لكي تكون القصيدة قوية، وتترك انطباعا مؤثرا في وجدان قارئها ومتذوقها، ينبغي أن تصدر عن تجربة وجدانية ثرية، أو موقف حياتي يحرك خيال الشاعر ويدفع قريحته لأن تفيض بما يعتمل في نفسه من ألم أو حزن، أو ما يخالجها من فرح أو سرور.

فالقصيدة لا تكتسب أهميتها، ولا تؤثر في المتلقي، فقط لأنها تزدحم بالمفردات الرشيقة، أو تعج بالمحسنات البلاغية والبديعية، وإنما بقدر اتساقها وقدرتها على التعبير عما في نفس الشاعر.

هذا الكلام... يعد المذهب الشعري الذي يؤمن به الشاعر عبد الله بن ذيبان، الذي يحملنا معه على أشرعة الشعر، في رحلة بحرية إلى شواطئ ذاكرةٍ... ذاكرة مازالت طازجة طرية، تحفظ الكثير من التفاصيل.

وُلد الشاعر عام 1945 في إمارة الشارقة، وعاش في دبي، فإذا حياته ممتدة بين البيئة البدوية والحياة المدنية، ورغم استغراقه في الحياة المدنية له، إلا أن العادات والقيم والتقاليد البدوية الأصيلة مازالت تعيش في أعماق روحه كما يقول.

جاء إلى هذه الدنيا يتيماً وفقد أخاه وهو في الثامنة من عمره، مما يدفعه إلى أن يقول: كابدت مرارة اليتم وتعايشت من الحزن منذ نعومة أظفاري، وهو الأمر الذي ساهم في إنضاج تجربتي الشعرية بشكل مبكر. كرس حياته لخدمة الوطن عبر التحاقه بالقوات المسلحة، وفي هذه المهنة القاسية تفتحت موهبته الشعرية وهو في السادسة عشرة من عمره.

يقول: بعد رحيل والدي، نشأت في كنف عمي في دبي، وعشت طفولتي الإمارة النشطة المزدحمة بالتجارة والأعمال، منذ فجرها الأول، إلى أن عدت إلى الشارقة وتحديداً منطقة "النباعة"، وكان أبناء خالتي خير عوض لي في تلك الفترة بعد أن فقدت أخي، وانتقلنا بعد ذلك بصحبة البدو إلى منطقة "الرملة".

في شهر رمضان المبارك، كانت الطفولة تسعد بطقوس جديدة وغير مألوفة، من أهمها الالتحاق بحلقات تحفيظ القرآن الكريم، عند المعلمة "المطوعة".

ولم يكن دور المطوعة يقتصر على التحفيظ فقط، وإنما كانت تعلمنا أصول القراءة والترتيل والتجويد، خلال الفترة التي تمتد من بعد صلاة الظهر، وحتى آذان المغرب، حيث نجتمع على مائدة الإفطار، ويتوجه الأطفال بعد الانتهاء من أداء الصلوات للاستمتاع بالألعاب الشعبية القديمة، أما الكبار والراشدون فكانوا يتوجهون إلى مجالسهم، أو يمارسون بعض الألعاب الشعبية التي تناسبهم.

ويقول: في تلك الأيام كان الآباء يحرصون على اصطحاب أبنائهم إلى المجالس التي كانت تشهد سرد القصص والحكايات القديمة التي تصف شجاعة وبسالة الأبطال، فيتنافسون بعد سماعها في محاكاة وتقليد الشخصيات التي يتمحور الحديث حولها.

أما الأسواق قديما فكانت تعتمد في نشاطاتنا التجارية على بيع الأخشاب والفحم وطعام المواشي، وفي رمضان كان الإنسان البدوي ينهي أعماله بعد صلاة الفجر، ويذهب لبيع ما حصده في البر، ويتفرغ لأسرته في وقت الضحى المتأخر.

 فرصة عمل

ويضيف: كانت حياة رحلة كفاح، فقد التحقت بالمدرسة الصناعية بعد أن ساءت بي الأحوال، وفي نهاية كل شهر كنت أتقاضى (30 روبية) فقط لا غير. وفي المدرسة شرفت بأني تتلمذت على يدي صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة، وتعلمت من سموه اللغة الإنجليزية لمدة عام كامل كنت حينها في الصف الثاني، وقد حصلت على شهادة "النجارة" في عام 1960 وأنا أبلغ الخامسة عشرة من عمري.

