المتأمل لكتاب الله عزَّ وجل، يجد فيه كماً كبيراً من الأمثال التي تقرِّب الحقيقة وتجعلها سهلة المنال، ففيها تصوير للمعقول بصورة المحسوس، أو تصوير للمعدوم بصورة الموجود، أو تصوير للغائب بصورة الـمُشاهَد، قال الألوسي في تفسيره: «فلضرب المثل شأن لا يخفى ونور لا يُطفى، يرفع الأستار عن وجوه الحقائق، ويميط اللثام عن محيا الدقائق، ويبرز المتخيل في معرض اليقين، ويجعل الغائب كأنَّه شاهد»، مع ما في المثل من إيجازٍ في اللفظ، وإصابةٍ للمعنى، وحسنٍ في التشبيه، لذلك قال الله عزَّ وجل في كتابه: «وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون» «الحشر: 21».

علم منفرد

واعلم أن الأمثال نوع من العلم منفرد بنفسه، لا يقدر على التصرف فيه إلا من اجتهد في طلبه حتى أحكمه، وبالغ في التماسه حتى أتقنه، قال تعالى: «وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون» «العنكبوت: 43»، قال الشوكاني رحمه الله: وقد تقرر عند علماء البلاغة أن لضرب الأمثال شأناً عظيماً في إبراز خفيات المعاني، ورفع أستار محجبات الدقائق ولهذا استكثر الله من ذلك في كتابه العزيز، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من ذلك في مخاطباته ومواعظه.

وقد اخترنا لكم في هذا الموضوع مثلين من أمثال القرآن الكريم، نبين ما فيهما من العلم، ونكشف اللثام عمَّا فيهما من أسرار البيان. المثل الأول: قال تعالى «مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم» «البقرة: 261».

هذا مثل ضربه الله عزَّ وجل لمن أنفق ماله في سبيله وابتغاء مرضاته، مثلٌ شبَّه الله تعالى فيه تلك الأموال التي أنفقها العبد خالصةً لوجهه الكريم بزارعٍ زرعَ حباً فأخرجت كل حبة منها سبع شعب، في كل شعبة منها سنبلة - والسنبلة هي مجمع الحب- كل سنبلة فيها مائة حبة، فصارت الحبةُ سبعَ مائة حبة بإذن الله عزَّ وجل.

فكما ضاعف سبحانه وتعالى للزارع حبته، فهو يضاعف للمنفق نفقته، ثم عطف عليه قوله: «والله يضاعف لمن يشاء» بما له من السعة والقدرة، وختم المثل بقوله: «والله واسع عليم» واسع في عطائه لا يعجزه شيء، عليمٌ بالنيات يضاعف في النفقة على قدرها.

الأعمال الصالحة

وفي هذا المثل العظيم إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله عزَّ وجل لأصحابها، كما ينمي الزَّرع لمن بذره في الأرض الطيبة، وقد وردت في السنة أحاديث بهذا المعنى منها قوله عليه الصلاة والسلام: فيما يرويه عن ربه عزَّ وجل قال: «قال الله عزَّ وجل: إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل، فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها. وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها».

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قالت الملائكة: رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به، فقال ارقبوه فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جراي وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وكل سيئة يعملها تكتب بمثلها حتى يلقى الله، «رواه مسلم».

الرجل والناقة

وفي الحديث عن أبي مسعود الأنصاري قال: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة» «رواه مسلم»، وفي الحديث أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عزَّ وجل وقوله الحق:

«إذا همّ عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها، وإذا هم بسيئة فلا تكتبوها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، فإن تركها وربما قال لم يعمل بها فاكتبوها له حسنة» ثم قرأ «من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها» «رواه الترمذي وحسنه»، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

المثل الثاني: قال تعالى «فمالهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمرٌ مستنفرة فرت من قسورة» «49-51».

هذا مثل ضربه الله عزَّ وجل لمن أعرض عن كتابه إما بالجحود والإنكار، أو ترك العمل بما فيه من الأوامر وآثر الإصرار والاستكبار، شبَّه الله عزَّ وجل في هذا المثل أولئك المعرضين بحمرٍ وحشية فرت مذعورة خائفة من قسورة أي أسد شديد القسر، عظيم القهر يتربص بها، ولم تكتفِ بالنفور لوحدها بل استنفرت من حولها من الحمر.

أمثال كثيرة

قال ابن القيم رحمه الله تعالى «وهذا من بديع التمثيل فإن القوم من جهلهم بما بعث الله سبحانه رسوله كالـحُمُر، فهي لا تعقل شيئاً، فإذا سمعت صوت الأسد أو الرامي نفرت منه أشد النفور وهذا غاية الذم لهؤلاء، فإنهم نفروا عن الهدى الذي فيه سعادتهم وحياتهم كنفور الحمر عمَّا يهلكها ويعقرها» انتهى كلامه.

ومن خلال عرض هذين المثلين يتبين لنا أهمية هذا الباب من أبواب العلم، قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «مفتاح دار السعادة»، أخبر سبحانه عن أمثاله التي يضربها لعباده، يدلُّـهم على صحَّة ما أخبرَ به: أنَّ أهل العلم هم المنتفعونَ بها المختصُّون بعلمها، فقال تعالى «وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون» وفي القرآن بضعة وأربعون مثلاً، وكان بعض السَّلف إذا مرَّ بـمَثلٍ لا يفهمه يبكي ويقول: لست من العالمين.