يؤمن المهندس جمال زعل بن كريشان، نائب رئيس عمليات الساحة وحركة الطائرات، في مؤسسة مطارات دبي، بأن الموظف المتميز، ليس هو الذي يؤدي واجبات عمله كما يُطلب منه، وإنما عليه دائماً أن يسعى للابتكار والتجديد، وعليه أن يتحلى بروح الإبداع التي تتمثل أهم مقوماتها، في الخروج عن المألوف.

تخرج في كليات التقنية العليا سنة 1993، فرفض الوظائف التقليدية، منطلقاً من اقتناعه بأنه شخص قادر على الخروج من النمطية والتكرار، ولما التحق بعمله في مطار دبي، شعر بأنه الرجل المناسب في المكان المناسب، سرعان ما فكر في مبادرات أسهمت في استحداث تطبيقات عملية ساهمت في الارتقاء بالتصنيف العالمي لمطار دبي الدولي، مما أدى إلى أن نال على إثرها تكريماً يليق بإنجازه.

وقد حصل على جائزة الموظف الحكومي المتميز، ضمن جوائز برنامج دبي للأداء الحكومي المتميز لعام 2010، وحظي بمصافحة ومباركة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله.

ومن هذا التكريم، يبدأ الحوار متنقلاً بين العام والخاص، ومنطلقاً من سؤال ألا وهو: كيف كان وقع هذا التكريم عليك؟

أهم من التكريم، هو التكريم خلال التكريم، وقد كانت هذه اللحظات هي أجمل حصاد وتقدير لما بذلته من مجهودات مخلصة، لم أبتغ من ورائها إلا إرضاء ضميري.

قبيل التكريم، كرمني سمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي، بكلمات مازال وقعها يتردد في أعماقي، إذ دعاني سموه إلى الصعود للمنصة بعدما قال عني: «موظف قد لا تعرفونه، فهو ليس مديراً عاماً ولا مسؤولاً كبيراً.. موظف حكومي متميز، لديه بصمات أثّرت بشكل إيجابي في العمل، حتى أصبح مثالاً يُحتذى».

هذه الكلمات أشاعت في أعماقي أسمى معاني الامتنان، لهذا القائد الاستثنائي، الذي لا تعنيه المكانة الوظيفية التي يرتقيها الموظف، بقدر ما يعنيه أن يكون هذا الموظف، مخلصاً في عمله متفانياً.

بعدما رجعت إلى البيت، أخذت أفكر وأسأل نفسي: هل كنت أحسب أنني سأحظى ذات يوم بهذا الشرف الرفيع؟

ما أروع وأحكم قيادتنا التي تحنو على أبناء الوطن، وتشد على يدي كل صاحب إنجاز، وكل من يتفانى بإخلاص من أجل إعلاء وطنه ورفعة شأنه.

وخلال التفكير، رنت في أعماقي عبارة: إن معجزة دبي تحققت بالإخلاص.

وهلا شرحت هذه العبارة بشيء من التفصيل؟

القيادة الناجحة في تصوري هي التي تهتم بشحذ طاقات وقدرات المبدعين من أبناء الوطن، وهي التي تؤمن بأن المخلصين وحدهم يقدرون على العطاء ودفع عجلة التنمية، وهي التي تدرك أن الإخلاص حينما يقترن بالإبداع يحققان معا معجزة.. وهكذا كانت دبي ومازالت.

قيادة مؤمنة بالمبدعين والمخلصين وبالأفكار الجديدة، وتهتم بإطلاق الطاقات، وبأن قيمة العمل لا تعلو فوقها قيمة أخرى.

العائلة والوالدة

لو انتقلنا للحديث عن حياتك الاجتماعية والأسرية، خلال الشهر الفضيل، فكيف تصفها؟

أسكن منطقة مزهر في دبي، وأفضل قضاء معظم وقتي الرمضاني في ربوع العائلة وبالقرب من الوالدة، ولا أهوى الخروج من أجواء الأسرة.

وأكثر ما أحب تناوله على مائدة الإفطار هو التمر والخضار والشوربة، وأكره الإسراف عموماً في الطعام والشراب تحديداً، ولست أكولاً ولا أحب الموائد حينما تزدحم أكثر مما ينبغي، بعبارة أخرى، أميل إلى البساطة والزهد نوعا ما.

وعلى الرغم من ذلك، إلا أنني دائما ما أطلب من زوجتي إعداد الوجبات الإماراتية الشعبية خلال رمضان، فهي تشعرني بعبق الماضي وأصالته، وذلك على الرغم من أنني قلما أقبل عليها، حيث لا أفضل الوجبات الدسمة بصفة عامة.