وبعدما أنهيت الدراسة بدأت أطرق أبواب الرزق، غير أنها كانت مغلقة في وجهي، مما حدا بي إلى أن أشد الرحال إلى قطر، بصحبة عمي وبقية أفراد العائلة.

وبعد وصولنا إلى قطر، تقدمت للعمل إلى عدة جهات ولم أجد فرصة سانحة، فقررت العودة إلى الشارقة بعدما علمت بأن القوات المسلحة ترغب في توظيف عدد من الخريجين، وكان الحاجز الذي يحول بيني وبين الوظيفة هو صغر سني، فاضطررت للكذب على الضابط المسؤول عن استقبال طلبات التوظيف وزعمت أنني في سن الثامنة عشرة، فأرسلوني إلى الفحص الطبي للتأكد من حقيقة سني، ومن ثم اكتشفوا أنني في السادسة عشرة من عمري، وبالتالي رفضوا توظيفي.

عندئذٍ أسقط بين يدي، وشعرت بإحباط شديد، غير أن الله جعل لي مع العسر يسرا، حيث كان شقيقي الأكبر يرحمه الله موظفا في القوات المسلحة، وكان ذا سمعة طيبة، مما شفع لي لدى المسؤولين، وتجاوزوا عن شرط السن، وكان مما عزز فرصي في الوظيفة، إتقاني لثلاث لغات هي: الفارسية، الإنجليزية، والأوردية، إلى جانب اللغة العربية، فوضعت تحت الاختبار لمدة شهرين ونجحت في إثبات جدارتي المهنية، وعينت في نادي الضباط مدربا للسائقين ومدرب مشاة حتى تقاعدت في عام 1991.

ويتابع بن ذيبان: بدأت ملامح ومظاهر التطور والتحضر تتضح بشكل أكثر بعد تأسيس الاتحاد، وقد شهدت مستويات المعيشة والدخل والنهضة العمرانية تقدما كبيرا في زمن قياسي، وبالتوازي مع ذلك اهتمت الدولة برفع مستوى الوعي والتعليم، وفي ظل حرص الدولة على رفاهية أبنائها، انشغل عامة الناس بالأعمال المدرجة في السوق التجاري والاقتصادي مما جعل أصحاب الجنسيات الآسيوية تتولى زمام أمور البيع في المحلات التجارية و"الدكاكين"، خلافاً للحال سابقا حينما كان الرجل الإماراتي هو البائع في تلك المحلات، وهذا مؤشر على النعمة التي وصلنا إليها ولله الحمد بعد افتقارنا للأعمال.

 حروب شعرية

عاصر عبد الله بن ذيبان نخبة من الشعراء الإماراتيين، فكانت بدايته الشعرية عندما بلغ السادسة عشرة من عمره، فرافقه في بحور الشعر من الطفولة الشاعر علي بن رحمة الشامسي رحمه الله والشاعر محمد بن علي الكوس وكان بن ذيبان أصغرهم سناً ليكتسب منهم الخبرة.

ويقول بن ذيبان: بعد الزواج، بدأت عرض القصائد على مختلف الشعراء للتعرف على آرائهم فيها، وإحقاقا للحق يجب أن أعترف بأني استفدت كثيرا من آراء الشاعر محمد الكوس.

ويضيف: في بداياتي لم أكن متمكناً، وكثيراً ما استعنت، بالشاعر عبدالعزيز بن هزاع لكتابة القصائد، أما الشاعر علي بن رحمة الشامسي فقد أوصلتني الأقدار إلى أن أتعرف به عن طريق ابن خالته الذي عرض عليه إحدى القصائد التي كتبتها حتى توسعت دائرة المعارف الشعرية على المستويين العربي والخليجي.

ويتطرق الشاعر في حديثه إلى أحد المواقف التي لم ينسها، وذلك عندما قال: بينما كنت جالساً في منزلي في أحد الأيام، أرسل في طلبي الشيخ فيصل بن خالد بن محمد القاسمي، وعندما وصلت وألقيت بعض قصائدي تفاجأت بمدى الإعجاب الذي أبداه الشيخ والحضور بما ألقيته عليهم، وكان من أبرز الحضور الشاعر الراحل راشد بن طناف.

