كطفلٍ لا يقوى على السير، كلما يحاول أن ينهض، يتعثر ويسقط، لكنه لم يفقد أبداً رغبته في التقدم، ولم يتخلَ لحظة واحدة عن إصراره على التحدي.
الركود يضرب تجارة اللؤلؤ، والناس لا يكادون يجدون ما يسد رمقهم، وأمراض سوء التغذية تفتك، وما ينجم عنها من أمراض: فقر الدم، ونزيف اللثة والأنيميا وتساقط الأسنان، تفتك بالغالبية العظماء من السكان، فالناس لا يتذوقون الفاكهة، اللهم إلا التمر، والطعام يقتصر على الأرز الذي يجلبه التجار من الهند، وما يجود به البحر من أسماك، أما اللحم فهو مطلب شبه مستحيل، لأن التضحية بالماشية، تعني ببساطة فقدان المصدر الوحيد للألبان، هذا مع الأخذ في الاعتبار، أنه لم يكن يملك الماشية، إلا علية القوم ورجالات المدينة، من كبار التجار.
هكذا كانت أبوظبي في منتصف الخمسينات، مدينة وادعة تعانق أحلامها في صمت، وتقاسي شظف العيش في صبر جميل.
وهكذا يبدأ محمد عبد الجليل الفهيم، رجل الأعمال المعروف حديثه عن المدينة التي يعشقها، حيث يقول: حينما تسأل شخصاً عن سر عشقه لمدينة ما، فإنه على الأرجح لن يجد الإجابة المنطقية، وسيكتفي بأن يجيب: أعشقها وكفى، فالحب مسألة لا تقبل التفسير والتنظير، ولكني أملك التفسير لعشقي لهذه المدينة الرائعة.
فبالإضافة إلى أنها مدينتي، التي أشعر بأن جذوري تضرب في أعماقها، وإلى أنها مدينة ساحرة بشهادة كل من يزورها، فإن ثمة أسباباً أخرى للعشق، وعلى رأسها: أني عاصرت مراحل تشييدها، وكنت شاهد عيان على النهضة الشاملة التي حققتها في زمن قياسي.
حديث ذو شجون
ويقول الفهيم: حينما أروي "قصة أبوظبي" فإن كلامي قد لا يؤثر في أبناء جيل اليوم، والشباب الذين لم يكابدوا ما كابدناه من مشاق، وهذا طبيعي، كون هؤلاء قد نشأوا في الرفاهية، وعاشوا في أجواء المكيفات، واقتنوا السيارات الفارهة، أما بالنسبة لجيلي، فالحديث يبقى ذا شجن.
في هذه المرحلة، كان التعليم يقتصر على التعليم الديني، وتحديداً "كتاتيب تحفيظ القرآن"، وكان "الكُتّاب" يدار من قبل "مطوّع" يدعى درويش بن كرم، وهو رجل يمثل محوراً أساسياً في حياة السكان، فهو المعلم للصغار، والخطيب في المسجد، والمأذون الذي يعقد القران، وكان يتولى مهمة ختان المواليد، ويطبب المرضى بالحجامة والوصفات الشعبية.
وأشهد أن "الملا درويش" معلمنا وإمام مسجدنا وطبيبنا، قد كان رجلاً عالي الهمة، صادق النية، فكثيراً ما كان يتنازل عن أجره، الذي يبلغ ربع روبية شهرياً، عن التلميذ إذا كان ذووه معسرين وغير قادرين على السداد، وفي حالات كثيرة كان يطبب الناس مجاناً، لكن ما من شك في أنه لم يكن مؤهلاً بالدرجة المناسبة لتأدية كل هذه المهام.
وفي سنة 1959 أنشأ الإنجليز أول مدرسة نظامية، وكانت ذات ستة فصول دراسية، واسمها الفلاحية، لكنها لم تكن أحسن حالاً من الكُتاب، فسقفها الطيني لم يكن مناسباً للبيئة الحارة، إذ كان يحبس الحرارة فيتصبب الصغار عرقاً، ولم يكن للمدرسة كادر من المدرسين، إلا مدرس اسمه أحمد الخطيب، جاء إلى أبوظبي قادماً من الأردن، ومكث لمدة عامين، ثم فرّ هارباً من الظروف الصعبة.
وبدأت ملحمة قهر الرمال وبناء الحضارة، ليس لأننا اكتشفنا النفط، وإنما لأننا بدأنا ندير الثروة إدارة مختلفة، ولأن الله عز وجل، هيأ للوطن، رجلاً عبقرياً في مرحلة تاريخية مهمة.
ويضيف محمد الفهيم:
إن ما تحقق من نهضة، إنما تحقق بعزم الرجال، وصدق النوايا، وإني أذكر أن المغفور له بإذن الله الشيخ زايد، قال ذات يوم: في يوم ما سنجلب الرمال من الصحراء لنشيد المباني، وقد كانت هذه المقولة غير مفهومة، وغير مستساغة بالنسبة لي آنذاك، فالرمال تحيطنا من كل جانب، ولا شيء سواها حولنا، ولا شيء فوقنا سوى الشمس الحارقة، غير أن الأيام أثبتت صدق المقولة، فها هي أبوظبي تتحول إلى واحة خضراء، وقد جلبنا الرمل من الصحراء بالفعل، لنشيد المباني.
