حياته مليئة بالإنجازات والمغامرات، هو نموذج للإنسان المكافح والطموح، ركب البحر منذ السابعة من عمره، قاهرا خطورة الأمواج بعزمه وإصراره. حياته حكاية تروي لنا التاريخ القديم، وتقارنه بالحديث، وتعلمنا الصبر بمعناه والعلم بكفاحه. ركب الأمواج منذ رعيله الأول، وجاب البحار والمحيطات عبر تلك السفن الشراعية القديمة، فلم تكن سوقطرة والبحرين وهرمز سوى محطات مر بها خلال رحلاته البحرية منذ نعومة أظفاره.
حمد بن حمدان بن حميد المطروشي الملقب بالعود من مواليد عجمان ولد في عام 1946 وأُبلغ من قبل والدته قبل وفاتها بأنه مولود سنة الطبعة، والتي يشير إلى أنها كانت بعد الحرب العالمية الثانية والطبعة بالمفهوم الحالي تسمى تسونامي ومن أحداث الطبعة أن معظم سكان الخليج في ذلك الوقت غمرتهم مياه البحر من الإعصار.
فمات الكثيرون ومن ضمنهم والده الذين كان في البحر مع مجموعة من البحارة وقد توفي أغلبهم ولم يرجع منهم إلا القليل، فمعظم الجثث التهمها البحر والبعض القليل رمت به أمواجه على شواطئ الدولة، وأغرق البحر المناطق واخذ جزءا كبيرا من البيوت والمدارس والفرجان وتركت الطبعة بصمتها فترة طويلة على البلاد مملوءة بالألم، مثلما ترك في ذاكرته إلى أن جاء التطور العمراني وغطى هذه المناطق.
يقول المطروشي: في طفولتي وتحديداً عندما كان عمري 8 سنوات بدأت مشوار السفر للتجارة والغوص، وكنت أصغر اخواني سناً، وعلى ما وردت من أحاديث، علمت أن والدي كان رحمة الله عليه من أبرع الصيادين في المنطقة وتحديداً في الحي الشرقي لإمارة عجمان.
بالإضافة إلى أنه دائم السفر في البحار، وقدم إخوتي على نهج والدي ليصبحوا جميعا ذوي خبرة في صيد الأسماك واللؤلؤ والسفر إلى الجزر البعيدة إلى أن نهجت نهجهم وتمسكت بهذه المهنة، فسافرت إلى أفريقيا وكانت رحلتي الأولى إلى جزيرة سوقطرة وعدن والى ساحل عمان وساحل سلامة وبناتها (مضيق هرمز الآن)، ودائماً كنا نحمد الله على منحنا السلامة بعد تخطي هذا المضيق لخطورة موقعه، ومن هنا أطلق مصطلح سلامة على هذا المضيق.
وأكد قائلاً: رغم المعاناة والإنهاك الذي لاقيناه جراء خوض تجربة السفر إلى سوقطرة، إلا أنني خرجت منها بفوائد عديدة ساعدتني في الاستناد عليها رحلاتي البحرية التي تبعتها، وفي سوقطرة مكثت عامين مع الأخ محمد بن رحمة الشامسي، وتعلمت فيها فنون التجارة البحرية وأسرارها .
حيث كانت هذه الجزيرة بوتقة للتجار العرب جميعهم، ولا أنسى الأحداث التي صادفتنا جراء رحلتنا إلى الجزيرة التي مازالت راسخة في ذهني إلى هذه اللحظة، فكم صارعنا أمواج البحر والرياح، لنقهر مخاوفنا ونعتاد على التعامل مع هذه المواقف بحكمة.
وتابع: لا أنسى وصف الجزيرة التي كانت غنية بالثروات الحيوانية والبحرية وهذا ما جعل أبناء الخليج ومعظم التجار يختارون الجزيرة لحمل التمور والملابس ومقاضاة سكان وتجار المنطقة آنذاك بالسمن واللؤلؤ والمحار.
رمضان قديماً
في طفولتي عندما يأتي رمضان في موسم الصيف وترتفع درجات الحرارة كان الناس يخرجون من منازلهم لأداء صلاة العصر أو الظهر في المسجد ولا يرجعون لمنازلهم حتى وقت الإفطار، ومن شدة السموم والحر يقومون بتلطيف درجة الحرارة من خلال رش الماء على الوزار وبدون أن نعصره ليغطى به الجسم. والصائمون تجدهم في نهار رمضان يبحثون عن الظل ليجلسوا تحته لمقاومة حرارة الجو.
كان يمضي الناس مشياً على الاقدام للانتقال إلى إمارة أخرى، عندما تواجههم الخلجان المائية الخيران، يعبرونها مشياً إلا عند تعرضها للسيول أو ازدياد عمقها لا يجد العابر منفذا لتخطي المياه سوى السباحة إلى أن عمرت الأنفاق والجسور لتصبح وسيلة توفر على مستخدميها الجهد والوقت.
