ثمة صدفة، تقلب التاريخ، وتغير مسارات الأحداث، فإذا بمن كان يريد أن يتجه إلى أقصى الغرب، ينقلب على عقبيه، ويولي شطر أقصى الشرق.
ثمة قرار يتخذه المرؤ، ويرى فيه خيراً كثيراً، فتوجه الأقدار دفته، إلى درب مغاير، فيمضي فيه مُسيّراً لا مخيراً، وكلما أمعن في رحلته، يكتشف آفاقاً لم تخطر على باله، ويكتشف كنوزاً في أعماق روحه، لم يكن يحسب أنها تستقر فيها.
هكذا كانت حياة الإعلامي القدير، علي عبيد، فالرجل لم يكن طامحاً في أن يحترف الإعلام، ويبرع في مختلف مجالاته، ويتنقل ما بين المقروء والمكتوب وأيضاً التدريب الأكاديمي، برشاقة نحلة تفيض رحيقاً، غير أن الأقدار وضعته على الدرب، فسلّم لها، تاركاً أشرعته للريح توجهها حسبما تريد.
رحلته لم تنته بعد، وقد بدأها في سن مبكر، فكان من الرعيل الأول الذين وضعوا لبنات الإعلام التلفزيوني في الإمارات، وذاكرته حول هذه المرحلة مازالت طازجة، وهو في هذا الحوار، يلقي الضوء على محطات من حياته، يختلط فيها الحديث عن الإعلام بالحديث عن الذات، ولا عجب، فنحن إزاء رجل، لم ينفصل عن الإعلام الإماراتي، منذ بداياته، حتى اللحظة الراهنة.
يقول علي عبيد: بدأت رحلتي مع الكتابة منذ طفولتي المبكرة، ففي سن مبكر جداً، استهوتني قراءة الروايات، وأقبلت على روائع الأدب العالمي، وقبل أن أتجاوز عتبات هذه الطفولة، كنت قد اطلعت على معظم أعمال ماكسيم جوركي، وأرنست هيمنجواي، ونجيب محفوظ، ومصطفى المنفلوطي، وغيرهم.
وإلى جانب الروايات، قرأت معظم الشعر الجاهلي، واستحوذ الشعر العباسي على فؤادي، وصولاً إلى شعر أحمد شوقي وحافظ ابراهيم والجواهري وشعراء المهجر والشابي.
سير الفرسان
وإنني أذكر أن أول كتاب قرأته في حياتي، كان السيرة الهلالية، وكنت في نحو العاشرة من العمر، وقد انبهرت بما جاء فيها من أحداث، وصادقت شخصياتها البطولية، التي كانت تتراءى في أحلامي الطفولية، كما أذكر أن أول كتاب اشتريته من مصروفي الخاص، كان سيرة عنترة، ويبدو أني كنت شغوفاً بسير الفرسان والنبلاء ومازلت.
تزامن اهتمامي بالقراءة، في منتصف الستينيات تحديداً، بالتعلق الشديد بالمذياع، وكانت إذاعة صوت العرب آنذاك، بمثابة القاطرة التي تسحب الأمة إلى الأمام، عبر إذكاء جذوة المد العروبي القومي، فضلاً عن إذاعتي الكويت ولندن، اللتين كانتا نافذتين واسعتين مفتوحتين على العالم.
ويضيف: هذا العناصر تضافرت وانصهرت فشكلت ذائقتي اللغوية والأدبية والإعلامية، ومن ثم بدأت خطوتي الأولى في مسيرة مهنية طويلة مع الإعلام، قطعتها محترفاً لم ينس يوماً أنه يهوى ما يحترفه.
وكانت تصدر آنذاك مجلة تسمى: أخبار دبي، وهي أول مطبوعة صدرت إسبوعياً بشكل منتظم في تاريخ دولة الإمارات، عن دائرة الإعلام في دائرة بلدية دبي، وهذه المطبوعة كانت الحاضنة التي احتوت جيلاً كاملاً من أدباء الإمارات وأعلام الصحافة، مثل: عبد الحميد أحمد والشاعر حمد بوشهاب وشهاب غانم وغيرهم الكثيرون.
وقبل النصف الأول من السبعينيات، اجتمعت ومجموعة من المهتمين، وقررنا إصدار مجلة: الأهلي وإصدارها عن النادي الأهلي في دبي، وكانت ذات توجه اجتماعي وأدبي، وتوليت رغم أن عمري لم يزد عن ستة عشر عاماً، مسؤولية سكرتارية التحرير في المطبوعة الناشئة، فكنت أقرأ كل المقالات وأدقق الأخطاء، وأصحح الصياغة حينما تكون مضطربة، وكنت أخرج من المدرسة يومياً إلى المجلة أو إلى المطبعة، ذلك على الرغم من أني لم أكن اتقاضى مقابلاً، وإنما حباً فيما أمارسه.
