محطات كثيرة تلك التي تمر بحياتنا، منها ما تحمله لنا من ذكريات جميلة وسعيدة، ومنها محطات تترك في نفوسنا حزنا عميقا، وبعضها مواقف تسجل فلا تنسى ولا يمحوها الزمان، وفي حياة محمد بن خلفان المطيوعي أحد أعيان منطقة حتا الكثير من هذه المحطات التي ما زالت راسخة في ذهنه رسوخ جبال المنطقة، وبداية عندما سألته منذ متى وطأت أقدام أجداده منطقة حتا، أجابني بكل بساطة، قائلا: حدث ذلك منذ زمن بعيد، كل ما أذكره أن والدي وجدي وجد جدي سكنوا هذه المنطقة، وما زلنا نعيش فيها حتى اليوم أنا وأبنائي وأحفادي وأحفاد أحفادي.
إن حتا ليست منطقة حديثة جملتها يد الإنسان بل هي قرية تضرب بقدمها في التاريخ القديم، وكانت قديما تسمى بالحجرين لأنها تقع بين جبلين. وعودة إلى جذور ضيفنا سألناه بداية عن اسمه وماذا يحمل لنا من محطات مرت في حياته ورسخت في أعماقه، بل تحولت إلى بحر مائج من الذكريات التي لا تنتهي. اسمي محمد بن خلفان بن سعيد بن علي بن سعيد بن حمد بن عبدالله بن سعيد المطيوعي، لي ستة من الأشقاء و12 من الأبناء، ثمانية ذكور وأربع إناث.
ولدت في حي الحيل في حتا، وعملت لأكثر من 12 سنة في الجيش أو ما كان يسمى آنذاك قوة كشافة الساحل، وفيما بعد أصبحت أساس نواة قوات الدفاع الاتحادية، بعد ذلك عملت في وزارة الصحة لمدة 10 سنوات وبعدها أحلت إلى التقاعد.
محطتي الطفولية عشتها كغيري من أطفال المنطقة درست في الكتاتيب، وأكملت حفظ جزء عمّ فقط،، وقضيت بقية سنوات الطفولة في مساعدة الوالد في الرعي وحمل الرطب والتبغ إلى دبي على الركاب وبيعه ومن ثم العودة إلى حتا محملين بالأرز (العيش) والقهوة وكل ما يحتاج إليه الناس في هذه المنطقة. كانت الرحلة إلى دبي تستغرق أربعة أيام للذهاب ومثلها للعودة، في تلك الأيام لم نكن نعرف المركبات التي حلت اليوم محل الجمال.
الزواج
المحطة الثانية من سيرتي تتجسد في حياتي الاجتماعية، عندما تزوجت في سن مبكرة كان عمري حينها (15) عاما، وبالنسبة للزواج كما هو الحال في كل زمان ومكان يبدأ بالخطبة، فحين يقرر الشاب الزواج يبدأ في البحث عن عروس مناسبة، فإن كانت من أهله فإن المهمة تصبح سهلة حيث يفضل الأهل زواج الأقارب، وإن كانت من خارج العائلة فإن أهل العريس يبعثون إلى أهل الفتاة من يبلغهم برغبتهم في زيارتهم، وهكذا يتم الاتفاق.
ومن عادات وتقاليد منطقة حتا ان الشخص إذا تقدم وهو من عائلة معروفة لا يرد له طلبه، هكذا نحن تزوجنا بهذه العادات والتقاليد العربية الأصيلة، وكان المهر يدفع مابين 100 إلى 160 روبية، والأفراح تستمر حسب ظروف العريس، قد تستمر أسبوعاً أو ثلاثة أيام.
ثم تزوجت بالثانية ولدي الآن ثمانية من الذكور وأربع إناث، وبلغ أحفادي من جميع الأبناء (59) حفيدا و(5) من أحفاد الأحفاد. وعلى الرغم من كبر عائلتي هذه، فإننا نعيش اليوم تحت مظلة واحدة، أما كيف تحقق لنا ذلك، فالأمر يعود إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الذي أمر ببناء سكن لأبنائي الثمانية في مكان واحد، وبفضل من الله وبفضل سموه نستظل اليوم جميعنا تحت سقف واحد، وهذا الاهتمام والرعاية يوليها سموه لكافة أبناء المنطقة.
المواقف
لرمضان ذكرياته ومحطاته، وعادة الناس في منطقة حتا لم تتغير كثيرا، الكل يفتح بيته للصائمين والجميع يتبادل أطباق الفطور، وفي الماضي البعيد كانت الناس تصوم على التمر والقهوة وما يتوفر من الأرز (العيش) واللحم أو الدجاج.
وكان الصوم في جو حار جدا، بينما تختلف الأمور اليوم، بحيث أن الناس ترفل في أجواء وحياة معيشية أفضل من السابق، وكذلك توسعت موائد الإفطار وتشكلت بأنواعها، بحيث باتت اليوم البيوت مفتوحة والساحة التي أمام بيتي يأتيها في شهر رمضان أكثر من (200) صائم معظمهم من أبناء الجنسية الآسيوية، كما يأتون لنا من الجارة سلطنة عمان، هذا هو الفارق اليوم، لذلك لرمضان ذكريات خاصة، ومواقف مازالت في ذهني.
وأذكر في سنة من السنوات ان جماعة من أشقائنا العمانيين نزلوا علينا في وقت المغرب وأفطروا مع عامة الناس وهم من كبار القوم، وكنت قد نويت أن أدعوهم إلى مجلسي بعد صلاة المغرب، وحين عودتي لم أجدهم وأسفت على ذلك، وتبين لي ان وجودهم صادف أثناء أذان المغرب فنزلوا وأفطروا مع الحضور ثم أكملوا سيرهم، وهو من المواقف المؤثرة التي لا أنساها.
