدولة وتوزع في أبوظبي فقط، فخصصنا طائرة من أجل أن تصل الصحيفة في السابعة صباحاً لتقرأ في كل الإمارات.
كيف بدأت عملك الإعلامي في الدولة، وما المشاريع التي تم تنفيذها في ذلك الوقت؟
لما أتيت في الزيارة الأولى قدموني للشيخ زايد، وقبل مغادرتي ودعته، ولكن لما أتيت في المرة الثانية قابلته كمقيم لأني مستشار، وكان معنا الراحل الدكتور عزالدين إبراهيم الذي كان مستشاراً ثقافياً، وكان الشيخ أحمد بن حامد يشغل منصب وزير الإعلام، وراشد عبدالله وكيلاً للوزارة، بعد فترة وجيزة، انتقل راشد إلى الخارجية، فأصبحت أنا وكيلاً لوزارة الإعلام، وكان هذا شيئاً غريباً جداً، بأن يشغل المنصب شخص غير إماراتي، وحقيقة أشهد بأنه لا يوجد بلد يتخذ هكذا قرار إلا إذا كان يتحلى باتساع الرؤية.
وأول ما اشتغلت عليه في الوزارة، إيجاد بنية أساسية وإنشاء تلفزيون، وتأسيس مركز للبث، ووضع نظام إداري للوزارة يتسم باللامركزية، وأن نقيم مكاتب في الأقاليم الشمالية والشرقية، ونشرع قوانين لمواضيع النشر، والأفلام المستقدمة من الخارج، يعني وضع أساس للخطاب الإعلامي والقوانين والتشريعات المناسبة، كما انصب اهتمامنا بالبشر، إذ كان أغلب العاملين في الامارات من خارج الدولة، كان التنوع مهماً ليثري التجربة وينعكس إيجابياً على عملنا.
ومن ثم تدريب أبناء الإمارات مثل خالد محمد أحمد، الذي عمل معي بعد تخرجه في الجامعة، وكذلك عبيد القصير، وعبدالله أمان وعدد من المثقفين والشباب الذين أخضعناهم لدورات تدريبية، كما أوفدوا للتدريب خارج الدولة ليتولوا العمل في المجال الإعلامي.
قطع البترول
اعتدنا في أبوظبي مع الصحافة الدولية أن ندعو الصحافي ومن ثم يكتب، ودعينا عددا منهم في العام 1973 اثناء حرب اكتوبر ومنهم مدير عام «رويترز» روبرت ماكنزي، وكلود موريس صحافي انجليزي متعاطف مع العرب وعنده مجلة «فويس»، وقد رتبنا لهم لقاء مع الشيخ زايد، وكان حينها في قصر البحر، والكل كانوا متطلعين لكلامه.
حيث قال مقولته الشهيرة، بأن «البترول ليس أغلى من الدم العربي»، وأمر بقطع البترول فوراً، وهذا خبر يحتاج الحركة السريعة، ولم يكن هناك إلا الهاتف الثابت أو التلكس، ولذلك بدأوا يتحركون إما للفندق أو للوزارة لنقل الخبر، وبعد ساعتين كان هو الخبر الأول في العالم.
نهضة على مستويي النوع والكم
تطرق علي شمو إلى النهضة السريعة الحاصلة في الإمارات، وتحدث عن الدور الذي لعبه الإعلام في هذا التطور والنمو، فقال: لا يقتصر النمو على الكم فقط، بل هناك تحسن كبير في المستوى النوعي أيضاً، أي أننا نتحدث عن ثنائية التطور في الشكل والمضمون، وفي النوع والكم، وهذا تطور يتخذ طابعاً شمولياً، لا يقتصر على جزئيات دون غيرها.
وأضاف: الصحافة الإماراتية حالياً على سبيل المثال، تعد واحدة من التجارب المتميزة في عالمنا العربي، وهناك تطور كبير في الاعتماد على التقنيات الحديثة، وكذلك في الاهتمام بالإخراج المتميز وجودة الطباعة، مع العناية بنوعية الورق المطبوع، بالإضافة إلى الاهتمام بالخطاب الإعلامي المتوازن الذي لا يحابي طرفاً، ولا يعادي طرفاً بالمقابل، وهذا كله نتاج عملية التطور الحاصلة في الدولة.
التطور شمل الاعلام والبنية التحتية والمجتمع
في تلك الفترة لم تكن هناك أقمار اصطناعية، كان هناك شبكات المايكرويف، إضافة لمحطة أقمار اصطناعية في جبل علي، لكنها ليست للبث التلفزيوني، بل لشبكات المحادثات الهاتفية، علماً أن البث بالأقمار الاصطناعية جاء متأخراً، فلم يكن من طريقة لإيصال البث التلفزيوني إلا بإنشاء محطات للمايكرويف.
لا يمكن تصور أن كل ما كان موجوداً «زمان»، لم يعد منه شيء الآن، أو هناك مشاريع كانت مجرد فكرة، مثل «كاسر الأمواج» وأن معظم شوارع ومناطق اليوم كانت بحراً في السابق، حتى الطقس كان مختلفاً، ولو قلت هذا الكلام لشخص لم يعش تلك الفترة لاعتبره خيالاً، فأبوظبي كانت قاحلة، ولكن الشيخ زايد كان رجلاً مولعاً بالخضرة، ويؤمن بها إيماناً كبيراً، ويعمل أي شيء ليكسي شبراً واحداً بالخضرة والشجر، وكانت الأرض لا تصلح للإنبات فأحضروا تربة من الخارج، وكان يشرف عليها بنفسه.
حين جئت إلى الإمارات، كنت أحسب أني سأقدم خبرة، لكن اكتسبت الكثير وتعلمت أكثر مما علمت، وأمتع ما في تلك الفترة، بأن كل فكرة لم أقدر على أن أنفذها في بلدي لأسباب اقتصادية، استطعت تنفيذها في الدولة، مثل التوسع في التلفزيون، وإنشاء شبكة للموجات القصيرة.
وكانت أقوى شبكة للموجات القصيرة حينها، وإجمالاً كانت كل الأفكار التي طرحت في منطقة الخليج كانت من الإمارات، مثل البث التلفزيوني الخليجي، ووكالة أنباء الخليج، ومركز التدريب الذي تأسس في بغداد، وعدد من المشروعات العظيمة التي تبنتها وزارة الإعلام إلى جانب أول اجتماع خليجي حصل في العام 1974 في أبوظبي.