سالم عبدالله محمد بن خاتم الشامسي، أول تاجر مواطن في إمارة الفجيرة يخوض مجال تجارة الإلكترونيات، وذلك قبل أكثر من 42 عاماً. كان الناس في ذاك الزمن، وقبل أن يصل قطار المدنية، إلى كل بقاع الدولة، يتوافدون على متجره، فيتملكهم العجب، وتعقد الدهشة لسانهم، إذ هم يرون ما كان يعتبر، من قبيل الأعاجيب أو المستحيلات.

كان الاهالي البسطاء، يقفون أمام باب متجره، كما لو كانت الطير على رؤوسهم، وهم يطالعون هذا الصندوق العجيب، الذي يصدر أصواتاً، وتصدح منه الموسيقى، وذاك الصندوق الأعجب الذي يضم إلى جانب قدرته على إخراج الأصوات، شاشة فيها صور لبشر وأماكن ومطربين ومقدمي نشرات، ولا فرق بين ما يظهر على هذه الشاشة، من مشاهد، وبين الحياة الحقيقية، إلا أن الصور باللونين الأبيض والأسود فقط.

وإلى جانب هذين الصندوقين، يوجد جهاز يشبه الخزانة المعدنية، كبير الحجم نسبياً، وحينما يتم فتح بابه، يخرج هواء شديد البرودة، وهو لحفظ الطعام من التلف، ومن الممكن وضع الأسماك فيه، فلا تتلف لإسبوعين وأكثر، مهما تكن درجة الحرارة مرتفعة.

وهناك أيضاً، جهاز يتم تثبيته في الحائط، وحينما يتم تشغيله، يخرج هواءً بارداً، فتتحول حرارة الغرفة إلى باردة، مهما كان الجو مكفهراً قائظاً، وجهاز يشبه الصندوق ذو فتحة علوية، يتم وضع الملابس المتسخة فيه، مع بعض الحبيبات التي تتحول عند مزجها بالماء إلى رغوة، فتنظف الفلوس، وترتاح سيدات البيوت.

يقول سالم الشامسي: حينما بدأت مشروعي التجاري، وافتتحت أول متجر لبيع الإلكترونيات، في الفجيرة وربما في الإمارات الشمالية، قيل: هذا رجل يبدد أمواله، ويحرث البحر، فالخدمات الكهربائية لم تكن قد اتسعت، ولا يتمتع بها إلا عدد محدود من علية القوم والقادرين، والأهالي لم يكونوا مقتنعين بأهمية هذا المستحدثات في حياتهم، هذا فضلاً عن أن ظروف الناس الاقتصادية، لم تكن ميسورة، ولم تكن هنالك قدرة شرائية تسمح لهم بالإنفاق على هذا الرفاهية.

غير أن الله، شاء أن يفتح عليّ من أوسع الأبواب، فما هي إلا أشهر قليلة، حتى تم الإعلان عن تأسيس دولة الاتحاد، وبدأ المواطنون ينعمون بالرفاهية، وسرعان ما توافد المدرسون والأطباء والمهندسون وغيرهم من أصحاب الكفاءات، من مصر وبلاد الشام والعراق، وارتفعت القدرة الشرائية، وأصبح المتجر خلية نحل دائبة الحركة.

عناصر النجاح

ويضيف: ثمة عوامل إلى جوار توفيق الله عز وجل، تتحكم في نجاح أي تاجر، ألا وهي الأمانة والتقوى والجرأة، فالتاجر الغشاش قد يجني أرباحاً سريعة لكنه سرعان ما يسقط إلى الدرك الأسفل، ويخسر كل مكاسبه، وهذا درس تعلمناه من خبرة السوق، ومن دروس الحياة، موضحاً أن أهالي الفجيرة والإمارات المجاروة كانوا يعرفونه ويرفضون الشراء من تاجر آخر.

ويقول: كان منهجي أو سياستي التجارية، تستند على أن "قليل دائم خيرٌ من كثير زائل" ومن ثم كنت أقوم بتحديد أقل هامش ربح ممكن، وهكذا شاع بين المستهلكين، أن أسعاري هي الأدنى، وأصبح كل مستهلك يبلغ الآخر، وأخذ عدد زبائن المحل يزداد شيئاً فشيئاً، وأخذ حجم أعمالي يزداد، وحجم أرباحي يزداد.