ويقول: في ذاك الوقت، لم يكن أبناء جيلي يتمتعون بما يتمتع به أبناء اليوم من مستحدثات تجعل عملية التعبير عن ذواتهم بسيطة، فلا مواقع تواصل اجتماعي، ولا مدونات، ولا صحف منتظمة، ومن ثم كانت هذه المجلات منفذهم الوحيد.
مكاسب وخسائر
ويتابع علي عبيد حديثه قائلاً: ما من شك في أن الإمكانيات التي أتاحتها وسائط تكنولوجيا الاتصال الحديثة، قد منحت الجيل الناشئ الكثير من الحرية، لنشر وبث كل ما يعتمل في أفئدتهم، غير أن الأمر لم يخلُ من بعض السلبيات، ففي المجلات كانت النصوص تخضع لغربلة وتصفية، وتحظى بتدقيق لغوي وبتقويم للصياغة ، أما المدونات وغيرها فلا تراعي هذه الشروط، ومن ثم أصبح معظم ما فيها، ينتهك قواعد اللغة، ويخرق قواعد الذوق الإعلامي والأدبي.
ولو نظرنا إلى هذه السلبية، وأضفنا إليها مشكلة تدني مستوى الاهتمام بتعليم اللغة العربية في المدارس الحكومية والخاصة، ليس في الإمارات فقط، وإنما في الوطن العربي بأسره، لاكتشفنا بأننا إزاء كارثة محدقة تتطلب خطة طوارئ، وأن يشمر القائمون على التعليم العربي عن سواعدهم لمواجهتها.
ويضيف: كغيري من البشر، أتابع المواقع الإلكترونية، وإنني أصاب بالحزن الشديد، حينما أرى مواقع رصينة مرموقة، لا تراعي قواعد الحفاظ على اللغة، ولا تحترم النحو والصرف، وكثيراً ما أتساءل: إلى أين نسير؟
وهل سيأتي يوم نجد فيه العربية لغة منقرضة بائدة بسبب إهمالنا لها وتعدينا عليها؟
صحيح، إن القرآن الكريم سيحفظ اللغة، ولكن هذا وحده لا ولن يكفي، فنحن في حاجة إلى خطة طوارئ لنضمن ألا تصبح لغة الضاد لغة دينية تستخدم فقط لتأدية الشعائر.
ويعود علي عبيد مجدداً إلى الحديث عن سيرته الذاتية، حيث ينتقل إلى بداياته مع التلفزيون فيقول: في عام 1974 خطوت الخطوة الاولى على درب الإعلام المرئي، فمن خلال عملي في المجلة، أصبحت معروفاً ومن ثم أتيحت لي فرصة الالتحاق بالعمل في تلفزيون دبي، مذيعاً وقارئ نشرة أخبار.
كلمة القدر
ومثلما كان دخولي مجال الصحافة المكتوبة صدفة، كان دخولي مجال الإعلام التلفزيوني صدفة وكانت الصدفة خيراً من ألف ميعاد. كنت ضيفاً على برنامج: آداب وفنون وكان يعده ويقدمه المرحوم الدكتور نجيب الكيلاني، وكان موضوع الحلقة هو القصة القصيرة في الإمارات، وكنت قد بدأت نشر أعمالي المبكرة، على الرغم من أن عمري كان أقل من ثمانية عشر عاماً.
خلال الحلقة، تطرق الحديث إلى رواية: شاهنده لمعالي راشد عبد الله، وزير الخارجية الأسبق، وهي أول رواية إماراتية، ولما خرجت من الاستوديو، فوجئت بسكرتير مدير التلفزيون المرحوم حبيب الرضا، يخبرني بأن المدير يرغب في رؤيتي، ومن ثم تلقيت عرض العمل في التلفزيون.
ويقول: تخوفت من التجربة الجديدة، ولكني كنت كالمسير لا كالمخير، وأجريت الاختبارات، ثم أبلغت القائمين على إدارة التلفزيون بأني بصدد التقدم لامتحانات نهاية العام الدراسي، فأمهلوني الوقت المناسب، وبدأت فيما بعد العمل، وكنت أتقاضى شهرياً مكافأة قيمتها خمسمائة درهم، وهذا مبلغ كبير بالنسبة لشاب صغير ليس ذا مسؤوليات.
