تستمد مدينة العين دوراً ومكانة مرموقة، في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية من دولة الإمارات، إلى جانب كونها تمتد عبر تراثها إلى عمق التاريخ، وباتت تحتل مكانة تاريخية متميزة على الخريطة العالمية، فقد أضفت عليها خصوصيتها الجغرافية والبيئية والحضارية، ميزات أخرى ساهمت في استقطاب مشاريع تنموية رائدة على امتداد مساحات الوطن، من خلال عدد من أبنائها الذين اتخذوها منطلقا لمشاريعهم التنموية الوطنية الشاملة، التي ساهمت في تعزيز دور ومكانة دولة الإمارات.
ويعتبر الشيخ مسلم بن حم، القادم من عمق ذلك الموروث الحضاري، من الشخصيات الوطنية، صاحبة الاهتمامات الاقتصادية والتنموية، التي أعطت لمديني العين مرتبة أخرى إلى جانب خصوصيتها، وعن تلك التجربة وارتباطها بتاريخ المدينة وتواصلها مع حاضرها ومستقبلها، يروي الشيخ مسلّم بن حم رحلة البدايات والطموحات والإنجازات.
عادات وذكريات
يقول الشيخ مسلم بن حم: عندما ترتبط الذاكرة بالعادات والتقاليد، يصبح للوطن معان وقيم أخرى أكثر عمقا، لاسيما وأن لكل شخص تجاربه ورؤيته، التي يستمدها من البيئة والمكان الذي ينتمي إليه، ولأننا نتحدث ونحن في رحاب شهر رمضان الكريم، فلابد أن يكون له خصوصيته التي حفرت في وجداننا وخواطرنا، ومنها نستمد قدرتنا على التواصل والتمسك بالعادات والتقاليد، فعندما نقارن رمضان اليوم برمضان قبل عقود مضت، سوف نجد تحولات كثيرة قد أصابت المجتمع، ولاشك أنها تركت آثاراً كبيرة على العادات والتقاليد.
لقد كان الآباء والأجداد في الماضي يتناولون طعام الإفطار معا وسط طقوس رائعة هي زاد ذاكرتنا التي نشتاق إليها، وبعد أن يؤدوا صلاتي المغرب والعشاء جماعة، وكانوا ينامون بعد صلاة التراويح، ليستيقظوا على صوت المسحراتي الذي بات مجرد ذكرى حيث أصبح الناس اليوم يسهرون حتى طلوع الشمس وينامون النهار.
كان زادهم في الحياة من متطلبات بسيطة سواء في المأكل أو الملبس، إنما كانت نفحات وروحانيات الشهر الكريم أكثر تجذرا وتأصلا في النفوس، ولم تكن هناك لا برامج تلفزيونية، ولا مولات ولا صالات، فقد كان للشهر الفضيل دور كبير في تعميق التواصل الاجتماعي والروحي بين أبناء المدينة. أضف إلى ذلك عادات التواصل بين أبناء العشيرة والقبلية والقبائل الأخرى.
البدايات
ويعود بنا الشيخ مسلم للبدايات في مدينة العين فيقول: لقد كانت البداية في منطقة الوجن، في خمسينات القرن الماضي في تلك البيئة البدوية الأصلية، كنت إلى جانب والدي رحمه الله، حيث العلاقة وطيدة مع كل حبة رمل، ومع العادات والتقاليد الاجتماعية الأصيلة والصافية النقية، حيث تربينا على القيم والمبادئ والتواصل والتواد والتراحم، ومازلنا نحرص على تلك القيم، برغم التطورات التي شملت كافة جوانب الحياة الاجتماعية، وكان لها انعكاسات كثيرة على البنية الفكرية والاقتصادية.
ويضيف: في تلك المرحلة بدأت بتأسيس أسرتي فقد تزوجت في عمر 16 عاما فقد كان الزواج المبكر هو المتعارف عليه بين الناس حينذاك، ورزقتي الله بابني البكر محمد، الذي أضفى على حياتي مزيدا من المسؤولية الاجتماعية والارتباط بالأهل والمجتمع، وهو الآن يقف إلى جانبي في إدارة أعمالنا، بعد أن من الله عليه بالعلم والنجاح، حيث نال شهادة الدكتوراه في إدارة الأعمال، إضافة إلى إخوته الذين حرصت على تربيتهم وتعليمهم ليكونوا قدوة في الدولة والمجتمع.
أثر الآباء
ويتحدث الشيخ مسلم عن دور والده المرحوم الشيخ سالم في حياته لقد كان والدي رحمه الله، من جيل الرواد الأوائل في دولة الإمارات، يتمتع بصفات وخصال حميدة، استمدها من بيئته ونشأته، وزاد فيها قربه من المرحوم بإذن الله الشيخ زايد طيب الله ثراه، على مدار سنوات طويلة، أكسبته قدرة وخبرة على مواجهة تحديات وأعباء الحياة.