ويشير سالم بن خاتم إلى أنه تربى في بيت يحرص كل أفراده على تادية الفرائض، وكان طبيعياً أن يرسلوه إلى الكتاتيب، ليحفظ القرآن الكريم على أيدي المطاوعة، وكان والده يتابع دروسه الدينية، ويقص عليه قصص الأنبياء، لأنه كان قارئاً منكباً على كتب الفقه والتفسير وسير الرسل والصحابة والتابعين.

وقد تسلح سالم بالدين والعلم معا وانطلق إلى الحياة واضعا أمام نصب عينيه هدف التجارة بعد أن تبلورت الفكرة خلال مراحل نضوجه عندما كان يزور مع والده، رحمة الله عليه، تجار إمارة دبي.

ذكريات الطفولة

وينتقل سالم بن خاتم إلى الحديث عن حياته وهو صغير قائلا: تتلمذت على يد والدي المرحوم عبدالله بن خاتم الذي علمني قراءة القرآن الكريم وترتيله وتفسيره لأنهل من علم الدين الشيء الكثير، والعلم الديني يساهم في توسيع آفاق المعرفة، ويزكي النفس ويربيها على الخلق الحسن والصدق والأمانة وتحمل المسؤولية، وكان حضور مجالس الكبار والاستماع إليهم بإمعان يساهم أيضا على أن يتربى الشاب على أصول العادات والتقاليد.

وعن تجارته يقول سالم: يعود الفضل الى الله عز وجل الذي وفقني في بداية مشواري في التجارة وفتح لي الابواب ، ولا أنسى فضل والدي، رحمة الله عليه، عبدالله بن خاتم الذي كان ذا صيت آنذاك في الإمارة وقد اشتهر فيها كمطوع له باع طويل في الدين وكرجل بار ساهم في تعليمه وتعليم أبناء الإمارة، ومازال صيته باقيا في أذهان الناس لغاية اليوم لما عرف عنه من خلق حسن وشخصية قوية ذات أراء بناءة.

ويتذكر سالم أن والده، رحمه الله، كان قد اعتاد على اصطحابه معه إلى المجالس منذ طفولته المبكرة، الامر الذي أسهم في صقل شخصيته، عبر التعرف على القيم والعادات والتقاليد الأصيلة للمجتمع، كما كان يحرص على أن يصطحبه إلى زيارة الاهل والاصدقاء وإلى الصلاة في المسجد، الى جانب الذهاب الى دبي التي كانت تستغرق وقتا طويلا آنذاك، لزيارة بعض أصدقائه من التجار.

ودبي كانت مدينة الفرص وكانت زيارتها بالنسبة له متعة خالصة، فالمدينة القديمة كانت شعلة نشاط لا تهدأ ومن ثم التمعت فكرة التجارة وبدأ تختمر في أعماقه حتى عام 1969 ليفتتح محل سالم بن خاتم للالكترونيات الذي بات حديث الناس.

عصر جديد

ومع التجارة بدأ سالم بن خاتم عصرا جديد مليئاً بالنشاط والحيوية، مما جعله رائدا من رواد التجارة في الإمارة، ليكلل نجاحه بتوسعه وإجرائه صفقات تجارية مع دول آسيوية كبرى اشتهرت بالتجارة منذ وقت طويل مثل: تايلاند وهونغ كونغ والصين وغيرها كما تعاقد مع دول خليجية كعمان.

وحقق سالم حلمه بالتجارة وتوفق فيها ليحصد النجاح لتستمر تجارته 17 سنة ولكن عشق سالم الأول والأخير كان لعائلته التي يفضل أن يقضي معظم وقته وسط دفء أجوائها، جعله في نهاية المطاف أن يستغني عن تجارته في الالكترونيات ببيعها واخذ فترة راحة بين عائلته المكونة من 10 أفراد، حيث حرص هو الآخر على زرع الدين في نفوس أبنائه فكان يقضي معظم وقته معهم يسرد لهم قصص الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام ويقرأ لهم القرآن وتفسيره ، انطلاقا من الحرص على حسن تربية أبنائه. ويقول: لقد منّ الله على أبنائي بذرية صالحة، وأسأل الله عز وجل أن يوفقهم ويمدهم بالصحة والعافية في حياتهم العلمية والعملية والعائلية .