العادات
من عاداتنا وتقاليدنا الراسخة تمسك أبناء المنطقة بالكرم والضيافة والحفاظ على أصالة المجتمع وتاريخ المنطقة، في حين أن الحياة العصرية اليوم طغت على كثير من نظم الحياة الاجتماعية في الدولة، والبعض واكب هذه المتغيرات، لكن في البر مازال عدد كبير منهم متمسكا بالأصالة.
انظر مثلا إلى بيئتنا البرية كيف أزالت الفوارق الاجتماعية بين أبناء المنطقة، وكيف أن الأبناء يعيشون تحت كنف آبائهم، وكيف أن جميع سكان منطقة حتا وعددهم تقريبا (8500) نسمة يسكنون في (1200) بيت، جميعهم متراصون ومتحابون والكل يشعر بانتمائه الصادق لهذه المنطقة ولدولة الإمارات التي رفعت من شأن جميع أبناء البلد الواحد، بفضل حكمة ورعاية صاحب السمو رئيس الدولة وصاحب السمو نائب رئيس الدولة وأصحاب السمو حكام الإمارات.
السكن
وحول الحياة قديما في ظروف صعبة ومعيشة لا يتوفر فيها ابسط مقومات الحياة قال محمد المطيوعي: بيوت القرية كانت تشيد من الطين والحجارة وكان يسكنها معظم الساكنين، أما في المناطق القريبة من سفوح الجبال فقد استخدم العريش في البناء ولم يتبق منها إلا النذر القليل، كما أن البيوت كانت تزود بالمياه عن طريق الافلاج التي تنقل مياه العيون والأمطار إلى المزارع التي تكثر فيها زراعة أشجار النخيل والمانجو والليمون.
أما مكونات هذه الافلاج فكانت من الطين المحروق (الصاروج) والحجارة العادية الموجودة في المنطقة المحيطة، هذا كان في الماضي، أما اليوم فالدولة سخرت لأبناء الوطن، الحياة الراغدة والسكن الآمن والمريح، وأصبح الجميع ينعم بفضل من الله وبفضل رعاية حكام الإمارات، أطال الله في أعمارهم، وأبقاهم ذخرا لهذا الوطن ولأبناء الإمارات جميعا.
مدن
حتا التاريخ
تقع حتا على بعد 100 كيلو متر من دبي و300 كيلومتر من العاصمة العمانية مسقط، والطريق إليها مسفلت ممهد، يمر بعدة مناطق مثل المدام والهباب ومزيرع ومصفوت، ويخترق جزءا من ولاية محضة التابعة لسلطنة عمان ، وتقع حتا على سفوح جبال تحيط بها المياه المتدفقة من هامات الجبال، ويعد وادي القحفي أهم موقع سياحي فيها، وهو واد طويل ينبع من سلطنة عمان ويمر مخترقاً حتا في طريقه إلى البحر، وأيضا توجد المزارع وتكثر البساتين وتتنوع أصناف الثمار فيها من النخيل والمانجو والرمان، ويسود منطقة حتا بشكل عام مناخ صحراوي يكون شتويا بارداً كثيف الغيم في الشهور الأولى من العام ويزداد معدل هطول الأمطار في هذه الفترة.
أما في شهور الصيف فيكون الجو حاراً قائظاً تهب فيه رياح الكوس والسموم، لكن الجميل أن هناك أمطاراً موسمية تهطل في فصل الصيف مما يبدد جزءاً كبيراً من حرارته، وتعتبر حتا منطقة سياحية، حيث تشهد العديد من الزوار العرب والأجانب، وكان المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم يقضي إجازته في المنطقة لما لها من مكانة خاصة في نفسه، وظل من بعده المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم، واليوم تحتل حتا نفس المكانة في حياة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم، رعاه الله.
ثقافة
الشعر بالفطرة
من الأشياء التي يعتز بها أبناء المنطقة قولهم للشعر، وفيهم عدد كبير من الذين يحيون الأمسيات الشعرية ويشارك في المحافل الأدبية والشعبية، ومحمد بن خلفان المطيوعي، وهو من الشخصيات الاجتماعية في المنطقة، تعلم الشعر بالفطرة وله الكثير من القصائد التي قيلت في مناسبات كثيرة وقد تلقى ردود أفعال كثيرة لقصيدة ألقاها بين أوساط أعيان ووجهاء حتا، وهذه مقاطع من قصيدة طويلة مطلعها: يوم التقينا بالمناعير لشراف، غاب الكدر والهم عنا وبهينا، أهل ألوفا وأهل المعزة وعراف، خصيمهم لوحي يوقع دفينا، تاريخهم واضح وبالعين بنشاف، ما ملوثه زود الغباير وطينا، يشرق شرات الشمس من خلف مغداف، وحنا على نهج العوايد مشينا.
او كما قال في قصيدة اثر تخريج دورة الأشبال في حتا: حتا ترحب من لفاها، ضباط مع ساده وجمهور، زانت وعلي مستواها، من فضل يلي طايل شبور، شيخ عنا ليها ويباها، رمز تخلي القلب مسرور، باذل جهود من قداها، الها ولا يحسب لمخسور، عدل مناظرها وبناها، وسدود فيها تجري انهور، يلي شرات النيل ماها، ترتاح يوم انك تب أتزور.