كما إنه عايش كل تحولات التي شهدتها دولة الإمارات منذ العام 1946، حيث ترافق رحمهما الله في كثير من الرحلات والجلسات، لاسيما وأن هذه العلاقة تمتد إلى جذور عائلية عميقة بين الأهل والأقرباء، مما ساهم في توطيد تلك العلاقة، وصادف ذات مرة أن سأل أحد الصحفيين المرحوم والدي عن دراسته وتعليمه فرد الوالد رحمه الله، (لقد تعلمت في مدرسة زايد ومازلت طالبا فيها) فقد كانت حياتهم مبنية على الفطرة وعلى الصدق والصفاء.
ويستطرد في حديثه مستعرضا ما حققته الإمارات من تطور في زمن قياسي فيقول: قد تكون شهادتي مجروحة لكوني أحد مواطني هذه الدولة الذين يعشقون ترابها، ويرون فيها جنة الله على الأرض.
ولكن يمكن أن نرى دولة الإمارات في أعين الآخرين من البلدان والشعوب فعلى الرغم من أننا دولة محدودة المساحة والسكان إلا أن اسم الإمارات يعلو عاما بعد عام بشكل يحق لابن الإمارات أن يرفع رأسه عاليا في كل مكان نظرا لما حققه من إنجازات في مختلف الميادين بحيث غدت الإمارات قبلة الزائرين من كل دول وبلدان العالم، نظرا لما تسهم فيه دولة الإمارات تجاه المجتمع الدولي من تقديم المساعدات والعون والدعم لمعظم بلدان العالم والشعوب المتعثرة أو التي أصابتها الكوارث أو المحن وغير ذلك من المساعدات الإنسانية التي شملت العالم بأسره.
القطاع الخاص والمجتمع
أما عن دور القطاع الخاص في خدمة المجتمع فيقول: القطاع الخاص هو جزء لا يتجزأ من الدولة وعليه فإن المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص يكملان بعضهما في توفير كافة الخدمات للمجتمع من خلال التعاون على نشر الخير وتحقيق أفضل النتائج لندفع مجتمعنا قدما نحو الأمام بتقديم الأجود والأحدث كما أن مشاركة القطاع الخاص ورجال الأعمال في خدمة المجتمع يعتبر عاملا رئيسيا ومؤثرا في دفع عجلة التنمية والتقدم، فالوطن قدم الكثير لنا وعلينا أن نرد الجميل.
وهذا يتطلب من ممثلي القطاع الخاص التواصل مع المجتمع ومد جسور التواصل والتعايش معه في مختلف قضاياه وأنشطته والمساهمة في رعاية العديد من أنشطة وفعاليات المؤسسات ولا سيما ما يخص قطاع الشباب فهم عدة الحاضر وعتاد المستقبل ومد يد العون لهم لإطلاق قدراتهم ومساعدتهم لبناء ذاتهم وتوفير سبل الحياة المريحة لهم مع تبني مشاريعهم.
مضيفا أن أهم العوامل للتحفيز على خدمة الوطن وأولها تعزيز الانتماء والتشبث بالهوية الوطنية والولاء المطلق لهذا الوطن والاستعداد للذود عنه بالغالي والرخيص، ومتى توفرت هذه الأمور يقنع الإنسان بأنه جزء لا يتجزأ من بنيان هذا الوطن وأنه معني بالمساهمة في خدمته والعمل على الارتقاء به وتطويره نحو الأفضل.
وعليه لابد من إعداد جيل من رجال الأعمال وذلك ليس مسألة تعليمية أكاديمية لنقول مثلا فلان سيدرس كذا ليتخرج في الجامعة بشهادة رجل أعمال! بل هي مسألة رغبة وطموح بالدرجة الأولى تغذيها عوامل أخرى مشجعة ومحفزة، فالذي يريد أن يصبح رجل أعمال يجب أن يكون له طموح وأن يتم ذلك بالعمل والجدية والاطلاع والاستفادة من تجارب من سبقه.
والاعتماد على أهل الاختصاص، ويبقى دور الجهات المعنية في هذا المجال هو تهيئة الظروف المشجعة والمحفزة لدخول المجالات الاستثمارية وتوفير البنى التحتية المتطورة التي تستجيب لمتطلبات العمل من القوانين والتشريعات التي تيسر العمل وتشجع عليه.
إسهامات مجتمعية
ويتطرق الشيخ بن حم إلى تبنيه للأعراس الجماعية فيقول: لا شك أن التفاعل مع مشكلة وهموم مجتمعنا المحلي والمساهمة في علاجها أمر واجب على كل أبناء الوطن خاصة أولئك الذين يمتلكون القدرة على ذلك، ونحن عندما نبادر بالتكفل بإقامة عرس جماعي هنا أو هناك إنما نجسد بذلك حرص واهتمام صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد رئيس الدولة، حفظه الله، على أبنائه الشباب وتيسير الزواج عليهم .