فالشهر الفضيل بالنسبة لي ليس فترة زمنية للإسراف في الطعام والشراب، وإنما هو مناسبة دينية واجتماعية تقود إلى المراجعة الإيمانية وتنقية الشخصية، وأكره أن يحوله البعض إلى شهر للكسل والخمول واللامبالاة.

أما بالنسبة للسهر، فإنني أبتعد عنه، وحينما أسهر فإنني لا أتجاوز منتصف الليل خلال رمضان، وبعد التراويح أحرص على زيارة الأقارب والأصدقاء، حيث أنسجم أكثر في حالة التقارب التي يحرص عليها أشقاؤه، لا سيما في حضرة الأم التي تحظى بكل الحب من جميع أفراد العائلة.

أمانة وإخلاص

وماذا عن العلاقة مع الأبناء، هل تقوم على الشدة والحزم، أم على مبادئ التربية الحديثة؟

أرفض فكرة العنف عموماً في تربية النشء، وأعتقد أن العقاب البدني قد أصبح شيئاً من الماضي، وعلاقتي بأبنائي تقوم على الصداقة والود وأيضا على ضرورة أن يفهموا أن ثمة حدودا ليس عليهم تخطيها.

ولعل أجمل وأسعد أوقاتي هي تلك التي أقضيها معهم، فالإنسان الناجح هو الذي يخصص وقتا لعمله، ووقتا لحياته الاجتماعية، وإن قصر الأب في واجباته الاجتماعية، فإن أي نجاح وظيفي لا يعوضه عن ذلك.

وطالما أن الحديث عن أبنائي، فإنني أرى أن علي ألا أشيد بالدور الكبير الذي قدمته لي زوجتي وشريكة حياتي، اعترافا وامتنانا بفضلها الكبير وبما أسدته لي من مؤازرة ودعم، خصوصا طوال فترة انشغالي بالسفر والعمل، بحكم مهامي الوظيفية المختلفة، هذا على الرغم من أنها حاصلة على بكالوريوس في التدقيق المالي بدرجة الامتياز.

فقد تنازلت هذه الزوجة المعطاءة عن طموحاتها المهنية واختزلت سعادتها وفرحها في أسرتها وفي نجاحي المهني، لذلك فإنني أهدي لها نجاحي.

لكن ألم تشعر زوجتك بالضيق والضجر من عدم خروجها للعمل، خصوصا في بداية الأمر؟

حينما اختارت زوجتي الجلوس في البيت والتفرغ لتربية الأطفال، بدأت تتجه إلى القراءة في كتاب الله وفي سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، واهتمت بحفظ القرآن الكريم، حتى أسبغ الله عليها نعمته وحفظته كاملاً، كما اهتمت بأن يحفظ أبنائي القرآن، حتى إن ابني الأكبر يحفظ الآن خمسة أجزاء من كتاب الله، وهو دون العاشرة من العمر.

لقد آمنت أن دور المرأة الحقيقي والأهم يكمن في تربية النشء والنهوض بأعباء بيتها، ولما شعرت بأنها لا تستطيع التوفيق بين الدورين، اختارت الأسرة وكان هذا الخيار بمحض وكامل إرادتها.

دور الأسرة

لو قارنت الأساليب التي تتبعها وزوجتك في تنشئة أبنائك بالتي كان والداك يتبعانها معك، فماذا تقول؟

لا أجد الكثير من الاختلافات من حيث الجوهر، فوالدي رحمة الله عليه، كان رجلا مستنيرا متفتح الذهن، وقد كان يحرص دائما على أن يوصيني بالعلم، وحينما توفي وأنا في المرحلة الثانوية، أقسمت أن أحرص على وصيته قدر جهدي، وها أنا اليوم أوصي أبنائي بنفس الوصية.

أنا أؤمن بأن الإنسان يتعلم في الأسرة ويكتسب معارف وقيما وأخلاقيات، ليس من الممكن أن يحصل عليها في أي مكان آخر، والوالد الصالح يجب أن يكون قدوة لأبنائه، وإني الآن حينما أتذكر والدي حينما كان، يرافقني كل يوم إلى المدرسة ليتأكد أين سيجلس ولده، وكيف يتعامل مع المعلمين، وما هي نتيجته في الامتحانات؟ أشعر بأن علي أن أسير على نفس النهج مع أبنائي.

وإلى جانب والدي الحريص، كان حنان الأم متدفقا فياضا، وهو حنان لم يكن مقترنا بتساهل وتراخ يؤديان إلى نشأة غير مسؤولة، حيث أخذت هذه الأم على عاتقها مهمة تنفيذ وصية الأب بعد وفاته، وحرصت على أن يكون التعليم والدراسة للأبناء والأحفاد معاً، حتى حصل جميع أبنائها الأولاد والبنات، على شهادات جامعية بحد أدنى.

