كان درسه الكبير، منذ رحلته البحرية الأولى، «الكبير فقط هو من يستطيع أن يكون دوماً في خدمة الآخرين، وذا فائدة لهم، وليس الكبير بالحجم فقط»، ومضت به دروب الحياة حاملاً في قلبه عشق الوطن والناس، صارع أمواجاً كبيرة، ولم تنجح سنوات العمر الطويلة في دفعه نحو الظلال، بل زادته لمعاناً وإشراقاً، وعندما يقف أمام البحر بعد مضي هذه السنين، يلمح البعض على شفتيه ملامح ابتسامة تعقب تمتمات لا يسمعها أحد.
يرتعش البحر قليلاً بموجات ناعمة بعد حوار مع اللواء سالم عبيد الحصان الشامسي، رئيس المجلس البلدي لمدينة الشارقة.
ربما كان يحكي للبحر عن هموم طارئة وربما كان يخبره عن تفاصيل حياته التي امتدت طويلاً بما حملته من إنجازات. رغم أنه بدأ حياته العملية رجلاً عسكرياً، مع ما تقتضيه هذه المهمة من الحزم الذي كان أبرز سماته، إلا أنه لم يتخل عن ابتسامته الأخوية والأبوية الحانية التي جعلت مرؤوسيه يقبلون عليه دون وجل، وتنفيذ أوامره العسكرية بروح طيبة. إن الحديث عن ضيف صفحتنا اليوم هو حديث عن شخصية وطنية مرموقة كان لها دور مميز في نهضة وبناء الدولة.
أبناء الرعيل الأول في الإمارات تخضرموا في فترتي ما قبل إعلان الاتحاد بين الإمارات السبع وما بعده، ومرحلة اكتشاف النفط. عملوا وتدرجوا إلى أن حققوا الطموح أو بعضاً منه. ومهما اختلفت مهنهم وظروفهم فإن قاسماً مشتركاً يجمعهم.
هو الحنين إلى الأيام الماضية. بهذه الكلمات بدأ اللواء سالم الشامسي، رئيس المجلس البلدي في مدينة الشارقة، حديثه، مضيفاً: نحن شهود على مرحلة مهمة من تاريخ دولتنا الحبيبة، ولنا شرف بدء حياتنا مع نمو شجرة الاتحاد لنكون بذلك ممن اسهموا في غرس ورعاية هذه النبتة التي ثبت جذورها والدنا الغالي الذي نستلهم من سيرة حياته الزاخرة بالإنجازات المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، وسيبقى حياً خالداً في قلوب أبناء وأجيال هذا الوطن بخلود ما قدمه له من عطاء فكري وإنساني أشعل في نفوس أبنائه حب العلم والمعرفة والاعتزاز بالوطن.
ولد الشامسي في امارة الشارقة في عام 1953 لأسرة تعيش قبالة البحر وتقتات على ما يجود به عليها، فكان لهذه الاجواء تأثيرها على تكوين ونشأة شخصيته، فأخذ من الصيادين صبرهم وجلدهم وقوة تحملهم للظروف المناخية الصعبة وفوق كل هذا تشرب معنى التلاحم الاسري والترابط بين أبناء الفريج الواحد. درس المرحلة الابتدائية في مدرسة القاسمية.
وهي اول مدرسة تأسست بإمارة الشارقة في ذلك الوقت، مشيرا الى ان حبهم للعلم ونهلهم من معينه كان سمة لأبناء هذه المرحلة ومنهم زملاء لا تزال تربطه بهم علاقات الصداقة كالدكتور محمد خليفة المعلا وحمد العويس مدير الجنسية والإقامة السابق في الشارقة، مؤكدا ان المعلم كان له هيبته وحضوره الذي يغطي جوانب تتعدى عمله داخل الحرم المدرسي، فيما يرى ان اختلافا جذريا في شكل ودور المدرسة الحالي، قائلاً: ان المقارنة صعبة.
ولا ننكر ان تطوراً اعترى جوانب الحياة وعلينا مواكبته بصورة واعية ونحن امام جيل له قناعاته وفكره الخاص الذي تأثر بالتقنيات وبالانفتاح على العالم، متابعاً: المطلوب ألا نقف امام عجلة التطور، بل ان نجاريها لا أن نذوب فيها، وان يبقى أبناؤنا يسيرون وفق قاعدة من الثوابت والاخلاق التي تربينا عليها.
بعثة السودان
ابتعث الشامسي الى السودان الشقيق وكان ضمن اول دفعة تبتعث من قبل وزارة الداخلية، وقال: كان معي معالي صقر غباش وزير العمل الحالي، وقد كنا 10 اشخاص، 5 منهم التحقوا بكلية مصلحة السجون ومثلهم في كلية الشرطة، وقد كنت من الملتحقين بكلية الشرطة عام 1973، وشهادة حق تقال إن دراستنا في السودان كانت مجانية، بل وكنا نتقاضى راتباً شهرياً، وهذا جزء من التلاحم العربي والاحساس الاخوي الذي يسود بين ابناء الامة الواحدة.