في ذاك الوقت، كنت قد عقدت النية على أن أعتذر عن العمل مع نهاية فصل الصيف، فالأمر مازال سعياً لشغل وقت الفراغ، وكنت أقول لنفسي: ما هي إلا ثلاثة أشهر، غير أن هذا الفترة امتدت، لتصل إلى ثلاثة وعشرين عاماً.
ويتناول علي عبيد مرحلة دراسته الجامعية قائلاً: مثلما وجهتني الأقدار إلى العمل في التلفزيون، وجهتني إلى دراسة الإعلام، فقد كنت أرغب في دراسة الأدب الإنجليزي، وتقدمت إلى وزارة التعليم العالي بأوراقي، فتلقيت الرد بأني سأدرس في الأردن، فرفضت لأني كنت أرغب في الدراسة بالقاهرة، مما أدى إلى أن يضيع وقت طويل، ولما ذهبت إلى القاهرة، لم أجد شاغراً في جامعة القاهرة، فاقترحت علي الملحقية في سفارتنا أن أدرس الإعلام في جامعة الأزهر، وذلك لتوفر شواغر هذا من جهة، ومن جهة ثانية لأني ذو خبرة في المجال.
وهكذا قالت الأقدار كلمتها، ووجدت نفسي سائراً ومسيراً على نفس الدرب الذي اختارته لي الأقدار.
ويواصل حديثه قائلاً: عشت في القاهرة في منتصف السبعينيات، واصطدمت بالتيارات الفكرية والأدبية التي كانت تفور آنذاك في أعقاب حرب السادس من أكتوبر، ولما رجعت إلى الوطن، كان تلفزيون دبي قد أغلق وتم نقل الطاقم إلى تلفزيون أبوظبي، ومن ثم بدأت مرحلة جديدة مع تلفزيون أبوظبي، تنقلت فيها من منصب رئيس قسم الأخبار، وقدمت نشرة الأخبار، وقدمت برامج سياسية، وأجريت حواراً مع عدد كبير من الساسة، وتوليت منصب نائب مدير عام التلفزيون، بعد ستة أشهر من العمل، ثم توليت منصب المدير العام.
وعلى الرغم من مسؤوليات عملي الإداري، كنت أحرص دائماً على أن أمارس المهنة، حتى لا تصاب موهبتي بالصدأ، وهذه نصيحة أتوجه بها لكل إعلامي، فالاكتفاء بالعمل الإداري يجفف منابع الموهبة في الأعماق، والموهبة أهم من المنصب لأن التقاعد سيأتي ذات يوم، عن العمل الإداري، ولكن أصحاب القلم والفكر لا يتقاعدون.
عـودة
ويضيف: تركت التلفزيون سنة 1998، وامتنعت عن العمل لفترة حوالي عام، حتى عدت أدراجي إلى الإعلام المقروء، عبر تأسيس مركز التدريب في البيان، ومع تأسيس المركز، عدت لكتابة المقال، واكتشفت حينئذٍ أني حرمت لفترة طويلة من واحدة من أجمل وأحلى متع حياتي.
كان شعوري بعد العودة إلى الإعلام المقروء بعد حوالي ربع قرن من الانقطاع، أشبه ما يكون بعودة عاشق أضناه الفراق إلى حبه الأول، واكتشفت أني نقلت فؤادي ما بين أكثر من عشق، غير أن حبي بقي لهذا الحبيب.
وخلال عملي في البيان، توليت رئاسة الأقسام الثقافية والدراسات وملحق مدارات، وكتبت إسبوعياً ومازالت، منذ ما يزيد عن عقد من الزمان، حتى صدر قرار بأن أتولى وظيفة مدير مركز الأخبار في تلفزيون دبي نهاية العام الماضي، وهكذا تنقلت بين المرئي والمكتوب ومنهما، تنقلاً قدرياً، لا أنكر أنه أثرى قدراتي وساهم في صقل تجربتي.
بين شـوقين
يتولى مركز الأخبار مهمة الإشراف على وإعداد كل المواد الإخبارية التي تبث على القنوات التلفزيونية التابعة لمؤسسة دبي للإعلام.
وحينما عدت إلى التلفزيون، شعرت بسعادة غريبة، فقد كنت مشتاقاً إلى التلفزيون، وأحسست آنذاك بأني أعود إلى بيتي، وهذا أمر غريب، فأنا لا أعرف حقاً أي مجال أحبه اكثر، ولكني أحب المجالين، وحينما انقطع عن واحد منهما، أشعر بالحنين إليه، فحالي أشبه بمن يتأرجح بين شوقين.
هذه تجربة ثرية، وخبرة قلما تتيحها الأقدار لإعلامي، وحينما أنظر لتاريخي مع الإعلام، سواء في بلاط صاحبة الجلالة أو مع الشاشة، أشعر بأن الأقدار وقفت إلى جواري، في كل المراحل والمواقف.
