منذ أيام قليلة بصم الزمان على العام الثالث بعد الثمانين من عمرها المديد الذي قضّته بين سرائر المرضى، وأدوات الفحص الطبي. بدأت طبيبة صغيرة، تحمل في داخلها أحلام الشباب، قبل أن تتحول إلى صاحبة إمبراطورية طبية تضم مستشفيات وعيادات خاصة يعمل فيها جيش من الموظفين قوامه نحو 1500 شخص، من بينهم مئتا طبيب، وقريبا من ثلاثمئة ممرضة، وعلى الرغم من هذا الحجم الضخم، فإنها تتمتع بقدرة غير عادية على القيادة، قدرة تجعل منها امرأة حديدية.

وعلى الرغم من تضخم ثروتها، واتساع مشاريعها الطبية، ووفرة الأموال، فإنها مازلت تعض بنواجذها على فلسفتها في العمل، الفلسفة التي تقوم على العناية بالمريض أولا وقبل الأجر، واستنفاد كل وسائل العلاج، والعمل على خروجه من المستشفى أو العيادة «نظيفا» من كل «علّة» وداء.

الحديث هنا عن الطبيبة المعروفة زليخة داوود التي خطت لها حكمة الأقدار أن تعيش معظم سنيّ حياتها خارجها بلادها، وتحديدا في دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تعتبرها كما ورد على لسانها الأحب إلى قلبها أكثر من أي مكان آخر «لأنني عشت فيها أكثر سنوات عمري».

ولأنها تتمتع بعراقة السمعة، وجودة العمل، ولطف المعشر، ووداعة الطباع، فقد اختارتها «البيان» لتكون ضيفة على صفحاتها، كي تنقل لقرائها تجربتها الثرية، فكانت هذه الوقفات السريعة مع مراحل من حياتها، تحدثت فيها عن انفعالاتها الوجدانية، وعن فكرها المهني، وعن بعض خصائص حياتها، ولم تخل الجلسة من بعض «الفاكهة» التي تمثلت بقصة نادرة مرت في حياتها عبر شريط عمرها الطويل.

بداية الطبيبة زليخة خارج حدود الوطن انطلقت في الكويت، فهناك أشعلت عود الثقاب الأول في صرحها المهني المنير، وهناك عرفت طعم الغربة للمرة الأولى، لكن بزوغها الحقيقي كان مخبوءا بين سطور الغيب، حيث كانت تنتظرها مهمة عمل طويلة في دولة مجاورة هي الإمارات التي وطأت أقدامها ترابها للمرة الأولى عام 1964 قادمة من الكويت الشقيقة.

مقارنة

وبحسب الطبيعة البشرية التي تنزع نحو مقارنة المختلفات ببعضها بعضا، لخصت لنا زليخة الفوارق التي لحظتها في كل من الكويت والإمارات، فالكويت بحسب كلامها - في منتصف الخمسينات وأوائل الستينات كانت مشعل المدنية في المنطقة، وكانت تفد إليها العقول، وتنحاز لها القلوب، ويلاحقها الإعجاب، بينما كانت الإمارات تغلي في أحشائها رغبات النهوض، وترفع يدها - بهدوء لتمسك زمام قيادة عملية النمو العمراني والاقتصادي في مرحلة لاحقة.

ولذلك كانت اللحظات الأولى بالنسبة للطبيبة زليخة صعبة، بل قاسية، لأنها كانت تتنقل بين عملها في دبي وسكنها في الشارقة بطريقة تشبه العمل الجراحي، فيها الكثير من المشقة، سببها وضع الطرق، ووسائل المواصلات آنذاك. فكانت تعمل سبع ساعات في الفترة الأولى، ثم تعود إلى الشارقة لراحة قليلة، قبل أن تعود إلى دبي لتستأنف عملها لغاية الساعة السابعة والنصف مساء.

وكانت وسيلة النقل في رحلاتها اليومية الأربع شاحنة. وأما الذهاب إلى رأس الخيمة، فكان سَفرا حقيقيا بكل معنى الكلمة، يستغرق في أفض الحالات أربع ساعات ممهورة بقطعة من العذاب.

مستشفى زليخة

عملت الطبيبة زليخة داخل مستشفى عام في دبي لمدة عام كامل، قبل أن تنتقل إلى عيادتها الخاصة في الشارقة. ومازالت ذاكرتها «حبلى» بالكثير من التفاصيل التي تتحدث عنها بابتسامة عريضة، فتقول: كنت أحصل من المريض على ما يقارب عشرة ريالات قطرية، في وقت لمست فيه حاجة الناس الماسّة إلى الاستشفاء، ولذلك استقبلت مرضى كثراً من الشارقة وعجمان وحتى من أم القيوين، بل إنني كنت أزور كثيرا منهم في بيوتهم لصعوبة تنقل بعضهم. واستمرت الأمور على تلك الحال حتى عام 1984.