واستطرد قائلاً: لم يفكر مطلقاً سكان المنطقة الذين عاشوا في المرحلة الواقعة من أربعينات القرن الماضي حتى السبعينات أن يصل التقدم والازدهار إلى المستوى الذي نشهده الآن، وأتذكر حينما وصلنا المصباح القديم الفنر تفاجأت الناس بهذا الاختراع الذي مدهم بالنور ليصبح من إحدى العجائب التي تصل في وقت مبكر.
ومع مجاراتنا تلك الحياة البسيطة إلا أنك تجد الجميع في منتهى الرضا وفي درجة عالية من السعادة، ولا يفوتني هنا الرجوع إلى العقد الخامس من القرن الماضي عندما كنا نستعين بالبطاقات لنحصل على المعونات الغذائية كالأرز والسكر في سوق مرشد وبيت الشنقيطي.
إلى السعودية
كانت مياه البحر في الإمارات تعاني من نقص في اللؤلؤ والأسماك في تلك الفترة، ولذلك باشر الكثيرون من سكان الإمارات والساحل بالسفر إلى دول الخليج الأخرى لتحسين الأوضاع المعيشية والحصول على فرص حياة أفضل بعد أن شاع نبأ ازدهار العمل في تلك الدول، هروباً من أعباء البحر وأهواله بعد أن شحت خيراته علينا.
وكانت وسيلة أهل البحر في السفر استخدام السفن الشراعية وقد ابتعثني شقيقي إلى السعودية كعقاب لي على شغبي على أن أبقى هناك لمدة شهرين واستغرقت تلك الرحلة خمسة أيام متواصلة في المسير، لكن الشهرين تحولا إلى خمسة عشر عاما من الغربة بعد أن دفعتني الظروف إلى مجاراة الحياة الاجتماعية في المملكة، وتأقلمت فيها حتى وجدت بأنني انخرطت في مجالات متفرعة من التعليم والعمل والرياضة.
وبعد أن رافقت إخوتي إلى السعودية باشرت بالعمل والدراسة في عام 1953، وكنت آنذاك أعمل في ارامكو برفقة الزميل عبيد المزروعي وراشد المزروعي كمشرفين على التمويل الغذائي للمؤسسة في الظهران ، وأنهيت الدراسة عام 1968.
وبعد انتهائي من الدراسة عينت مدرسا في الإحساء حيث حصلت على شهادة الثانوية الصناعية والتي تعادل الشهادة الجامعية في الوقت الحالي، ولم أطل العمل، وعاودت الرجوع إلى الإمارات بعد خمسة عشر عاما قضيتها في المملكة العربية السعودية.
إلى جانب العمل في ارامكو، امتهنت كذلك التجارة من خلال المحلات التي افتتحناها أنا وإخوتي، وباشرنا العمل فيها ببيع السلع الغذائية، وكنا بمثابة مكاتب أمانة لأهل الخليج حيث تحرص القوافل الخليجية باستمرار على وضع ممتلكاتها وحفظها في متجرنا.
كما التحقت بنادي الاتفاق السعودي لكرة القدم ودخلت بطولات محلية وكنت لاعبا محترفا، وطيلة تلك الفترة المنصرمة لعبت مع عدد من الفرق الخليجية، لذلك كانت رحلتي في السعودية تكاد تكون خالية من الفراغ، فيومي مزدحم بالأعمال والدراسة، لذلك استفدت كثيراً من تلك التجربة .
المواصلات
في عام 1968 وجه لي عبد الله المزروعي وخلفان الرومي رسالة للعودة إلى الإمارات بعد انتهاء دراستهما ووجدت الفرصة مناسبة وخاصة أنها كانت عطلت نهاية العام الدراسي، ورجعت إلى الإمارات بعد غياب طويل وكان عمري 27 عاما في ذلك الوقت.
والتقيت قريبا لي كان يعمل في مكتب التطوير لخدمات الإمارات وعرض علي السفر إلى لندن كان استقراري في برايتون لتأسيس لغة انجليزية متقنة وبعدها انتقلت إلى كلية إدارة الأعمال وحصلت على الدبلوم الأول عام 1971.
وبدأت بالاستعداد لإكمال الدبلوم الثاني للحصول على الشهادة العليا التي تؤهلني للتدريس. وفي 1972 قام الاتحاد وتشكل مجلس الوزراء وقد بعث لي بأوراق التعيين وتم استدعائي بشكل رسمي للمساهمة في تطوير مؤسسات الدولة وقد أصروا علي فاضطررت إلى ترك الدراسة في لندن وتم تعييني في وزارة المواصلات في العام نفسه.
وأشار قائلاً: عندما تولى عبدالله تريم وزارة التربية، بعث لي أوراق التعيين في لندن، تم تأسيس وتطوير جميع الوزارات والهيئات والمؤسسات الحكومية بعد أن ارتفع علم دولة الإمارات العربية المتحدة معلناً قيام الاتحاد، فلم يكن مني سوى المبادرة في تقديم يد العون والخدمة لهذا الوطن المعطاء، رغم رغبتي الشديدة آنذاك في اكمال الدراسة.