وفضلاً عن غرس قيمة العلم، فإنني أرى بأني اكتسبت من أسرتي الكثير من القيم الحميدة، وعلى رأسها: الابتعاد عن سفاسف الأمور، وترسيخ قيمة الرجولة منذ الصغر، والمحافظة على دفء العائلة، والتقرب من الوالدة التي أصرت على إبقاء الأبناء في محيط متماسك، يفطرون سوياً ويجلسون معاً، ويتشاركون شعائر رمضان الدينية والاجتماعية بروح متجددة كل عام.

ذكريات رمضان

لو عدنا للحديث عن شهر رمضان، فما أبرز الذكريات التي تحتفظ بها ذاكرتك من رمضان الطفولة والمراهقة؟

كانت الملامح الأسرية والاجتماعية قبل عقود قليلة أكثر قوة وثباتاً منها في هذه الأيام، كما أن طقوس رمضان الإيمانية كانت أفضل في السابق، خلافاً لما هو الواقع في الوقت الحالي، حيث يبدو كل شيء مستورداً، وأنا أستغرب حالياً من فكرة تزاحم الجمهور على الجمعيات والمراكز التجارية وهم مصابون بحمى الاستهلاك، فيشترون من دون توقف ويقتنون سلعاً لا حاجة لهم بها، وهذا أمر يخالف روح رمضان ويتعارض مع قيمه التي تحث على الاقتصاد والزهد.

ومما أفتقده في رمضان الآن، هو تآلف الجيران، وحرصهم على أن يتقاسموا بهجته، وقد كان الجار كالأخ، أو كفرد من العائلة، يعيش في بيت جاره، أما اليوم وللأسف يعيش الناس في جزر معزولة، فالعلاقات اقتصرت على الاتصالات الهاتفية والرسائل النصية، والأسوأ من ذلك أن الكثير من الجيران يعيشون اليوم متجاورين ولا يلقون على بعضهم بعضا التحية، وحينما يبادر أحدهم إلى تنفيذ وصايا الرسول بتعزيز الروابط بين الجيران، أو يقدم على زيارة جاره، فإن الريبة والتوجس والقلق تسيطر على هذا الجار، فتعقيدات العصر أبقت «الجيرة في حيرة».

انفراد

روح المغامرة تصنع القرارات

ينفرد المهندس جمال بن كريشان بخيار مهني ميّزه عن بقية أشقائه، فهو الوحيد من بينهم الذي لم يدخل السلك الشرطي، بل إن مجرد التفكير في الدخول إلى هذا المجال لم يزر خياله، وظل منذ الصغر يطمح إلى وظيفة أخرى، معتبراً أن عليه دائما أن يتحلى بروح المغامرة في كل قراراته.

بدأ عمله في ورش الطيران في الخارج، مرتدياً «أفرهول» العمل اليدوي، وإلى اليوم لا يزال جمال محتفظاً بموقعه الوظيفي خلف أعين المسافرين، في تنظيم وتأمين حركة الطائرات في المدرجات.

جمال الذي يريد لأبنائه تخصصات تنفع وطنهم، لا يطلب منهم في المقابل السير على نهجه المغامر والجريء، كيف لا؟ وهو الذي مثل الإمارات في إحدى المنظمات الدولية الخيرية، متطوعاً في أعمال داخل أفريقيا في العام 1991، حيث أمضى ثلاثة شهور كاملة منفصلاً عن محيطه العائلي، ولم يكن بإمكانه مجرد الاتصال بهم لعدم وجود أية وسيلة اتصال آنذاك، وهو ما أبقى العائلة في حالة قلق وخوف، وبقي الأمر كذلك حتى عاد إلى دبي بعد انتهاء مهمته التطوعية والخيرية.

انسجام

المسلم قدوة في عمله

العمل في رمضان قد يكون متعباً وشاقاً، لا سيما في بعض المجالات التي تتطلب جهداً بدنياً أو ميدانياً، وهو ما يشعر به المهندس جمال بن كريشان في بعض الأحيان، حيث يؤكد أنه يشعر دائما بأن الله منحه ما يسميه بنعمة حب العمل، وهي نعمة كبيرة، تشعره بأن كل الأعباء مهما كبرت تبقى في النهاية بسيطة.

ويقول: لا يجب أن ننسى أن الثواب والأجر يكونان على حجم المشقة، معتبراً أن للعمل في رمضان داخل الإمارات سمات إيجابية ومحفزة، فمع وجود جنسيات غير مسلمة، ينبغي على المسلم أن يظل قدوة في سائر شؤون حياته، وفي عمله على وجه التحديد، عسى أن يكون ذلك سبباً في هداية آخرين، ولا أن يكون خاملاً في موقعه الوظيفي فيترك نظرة سلبية عند غير المسلمين، فرمضان شهر زيادة الطاعات، ومن الطاعات الالتزام بالعمل والقول.