حينما غمرت قلبي فرحة عارمة عندما قال لي صاحب السمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة: «لماذا لا تفتتحين مستشفى خاصاً»، وكانت تلك اللحظات السعيدة عام 1989، حينها شعرت بسعادة غامرة مصدرها الثقة التي منحني إياها سموه، لكن الأمر احتاج إلى أربع سنوات كي أفتتح «مستشفى زليخة» في الشارقة.

لكن الذكريات الجميلة لا تعيش وحيدة، بل تزاحمها جنبا إلى جنب في مخيلة زليخة أخريات صعبة، تتلخص بتكبدها خسائر مالية طائلة بعد فشل الكثير من الأطباء - الذين جلبتهم من الهند في الامتحانات الكتابية التي كانت تجريها الجهات الطبية المختصة في ذلك الوقت، وهي صعوبات وقفت حجر عثرة في طريق تأسيس المستشفى في بداية الأمر، قبل أن تتبدل الأحوال مع تأسيس الاتحاد عام 1971.

وقد دفعتني تلك الظروف إلى الاستعانة حينذاك بالأطباء الهنود والعرب القلائل الذين كانوا متواجدين في الدولة، كي أتمكن من افتتاح المستشفى بجهوزية جيدة.

حفر في الصخر

تعود الطبيبة زليخة إلى فترة سابقة، لتتحدث عن تفاصيل عملها، فتقول: البداية كانت صعبة للغاية، فلم أكن أملك الأدوات اللازمة، ولا أجهزة أشعة، وكنت طبيبة واحدة أقوم بمهام أطباء عدة، فأفحص الأذن والأنف والعيون والكبد والولادة بأجهزة بدائية. فكان عملي أشبه بالحفر في الصخر.

وتضيف: لكن الأمور تغيرت بعد أن أسست المستشفى الذي كان أشبه بثورة حقيقية في حياتي المهنية، فبعد أن كنت أحتاج إلى شهرين على الأقل كي أؤكد للمريضة بأنها حامل من عدمه، أصبحت أستطيع أن أفعل ذلك في ظرف خمس دقائق، وبدرجة أكثر دقة.

 

وطن لم أولد فيه

على الرغم من أنها هندية المولد، وأن كثيرا من طاقمها الطبي والإداري من بلادها، فإن الطبيبة زليخة تصرّ على انتمائها لدولة الإمارات العربية المتحدة أكثر من أي مكان آخر، والسبب أنها عاشت أكثر سنوات عمرها على هذه الأرض الطيبة، فهي ولدت عام 1938، ولكنها تعيش في الشارقة منذ عام 1964.

وتتحدث بكثير من السعادة عن الطريقة التي يناديها الناس بها، قائلة: «الناس هنا لا يعرفونني بالطبيبة زليخة، بل زليخة (حاف) دون ألقاب. ولا شك أن هذا مصدر سرور بالنسبة لي، لأنه يشعرني بأنني قريبة من الناس. وهذه الأمور مجتمعة لا تشعرني بأي غربة، بل تضفي مزيدا من الحميمية على علاقتي بالمجتمع لدرجة تشعرني بأنني أعيش في وطن لم أولد فيه».

عجوز شابة

هذه المرأة الطاعنة في السن، مازالت تحتفظ بطاقة عجيبة، فهي تدير مجموعة مستشفياتها وعياداتها الخاصة بطريقة فيها الكثير من الدهاء، تسيطر على مئات الموظفين من جهة، دون أن يجد أحد منهم في قلبه شيئا من المديرة. ومازالت رغم سنوات عمرها المديدة تحضر صباحا إلى المستشفى.

وتراقب سير العمل، ويرجع إليها للفصل في القضايا الشائكة، وكل ذلك يتم برفق ومرونة تنم عن حنكة إدارية عالية، لا يحتاج الأمر إلى دقة ملاحظة كي يكتشف المرء أن هذه الحنكة تقف وراء اتساع هذه الامبراطورية الطبية المتشعبة في دولة الإمارات. ورغم كل ذلك ما زالت هذه العجوز تسري في عروقها دماء الشباب.

ولدان و5 أحفاد

في الوقت الذي تتسع فيه أعمالها ومشاريعها، وتتوسع فروع مستشفياتها وعياداتها، تضيق عائلتها الصغيرة لتختصر في ولدين فقط هما «عادل» صاحب السبعة وأربعين عاما، وهو بروفيسور في مخبر طبي، والأخرى «زنوبيا» ذات الأربعين عاما،

واختارت أن تبقيها بقربها، وهي تعمل محاسبة في مستشفى زليخة في الشارقة. وينتعش فؤاد «أم عادل» وهي تتحدث عن أحفادها الخمسة من ابنها عادل، قائلة: «هم زينة الحياة الدنيا».