تمثيل الدولة في المحافل والمؤتمرات الدولية
لم تكن النظرة عن كثب تروي لنا سوى موسوعة تراثية وتاريخية في قاموس حمد العود، فلم تكن أجندة حياته تسرد مواقف وذكريات وما مرت عليه من أحداث في البحار والمحيطات، وإنما أقحمنا الحديث معه للمرور على جوانب عديدة تجلت في المشاركات الخارجية التي بادر في قيادتها وتمثيل دولة الإمارات في تلك المؤتمرات والمحافل الدولية.
ولعل أهم المشاركات الخارجية التي ضمت وفد الإمارات برئاسته، المشاركة في منظمة العمل الدولية في جنيف، ومثل حينها قطاع العمال مع وزارة العمل في الدولة في تلك الفترة الواقعة بين عام1977-1984 م. ولم يتردد العود في المشاركة عام 1975 حينما تسلم الدعوة إلى مؤتمر الصحة في الكويت، وقد كان ممثلاً عن وزارة المواصلات.
إضافة إلى مشاركته في مؤتمر العمل العربي في بغداد في الفترة الواقعة بين 1984-1988، وفي ليبيا عام 1987 شارك في مؤتمر العمل العربي بالإضافة إلى مؤتمر العمل في الأردن والكثير من المؤتمرات والمشاركات على الصعيد العربي أو العالمي، فخبراته التي تجلت في عمله كمدير إدارة الحركة والصيانة ومدير مكتب وكيل وزارة المواصلات، ورئيس لجنة التجديف، ورئيساً لجمعية الفنون سوى نتاج لمسيرة عمل وجهود مبذولة امتدت جذورها إلى ما قبل قيام الاتحاد، ليخرج بهذه التجارب العلمية والعملية بحصيلة فكرية تصب في بوتقة التراث والتاريخ الإماراتي.
هواية مشاهدة »مناطحة الثيران«
لم يتردد العود في استراق النظر على الملاعب والأندية عند وصوله إلى الإمارات مودعاً الأندية السعودية التي شارك فيها، فلم يبقه اعتزاله عن الرياضة بعيداً عن الملاعب، حيث يحرص على حضوره باستمرار إلى نادي عجمان لمشاهدة المباريات والمشاركات الرياضية التي تخص الفريق، ويراقب مجريات الأحداث التي تحصل في ساحة اللعب بعيداً عن عيون الناس.
ولم تكن هذه المبادرة منه سوى نتاج لعشقه القديم وانتمائه لهذا النادي الذي ظل متمسكاً فيه، ومواصلاً تشجيعه اللامحدود لا سيما عند تعرضه لهزيمة من بعض الفرق المنافسة. وما يجعله متمسكاً بهذا الفريق، مبادرته في تدريب الأندية في عجمان، لتتلوها فترة الدمج بين الفرق التالية: الهلال والشعلة وبعض الفرق القديمة في عجمان.
إلى جانب كرة القدم، اقتحمت بعض الرياضات قلب العود، وأصبحت أقرب إلى استراحة من هواية، لمواظبته الدائمة على حضور الرياضة الإماراتية التقليدية المناطحة بالثيران، حيث لا يمر عليه يوم جمعة إلا وتراه واقفاً متابعاً لمبارزة تلك الثيران الضخمة بين بعضها، فهذا الحرص على المتابعة لم يكن سوى دليل على الاهتمام بالرياضات الإماراتية القديمة التي أبى التاريخ أن ينساها، ورفض العود التخلي عنها.
ألعاب شعبية وأحداث شيقة
كان المطروشي في صغره هاويا للرياضة الشعبية بكل أنواعها وكانت لديه هواية صيد طيور النورس، وقبل ذهابه إلى المدرسة كان يتسلل إلى خور بحر عجمان لصيد طيور النورس ويستخدم السلك الحديدي الرفيع والنشابة، وأسس مع أصدقاء الطفولة مسابقة للمصارعة بين طيور النورس.
وغالباً ما كان هو الفائز بين الشبان، إضافة إلى الألعاب الشعبية التي كان يلعبها في الماضي وخاصة في منتصف رمضان وأشهرها سرع وعظيم وقبة شتان، وكنا نصنع الكرة من الأقمشة البالية. أما المواقف التي تستحضره باستمرار، صعوده أعلى النحلة في موسم الرطب، وبينما كان قريباً من اقتطاف الثمرات إلا أنه وقع أرضاً على ظهره بسبب استخدامه حبلا رفيعا أثناء صعوده، مما أدى إلى كيه وسمه في ثلاثة أماكن مختلفة على جسمه.
أما الأحداث التي لم ولن ينساها العود في حياته قال: في إحدى الرحلات البحرية إلى عدن، كانت ترافقنا سفينة شراعية ضمن المجموعة نفسها، وعند تقدمنا عن تلك السفينة تفاجأنا بإحدى الحيتان الضخمة مما اضطرنا إلى تغيير المسار، وأسعفتنا سرعة البديهة في تحاشي اصطدامها، ولكن عند وصولنا إلى الجزيرة تفاجأنا بطاقم السفينة الأخرى وهم في زورق صغير فاقدين السفينة الشراعية أثناء اصطدامهم بذلك الحوت الذي نجينا منه.