 مساجلة

في مجلس الشيخ

في احد المرات طلبني الشيخ والشخصيات الحاضرة في المجلس مجددا، وشعر الجميع أنني خطفت الأضواء حينها من طناف الذي كان شاعر المجلس آنذاك، الأمر الذي لم يعجبه ودفعه إلى التخلف عن الحضور إلى المجلس لمدة أسبوع، وبعد سؤال الشيخ عن حاله أجاب بقصيدة فيها هجاء لشخصي ومعاتبة للشيخ لتهميش دوره الشعري في المجلس، واستبدال شعره بقصائد بن ذيبان، وشعرت حينها أنه كان لزاما علي أن أرد، فكتبت قصيدة ردا عليه، وهكذا تحول الأمر إلى ما يشبه "الحرب الشعرية" التي انتهت بعقد صلح يقضي بوقف تلك القصائد، إضافة إلى ذلك الموقف الذي تسبب في حرب شعرية بيني وبين أحد الشعراء، ولم يكن ذلك الصلح الوحيد في مسيرتي الشعرية، بل خضت حروبا شعرية أخرى انتهت بعقود صلح أخرى.

 إعلام

معد برامج إذاعية

 شارك عبد الله بن ذيبان في تقديم وإعداد برامج إذاعية منذ قيام الاتحاد وقبله، حيث شارك مع الشاعر علي بن رحمة الشامسي في برنامج "أحضان البادية" الذي بدأ بثه منذ أن استلم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي مقاليد حكم إمارة الشارقة في بداية السبعينات.

وفي عام 1991 أصبح الشاعر ملازماً للجلسة الشعبية التي تقدمها إذاعة دبي والتي كانت من إعداد وتقديم الشاعر الإماراتي راشد شرار إضافة إلى المجلس الشعري الذي استمر بثه حتى عام 2002 على شاشة تلفزيون دبي.

كما يؤكد يؤكد بن ذيبان أن الاستعداد لمناسبة "حق الليلة" التي تصادف منتصف شهر شعبان اختلفت عما عهدوه في السابق، حيث كان التأهب والاستعداد يسبق الحدث عاماً كاملاً لترى الأطفال على أبواب المنازل ينشدون ويغنون ممسكين بالخرائط "الأكياس" بيدهم لا يخجلون من التنقل من منزل لآخر لأنها عادة لا تستدعي الإحراج، مؤكداً أنه حالياً تكاد تختفي هذه العادة تماماً من المجتمع الإماراتي، ومشدداً على ضرورة دعوة الأهالي إلى إحيائها والتمسك بالصور الجميلة القديمة التي تعكس ملامح المجتمع الإماراتي قديماً.

 شعر

لقاء قلب الأمة

 امتلك الشاعر عبدالله بن ذيبان موهبة التعبير عن قصائده بأسلوب الإلقاء وبالصوت، وأوضح في حديثه: كنت أنشر شهرياً عبر محلات بيع الشرائط الغنائية "شلّات" تتضمن القصائد التي أكتبها، وفي طليعة كل شهر كان يستمع لتلك الشلّات الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله.

وتابع: غنّى بعض الفنانين الإماراتيين قصائدي، وكان أولهم الفنان سعيد سالم رحمه الله، وبعدها التقيت بالفنان الإماراتي ميحد حمد الذي جمعتني به قصائد كثيرة مغناة، ولا يفوتني ذلك الموقف الذي مررت به وجمعني بالشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، عندما استدعينا إلى حفل زفاف أقيم بمدينة ليوا في أبوظبي عام 1985 على ضيافة ممثل الحاكم في المنطقة الغربية، فسألني الشيخ زايد عن إحدى القصائد وأجبته بأنها تصف جمالية مدينة زايد، واستمع إلى قصائدي في تلك الليلة رحمه الله ونالت إعجابه وشجعني على الاستمرار في الكتابة، كما التقيت في العام نفسه بالشاعر الكبير مانع سعيد العتيبة، الذي رافقته خلال رحلات صيد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله إلى المغرب.