ويقول سالم بن خاتم إن التجارة ممتعة ولكنها شاقة تأخذ منك الكثير فتستهلك فكرك وطاقتك وأنا لله الحمد دخلت دائرة التجارة وكنت من الأوائل فيها ونجحت ووفقني الله ووجدت أن فترة 17 سنة كافية، ففضلت العودة إلى أحضان عائلتي وتركت هذا المجال والأفكار التجارية إلى أبنائي، فأربعة من أبنائي بدأوا مشوارهم على هذا المضمار، وهي تعتبر من المشاريع الصغيرة في مجال تقديم المواد الغذائية والمطاعم.

ذكرى

سر لقب بن خاتم

يسترجــع سالم بن خاتم ذكريات ماضيه البعيد بكثير من الحنين الممتزج بالحميمية، وذلك عندما كان طفلا لا يتعدى الخمس سنوات من عمره، وكان والده يسرد له قصة جده، ولماذا أطلق عليهم لقب: بن خاتم، فيقول: كان جدي فطناً يتمتع بذكاء مبكر وحاد، حيث ألحقه والده بكتّاب الفريج ليتعلم قراءة القرآن الكريم وأحكامه، وكان كل يوم يجب أن يحفظ طلبة المطوع بعض أجزاء القرآن الكريم، ليتغيب جدي فترة من الزمان.

وأثناء خروج جدي إلى الفريج وهو يمشى لمحه من بعيد المطوع فنادى عليه ليعرف سبب تغيبه فرد جدي قائلا: انه ختم القرآن، فمنذ تلك اللحظة بات يطلق عليه اسم بن خاتم وحملت العائلة نفس اللقب لأعوام عديدة، وهو لقب يعتز به جدا، مثلما أنا كذلك أيضا.

تقوى

بيت يفيض دفئاَ

عند افتتاح مدرسة الصباحية (ابتدائية ومتوسطة) للبنيــن في الفجــيرة التحــق ســالم بن خاتم ليتعلم فيها وينهل من علمها، ولا ينسى ذكرياته في البيت الكبير لعائلتــه الذي كــان يضمه هو وإخوانه وأخواته الذي يقع اليوم خلف المسجد الكبير القريب من دوار الدلة بمنطقة الفصيل بالفجيرة الذي تميز بالطمأنينة التي شاعت من جدرانه.

وكان صدى قراءة القرآن الكريم يملأ زوايا وحنايا البيت ليشع نورا ليضيء حياة سالم بن خاتم.

وحــول ذلك يقــول: إن القــرآن كــان ومازال ربيع القلوب، وبذكر الله عز وجل تطمئن القلــوب، ومازلت حتى الآن حينما أشعر بضيق صدري أهرع إلى كتاب الله فتهدأ لواعج نفسي، وهذا مصداقاً لقول الله عز وجل في كتابه الكريم: «ألا بذكر الله تطمئن القلوب».

مواقف

ألعاب شعبية وأحداث شيقة

والدي عبد الله بن خاتم، رحمه الله تعالى رحمة واسعة، كان المرافق الدائم للشيخ محمد بن حمد الشرقي، رحمه الله تعالى، الذي تولى حكم الفجيرة عام 1952 حتى انتقل إلى رحمة الله وتولى من بعده ابنه صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي عضو المجلس الأعلى حاكم الفجيرة مقاليد الحكم.

وقد حرص سموه على تطوير الحياة في الإمارة والنهوض بها في كافة المجالات تماشيا مع إستراتيجية الدولة.

وكان للمرحوم عبد الله بن خاتم الأثر البالغ في نفوس العديد من الناس لما عرف عنه من علم ودين وحنكة وذكاء وبعد نظر وتواضع جعله شخصية محببة وقريبة من القلب، فهو مطوع الفجيرة وخطيب الجمعة ومأذون يقوم بتزويج الناس وقد تميز بقدرته على الإقناع والتأثير والإصلاح بين المتنازعين ليخرجوا من عنده متراضين وقلوبهم صافية ناحية بعضهم البعض.