ويقول:
ليس لدي أدنى شك، في أن المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد كان ذا رؤية سباقة، فكلامه عن التقدم والنهضة والبناء، كان يبدو لنا من قبيل المستحيلات، وكثيراً ما كنا نتساءل: هل يمكن أن نلحق بقافلة المتحضرين؟
هل يمكن لهذه البقعة من الأرض، التي كان سكانها يسمونها مليح، لا من الملاحة والحسن، وإنما من الملح الذي يستوطن تربتها، فقد كانت أرضها "سبخة" غير صالحة للزراعة، وكانت آبار المياه مالحة؟
كانت تساورنا الشكوك، وذهب بعض كبار السن، إلى القول إن الشيخ زايد يرحمه الله، شاب طموح لم يخبر الدنيا، وإن أحلامه فوق الممكن، غير أنه أثبت للجميع، أن رؤيته سبقت الجميع.
ويضيف: كان الشيخ زايد ووالدي يرحمهما الله صديقين، وفي الخمسينات وقبل أن يتولى مقاليد الحكم، كان يزورنا باستمرار، وكانت زيارته تشيع في نفوس أبي وأعمامي السعادة، وكنت في هذه المرحلة أجلس في مجالس الرجال، طفلاً صغيراً يتفتح وعيه المبكر.
وكانت تدور النقاشات في كل الشؤون، وحديث "زايد الخير" حلواً سلساً منساباً متدفقاً، وكان مستمعاً جيداً، ولا يحتكر الرأي، وإنما يصغي لكل الآراء، ومن ثم يناقش ويناقش حتى يقتنع برأي ما، وله أسلوب خاص في عرض وجهة نظره، حيث لم يلجأ مطلقاً إلى النصح المباشر، وإنما كان يضرب الأمثلة، ويعقد المقارنات ومن ثم تترسخ فكرته تلقائياً في نفوس الحاضرين.
تواضع وحكمة
ولما تولى الحكم، لم يحد عن نهجه، وظل متحمساً نشيطاً، يتابع كل صغيرة وكبيرة بنفسه، ولا يترفع عن افتراش الرمل، ليجلس مع البسطاء من شعبه، يشاطرهم الطعام ويصغي إلى همومهم وأحلامهم، ويلبي طموحاتهم، وهكذا تآلفت القلوب، وما كنا نحسبه مستحيلاً، رأيناه واقعاً يتجسد أمام عيوننا.
وينتقل الفهيم إلى مسيرته في مجال الأعمال قائلاً: مع انهيار تجارة اللؤلؤ بعدما اخترع اليابانيون اللؤلؤ الصناعي، تردت الأحوال الاقتصادية إلى أدنى المستويات، وهجر الكثيرون أرضهم سعياً وراء الرزق، غير أن أبي آثر البقاء في أرضه، ومجابهة الظروف مهما تبلغ شدتها، ومضت سنوات حتى قام في 1964 باستيراد أربع سيارات مرسيدس، بيعت ثلاث منها، وتعطلت الرابعة وتمت الاستفادة منها كقطع غيار، وعاماً تلو الآخر، ومع النهضة الاقتصادية أخذت المبيعات ترتفع، وهكذا جاء الفرج وخرج الأمل من رحم الشدة.
والحقيقة إن النجاح الذي حققته في مجال الأعمال، يعود إلى عدة معطيات، يأتي على رأسها، أنه غرس في نفسي ونفوس إخواني، وهم شركاء الرحلة بما فيها من نجاحات، قيم الأمانة في العمل، وإلى أنه طالما كان يردد على مسامعنا أن التاجر ليس نهاز فرص، ولكنه شخص مخلص يبذل كل ما في وسعه لكسب ثقة العميل.
ومثلما اهتم والدي – يرحمه الله - بترسيخ هذه القيم في أعماقنا، سعيت لغرسها في نفوس أبنائي، الذين حملوا عني الراية، ويقومون الآن بمواصلة المسيرة بمنتهى الثقة والنجاح.
أختي ضحية نقص الخدمات الطبية
الخدمات الصحية لم تكن تنتمي إلى القرن العشرين، وإنما إلى العصور الوسطى، وقد كلفتنا بداءة الخدمات الصحية ثمناً باهظاً.
بهذه العبارة يبدأ الفهيم حديثه عن الخدمات الصحية، ويسحب نفساً عميقاً كما لو كان يريد التخلص من عبء ثقيل.
يقول: في منصف الخمسينات، كنا نقضي الصيف في العين، على عادة الكثير من السكان، وحدث أن أختي وكانت في نحو الثالثة من عمرها، قد أشعلت عيدان الثقاب، فأمسكت النيران بطرف ثوبها، وأصابتها بحروق بالغة، ولم تكن العين على اتساعها تضم مستشفى أو مستوصفا لتلقي العلاج، وكانت أقرب عيادة تقع في الشارقة.
آنذاك تعاطف الشيخ زايد – طيب الله ثراه- مع الأسرة المفجوعة، وبادر إلى إعارتنا سيارة ذات دفع حتى نتمكن من نقل الطفلة عبر الطرق غير المعبدة.
ويقول: كانت الطرق شديدة الوعورة، وكثيراً ما تغوص إطارات السيارة في الرمال، إلى درجة أن الرحلة استغرقت نحو ثمان وأربعين ساعة، تكبدت خلالها الصغيرة أقسى الآلام، وسط ذهول جميع أفراد الأسرة وجزعهم، حتى فاضت روحها إلى البارئ عز وجل.