وتحقيق كل أسباب الاستقرار الأسري لهم، بعيدا عن الضغوط المادية والاجتماعية الكبيرة التي تترتب على المغالاة في الإنفاق ومظاهر الإسراف التي تصاحب عادة حفلات الأعراس، وأرى أن ظروف الحياة الصعبة التي بتنا نعيشها تجعل الكثير من الشباب يتعثرون في بداية حياتهم، وربما تؤدي بالكثير منهم إلى الإحجام عن الزواج أو الانحراف وكلاهما ستؤدي إلى ظواهر اجتماعية سلبية تحل بمجتمعنا، ولذلك فإن المساهمة بتكاليف عرس جماعي هو مساعدة بسيطة نرد بها دين هذا المجتمع علينا، ونساعد فيه أبناءنا الشباب على إنشاء عائلة مستقرة بعيدا عن شبح القروض البنكية وغيرها.
القطاع الخاص
يرى الشيخ مسلم بن حم، أن دور القطاع الخاص في مشاريع التنمية الوطنية عاملا مهما، وهو شريك أساسي مع القطاع الحكومي ولا يقل أهمية عنه، من خلال مساهمته المباشرة في استقطاب الكوادر الوطنية في سوق العمل، لاسيما وإن سوق العمل بات يتطلب مهارات وخبرات نوعية في كافة التخصصات المهنية والأكاديمية، وبذلك تتكامل عملية مخرجات التنمية الاقتصادية من خلال شراكة فعلية بين القطاعين العام والخاص، خاصة أن الدولة تقدم دعما مباشرا للقطاع الخاص، من خلال التسهيلات التي تمنحها لإقامة المشاريع.
وبهذه المناسبة لابد من تشجيع أبناء وبنات الدولة من الخريجين والخريجات على اقتحام سوق العمل في القطاع الخاص، والعمل على إثبات جدارتهم وكفاءتهم المهنية، لاسيما وأن سوق المنافسة تتطلب توفر المهارات والخبرات العملية، والتي على ضوئها تحدد المزايا والمكتسبات المادية، التي تساهم في توفير الأجواء العملية المثالية للخريجين، من خلال توفير فرص العمل التي تتوافق ورغباتهم وكفاءتهم المهنية والعلمية.
عطاء المرأة
أما حول موقفه من دور المرأة فيقول عنه: المرأة عطاء لا ينضب فهي غير إنها عاملة وموظفة فهي أم وزوجة وابنة ومعلمة فاضلة، ننهل منها الخير والعطاء، وإن ما حققته المرأة الاماراتية من تقدم وتطور ومواكبة للعصر بكل ما فيه من متغيرات هو مدعاة فخر للجميع فالاماراتية استطاعت اثبات ذاتها في مختلف المواقع القيادية والمهنية والمجتمعية بدءا من الوزارات والهيئات والمؤسسات وكانت الشريك الفعلي للرجل في مختلف المواقع.
وقد نجحت في أن تكون نعم السفيرة لبلدها وشعبها في المحافل المحلية والعربية والخارجية، وذلك بفضل ما قدمته لها قيادتنا العليا من دعم وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد رئيس الدولة، حفظه الله، وما قدمته لها سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك رئيسة الاتحاد النسائي العام الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية.
وجهود سموها في نصرة قضايا المرأة على الصعيدين الإقليمي والدولي وإنشاء أول منظمة نسائية في دولة الإمارات العربية المتحدة ودورها الحاسم في تعليم المرأة ومكافحة الأمية والاهتمام بحقوق النساء على الصعيد الدولي ودعم حقوقهن.
التخصصات والمتطلبات
لا شك أن التعليم يلعب دورا كبيرا في توفير المخرجات، ويحتل تطوير التعليم أولوية كبيرة في سلم أولويات قيادتنا الرشيدة، إيمانا منها بضرورة توفير التعليم النوعي والمتميز، الذي يوفر المخرجات التي تتطلبها التنمية الوطنية، وقد شهدت الدولة في السنوات الأخيرة اهتماما كبيرا في تطوير مؤسسات التعليم عبر مختلف المراحل، حيث بدأت مؤسسات التعليم الخاصة تأخذ دورها جنبا إلى جنب مع مؤسسات التعليم الرسمية، سواء المدارس الخاصة أو الجامعات الخاصة.
وجميع تلك المؤسسات تعمل في إطار واحد، هو توفير التعليم في كافة التخصصات، وتلبية كافة الرغبات والمتطلبات وتحقيق الطموحات، وكان لابد من دور للمؤسسات في القطاع الخاص ورجال الأعمال للانخراط في هذ العملية التنموية من خلال دعم مجال التعليم من كافة جوانه، وبما يسهم بتقديم خدمات تعليمية نوعية تضاهي أرقى المخرجات، في ظل التطور التعليمي بشكل عام ومتطلبات التنمية الوطنية بشكل خاص.