مفارقات
«آداب وأدباء» أثراني مهنياً
من مفارقات القدر أنني دخلت التلفزيون ضيفاً على برنامج: آداب وفنون، وبعد فترة، أصبحت أقدم البرنامج، نظراً لاعتذار مذيعه، ولما وجد المسؤولون في التلفزيون، أني ذو اهتمام بالآداب عموماً، قرروا اسناد البرنامج لي.
وكان تقديم برنامج: آداب وفنون، يثريني على المستويين الأدبي والإعلامي، فقد كنت أنفق وقتاً طويلاً في التحضير له، مما كان يضطرني إلى الإطلاع ساعات طويلة، حتى أستطيع أن ادير دفة الحوار في الموضوع الذي يتحدد للبرنامج على النحو الأفضل.
وحينما أنهيت دراستي، كنت أطمح إلى الالتحاق بالعمل في وزارة الخارجية، فتقدمت بأوراقي وتم قبولها، ثم التقيت بوكيل الوزارة عبد الرحمن الجروان، وكان عضواً في مجلس الخدمة المدنية.
رفض الرجل تعييني معتبراً أن عملي في أي مجال غير الإعلام، في ظل نقص الكادر المواطن، يعد جريمة كبرى، وهكذا وجهتني الأقدار إلى الإعلام عكس رغبتي.
وحينما التحقت بوزارة الإعلام كنت أرغب في العمل في وكالة أنباء الإمارات، ولكن المسؤولين أقنعوني بالالتحاق بالتلفزيون لما لدي من خبرة سابقة في المجال، وتوليت رئاسة قسم الأخبار اعتبارا من إبريل سنة 1980، وبعد ستة أشهر تقرر تعييني نائب مدير عام في التلفزيون، من دون أن أتجاوز سن الواحدة والعشرين.
تـاريخ
حوار مع حسني مبارك
شرفت بأني كنت أرافق المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، في زياراته الرسمية لمختلف بلدان العالم، وكان أهم زيارة أرافقه فيها زيارته إلى القاهرة سنة 1988 بعد عودة العلاقات مع مصر في أعقاب القطيعة بسبب كامب ديفيد.
قبيل زيارة المغفور له، توجهت إلى القاهرة، لإجراء حوار مع الرئيس السابق محمد حسني مبارك، وأجريت حواراً لمدة ساعة وتم بثه في تلفزيوني أبوظبي والمصري.
كان الشيخ زايد يرحمه الله، أول رئيس عربي يزور مصر بعد عودة العلاقات، وكان الاستقبال الشعبي له كبيرا وحاشداً، فالمصريون كانوا في قمة الفرح بالرجل، وكان يرحمه الله سعيداً جداً، بوجوده على أرض مصر التي كان يحبها من أعماق قلبه.
كما رافقت الشيخ زايد بعدئذ بعام لدى زيارته للملكة المتحدة، وأجريت خلالها عدداً مهماً من الحوارات مع وزراء ومسؤولين في الحكومة البريطانية.
ومما أفخر به أيضاً، أنني كنت أول مذيع يغطي أول قمة خليجية سنة 1981 حينما استضافتها أبوظبي، وكذلك قمت بتغطية كل القمم العربية على مدى أكثر من عشرين عاماً.
مـتابعة
زيارة مفاجئة للشيخ زايد
كان المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، يتابع برامج التلفزيون بعين ناقد، وتقرر أن يقدم تلفزيون أبوظبي برنامجاً عن التراث المحلي، وهذا مأزق كبير، فالرجل مرجع من مراجع التراث، وواحد من أهم خبرائه.
وتقرر أن يكون البرنامج قائماً على المسابقات المعتمدة على المهارات الحركية، على غرار تيلي ماتش الألماني، واسمه: مسابقات في تراث الإمارات، وأقيمت قرية تراثية على كاسر الأمواج في أبوظبي، لتكون موقع التصوير في بداية التسعينيات.
وعلى الرغم من إعجابي بفكرة البرنامج، إلا أنني كنت أخشى حدوث أي خلل، أو تقديم معلومة غير دقيقة، فترصدها عينا الشيخ زايد الناقدة، ولكني في النهاية قررت المضي قدماً وتنفيذ البرنامج.
وتم بث الحلقة الأولى، في غرة رمضان، ومرت الأمور بسلام، لمدة أربعة أيام، وفي اليوم الخامس فوجئت بالراحل الكبير في موقع التصوير بنفسه، وذلك للإشادة بالعمل، وكانت هذه الزيارة وساماً على صدري، وتبددت كل المخاوف.