قال تعالى في كتابه الكريم: (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنَّـهم لهم المنصورون وإنَّ جندنا لهم الغالبون فـتول عنهم حتى حين وأبصرهم فسوف يبصرون أفبعذابنا يستعجلون فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين وتول عنهم حتى حين وأبصر فسوف يبصرون) (الصافات171-179).
وعد بالنصر
تضمنت هذه الآيات وعداً للنبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم ومن اتبعه من المؤمنين بالنصر والتمكين، كما نصر سبحانه من قبله عباده المرسلين، قال تعالى: (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي)(المجادلة21)، ثم أمر الله نبيه الكريم بالإعراض عمن عاندوا ولم يقبلوا الحق المبين، وأنه ما بقي له بعد البلاغ إلا انتظار ما يحل بهم من العذاب الأليم، ولهذا قال سبحانه:
(فتول عنهم حتى حين وأبصرهم فسوف يبصرون)، ثم تكرر الأمر بالإعراض عنهم حتى يأتي أمر الله، وذلك في قوله تعالى: (وتول عنهم حتى حين وأبصر فسوف يبصرون) إلا أن هاء الضمير في قوله تعالى: (وأبصرهم) في الآية الأول حذفت في قوله تعالى: (وأبصر) في الآية الثانية، (فما السر في ذلك؟!)
ذهب بعض المفسرين إلى القول إنَّ الآية الثانية تأكيد للآية الأولى وإن ضمير المفعول حُذف اختصاراً. وذهب فريق آخر إلى القول إن الآية الأولى تتعلق بعذاب الدنيا بما يقع على الكفار من القتل والأسر، وإنَّ الآية الثانية تتعلق بعذاب الآخرة بما يقع عليهم من الويل والثبور.
قاعدة لغوية
ويمكننا أن نرجِّح أحد القولين على الآخر بناءً على قاعدة لغوية تقول: (إذا احتمل اللفظ في السياق بين أن يكون مفيداً معنى جديداً لم يسبق في الكلام، أو يكون مؤكداً للفظ أو جملة سابقة، فحمله على الإفادة أولى من الإعادة إلا أن يدل السياق على كونه تأكيداً.). قال مكي بن أبي طالب: (حمل اللفظين على فائدتين، ومعنيين أولى من حملهما على التكرار بمعنى واحد) انتهى كلامه.
وهذا يعني أن الأصل في الـجُمل المتكررة حملها على التأسيس، ومعناه أن نحاول البحث عن معنىً مستقل لها، وهذا لا يعني نفي وجود التأكيد، ولكنه يعني عدم المسارعة إليه بدون دليل.
إذا تقرر هذا فإن حمل الآية الثانية في سورة الصافات، وهي قوله تعالى: (وأبصر فسوف يبصرون) على التأسيس أولى من حمله على التأكيد، وهذا يرجِّح قول المفسرين الذين قالوا إنَّ الآية الأولى تُحمَل على ما سيعاينه كفار مكة من العذاب الدنيوي بالقتل والأسر، وأنَّ الآية الثانية تُحمل على ما سيعاينه كل من استعجل عذاب الله في الدنيا بالعذاب الأخروي في النار.
وحَذفُ هاء الضمير يؤكد ذلك، إذ أُبـهم المفعول به بقصد التعميم. وأشار الإمام الشوكاني إلى هذه الاختلاف، كما أشار إلى القاعدة التي رجحنا من خلالها أحد القولين بقوله: (وقيل هذه الجملة المراد بها أحوال القيامة، والجملة الأولى المراد بها عذابهم في الدنيا، وعلى هذا فلا يكون من باب التأكيد، بل من باب التأسيس) انتهى كلامه.
ومن الأمثلة على هذه القاعدة قول الله تعالى: (ويوم نبعث من كل أمة شهيداً ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون) (النحل84)، وقوله تعالى في نفس السورة: (ويوم نبعث في كل أمة شهيداً عليهم من أنفسهم..) (النحل89).
هاتان الآيتان فيهما إخبار عن مشهد من مشاهد يوم القيامة، يخبر فيه الحق سبحانه وتعالى أنه يبعث من كل أمة شهيداً عليها من أنفسها يشهد عليها، مع وجود اختلاف في تعدية الفعل (نبعث) فمرة عُدي بحرف الجر (من) ومرة عُدي بحرف الجر (في).
ذهب بعض أهل التفسير إلى القول إنَّ المقصود بالشهداء هنا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأنهم يشهدون على أممهم بالكفر أو الإيمان. وأن المقصود من التكرار هو التأكيد، وهذا ما ذهب إليه الألوسي بقوله: (وعُدّي فعل «نبعث» هنا بحرف «في»، وعُدّي نظيره في الجملة السابقة بحرف «مِن» ليحصل التفنّن بين المكرّرين تجديداً لنشاط السامعين.) انتهى كلامه.
وذهب بعضهم إلى القول إنَّ الشهيد في الآية الأولى قد يكون جوارح الإنسان وأعضاءه التي تنطق بإذن الله عزَّ وجل، وهذا يناسب التعدية بحرف الجر (من).
ونظراً لما تقدم من حمل الكلام على التأسيس قبل حمله على التأكيد خصوصاً مع وجود اختلاف في حرف الجرِّ بين الآيتين، يمكننا أن نرجح القول الثاني، وبذلك تتضمن الآيات كل أنواع الشهادة يوم القيامة، كشهادة أعضاء الإنسان على نفسه، وشهادة الشركاء والقرناء، وشهادة الأنبياء عليهم السلام، وشهادة الكتاب الذي فيه أعمال الخلق.
وقوله تعالى في الآية الأولى (ثم لا يؤذن للذين كفروا) أي بالكلام، وقوله: (ولا هم يستعتبون) أي لا يقبل منهم استعتابـهم واعتذارهم، يشبه قوله تعالى في سورة فصلت: (حتى إذا ما جاؤوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون وقالوا لجلودهم لما شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم .
ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون) إلى أن قال سبحانه وتعالى: (فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين)(فصلت24)، وهذا من باب تفسير القرآن بالقرآن كما هو معلوم عند أهل التفسير. وبهذا نستطيع أن نقول إنَّ الآية الأولى تتكلم عن شهادة الأعضاء، والثانية عن شهادة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ونخرج من القول بالتكرار والتأكيد إلى القول بالتأسيس والتجديد، والله وحده الهادي إلى القول السديد.