كوادر مواطنة
المعاناة في تلك الفترة، بحسب الشامسي، ان الشرطة كانت في اوائل السبعينات تواجه شحاً في العناصر المواطنة، وكان ابتعاث ابناء الوطن معضلة سببها إحجام الاهل عن تغريب ابنائهم، ولكننا في الشرطة كنا على قناعة بأن الموضوع ليس إلا مسألة وقت، وان الكوادر المؤهلة من ابناء الوطن لابد وان تلتحق بصفوف الشرطة يوماً ما وسترتفع الاعداد وها نحن اليوم.
وبفضل الخطط المحكمة التي وضعت نشهد اقبالاً منقطع النظير. وقال: تعلمت وأنا بصحبة الوالد على مدار سنوات الصواب والخطأ والحكمة وعدم التسرع والتقوى والخوف من رب العالمين، مؤكداً انه رغم عدم تلقي آبائهم واجدادهم للتعليم إلا انهم كانوا نبراساً في التربية متكئين على كتاب الله العزيز وهدي المصطفى، ومعتبراً أنه كانت تربية والدي والقيم التي غرسها في داخلي هي المنهج الذي سرت عليه حتى في تربية ابنائي.الشامسي الذي فقد والدته وهو ابن 40 يوماً كان محظوظاً عندما احتضنته أمه الثانية عوشة بنت سالم المزروعي، التي قال إن لها فضلاً كبيراً في تربيته عندما احتضنته بعدما رفض والده الزواج.
العودة الى الوطن
مرحلة اخرى في حياة الشامسي الذي شكل نموذجاً يُحتذى للمسؤول والمواطن الحريص على مصلحة بلده والمساهمة في تحقيق كل ما فيه خير لها، فبعد عودته من السودان التحق بمدرسة الشرطة في الشارقة برتبة ملازم، وتدرج حتى وصل الى رتبة مقدم، وكان عدد المواطنين في هذه الفترة قليلاً جداً.
وقال انتقلت بعد ذلك الى امارة ابوظبي نائباً لقائد كلية الشرطة وكان القائد وقتها معالي صقر غباش.وللأسرة، كما يقول رئيس المجلس البلدي لمدينة الشارقة، قدسيتها، ويقول أربي ابنائي كما رباني والدي، واستمع لهم واناقشهم دوماً، مستلهماً ذلك من تجربتي الشخصية، وفي شهر رمضان نحرص كأسرة على التحلق حول المائدة سوية والصلاة وقراءة القرآن وقيام الليل.
هوايات ونشاطات
يقتنص سالم الشامسي، رغم زحمة المشاغل، وقتاً لممارسة السباحة، وفي فترة الشباب، كان لاعباً لكرة القدم، مشيراً الى ان يومه يبدأ في الـ6 صباحاً ويمارس السباحة لمدة 40 دقيقة تمنحه الطاقة لبدء يوم عمل جديد، أما كرة القدم فقد لعب في نادي العين 3 سنوات، ثم لبى نداء الوطن والتحق بكلية الشرطة.
رجل المهمات الصعبة
وكان الشامسي من رجال المهمات الصعبة التي تتطلب الإخلاص والحنكة، وآمن بالمبادئ الإنسانية وحافظ عليها سلوكاً ومنهج حياة، وهنا يتحدث عن تجربة مشاركته في حفظ امن المشاركين في منتدى دولي استضافته دبي، حيث عمل مع معالي الفريق ضاحي خلفان تميم، القائد العام لشرطة دبي، وقال استفدت من العمل مع رجل بحنكته وخبرته الشرطية الكبيرة، واعتقد ان الثقة التي منحنا إياها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وتحفيزه وايمانه بقدراتنا، كان سبباً لأن يخرج بهذا الشكل المشرف.
وكان لكلمات سموه ورغبته في أن يدار المنتدى من قبل اصحاب الخبرات الأمنية في الدولة، دور في النجاح الذي تحقق. وينظر اللواء المتقاعد الى مستقبل الدولة نظرة تفاؤل مؤكداً ان خططها الاستراتيجية وقفزاتها التطويرية مذهلة، وقال: هناك باعتقادي اجيال مؤهلة ستواصل درب التنمية والحفاظ على مكتسبات وطننا ومنجزاته الكثيرة، وأتمنى ان يأخذ المجلس الوطني دوراً حقيقياً من خلال إعطائه الصبغة الرسمية ليتولى دوراً فاعلاً بعد منحه الصلاحيات، وطالب بتقييم الدورة الماضية خروجاً بتوصيات وتوجيهات تفيد المجلس الجديد.
اهتمام بمعاناة الناس
وإذا كان معروفاً عن رجال الأمن أن الانضباط يجعلهم يميلون إلى الشدة في بعض الأحيان، فإن هذا لم يفقد ضيفنا صفة الرحمة والتواضع، بل إنه كان على قدر عالٍ من الحرص على الاستماع لشكاوى الناس من مواطنين ووافدين باذلاً جهده في نطاق عمله كرئيس للمجلس البلدي في مدينة الشارقة لحل مشكلاتهم وإيصالها للجهات المعنية.
معتبراً أن حبّ الناس رأس المال الحقيقي، ومؤكداً في السياق ذاته أن توجيهات مباشرة من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، بإنشاء 9 مجالس بلدية لكل مدينة، الهدف منها إيصال صوتهم ومطالبهم بصورة واضحة الى المجلس التنفيذي. واضاف ان صاحب السمو حاكم الشارقة يقول في اجتماعاته دوماً أنتم رؤساء المجالس عيوني التي أرى بها، وهذا التوجيه هو منهجنا في العمل، ونسعى لكي نكون اليد التي تعاون الناس، وان نكون أهلاً للثقة التي منحنا إياها سموه حفظه الله ورعاه.
مدرسة في العمل بصمت
الذين عملوا مع اللواء سالم الشامسي يقولون إنه مدرسة في العمل الصامت، بالمثابرة وتذليل الصعوبات أمام إنجاز المهام الكبيرة التي كانت تعهد إليه، وكان يؤديها بكل ما تطلبه المصلحة الوطنية العليا، ونتج عن ذلك عدد كبير من الأوسمة التي تقلدها ومنها من المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، الذي كنت محظوظاً بلقائه اكثر من مرة.
وأبرز ما كان يثير اعجابي أنه رجل عطوف على شعبه، وتوجيهاته دوماً تنصب في مصلحة ابناء الوطن، وفوق كل هذا كان يرفض التقليل من شأن الدولة في أي محفل، مشيراً إلى أن صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، تتلمذ في مدرسة والده زايد الخير ويسير بالفكر المستنير للراحل الكبير.
وقال: كنت محباً لعملي، وساهمت في تعزيز التعاون مع فرنسا، إبان شغلي لمنصب مدير عام التخطيط والتطوير بوزارة الداخلية وأنا عضو الجمعية التأسيسية في مدينة ليون الفرنسية وعندي عضوية شرطية منها، برتبة ضابط فارس.
سيرة زاخرة بالإنجازات
شغل اللواء المتقاعد سالم عبيد الحصان الشامسي، الذي تخرج في كلية الشرطة عام 1973 مناصب عدة، منها عضو أكاديمية شرطة الشارقة للعلوم الشرطية حالياً، وعضو سابق في المجلس الاستشاري بالشارقة، وشغل منصب مدير عام الإدارة العامة للمنشآت الإصلاحية والعقابية من 2002 -2007، وعمل كمدير عام للإدارة العامة للتخطيط بوزارة الداخلية، وعين نائباً لمدير عام كلية الشرطة بوزارة الداخلية، الى ان تولى منصب مدير عام الكلية عام 1991. والتحق بالعمل في مدرسة الشرطة بالشارقة وتدرج وظيفياً وتم تعيينه مديراً فنياً فيها لغاية .
وهو فوق ذلك عضو سابق في مجلس إدارة كلية الشرطة، ورئيس سابق في اتحاد الشرطة الرياضي بالدولة وعضو اللجنة الاولمبية الوطنية لعدة دورات، ويشغل حالياً منصب نائب رئيس الاتحاد الدولي الرياضي للشرطة ومقره العاصمة الفرنسية باريس، وعضو جمعية كلية الضباط بمدينة ليون الفرنسية، وعضو الاتحاد الدولي للمؤسسات الاصلاحية والعقابية ومقره كندا، ومنح وساماً بلقب فارس من الرئيس الفرنسي جاك شيراك. وهو رئيس المجلس البلدي لمدينة الشارقة حالياً، كما شارك في عدّة اجتماعات في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والقانونية والاجتماعية.
سيف بن زايد وعمار النعيمي طالبا الشرطة
تجربة خاصة عاشها اللواء سالم الشامسي، عندما كان في كلية الشرطة، فقد تتلمذ على يديه خلال فترة عمله الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، وسمو الشيخ عمار بن حميد النعيمي، ولي عهد عجمان رئيس المجلس التنفيذي.
وعن هذه العلاقة قال، كان جميع الطلبة سواسية في نظرنا، لم نكن ننظر الى الاسم الثاني لطلبتنا، والحق يقال إنهم كانوا مثالاً للالتزام والانضباط، وقال إن سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، خضع كغيره من الطلبة للجنة تقييم، وقاد طابور التخرج ليس لأنه ابن رئيس الدولة آنذاك، بل لأنه كان أهلاً لذلك.
واستطرد: التقيت الشيخ سيف بن زايد آل نهيان في إحدى المهمات، وفي فترة تتلمذه كانت سمات القيادة واضحة عليه، وقد امتلك كل مقومات الرجل العسكري، وما نشهده من نقلة نوعية تطويرية في المجال الشرطي نتاج قيادة حكيمة، وقال، هذه النماذج المضيئة التي تتقلد مناصب مهمة في الدولة تشعرنا على نحو خاص بالفكر لأننا مؤمنون بطاقاتهم وقدراتهم المتميزة على العطاء والتغيير نحو الأفضل.