أخبرنا الله عزَّ وجل عن حال فرعون وقومه مع نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام ومن اتبعه، فقال جلَّ من قائل: (فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون) (الأعراف: 131).
ومعنى الآية أنَّ فرعون وقومه كلما جاءتهم العافية والخصب والرخاء، قالوا إن هذه الخيرات لنا ونحن أحق بها، وإن أصابهم شيء من البلاء والجدب والقحط تشاءموا بموسى ومن معه، وقالوا إنما ذهب حظنا ونصيبنا من الرخاء والخصب والعافية مذ جاءنا موسى ومن معه.
ولم يعلموا أن ما جاءهم من الحسنات فمن الله عزّ وجل، وأن ما أصابهم من سيئة فهو من عند الله بما كسبت أيديهم، قال تعالى: (وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كلٌ من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولاً وكفى بالله شهيداً) (النساء: 79).
هذا هو مجمل تأويل هذه الآية الكريمة، ولكننا نحاول هنا أن نرَّكز على جزئية معينة، وهي الدلالة البلاغية لأدوات الشرط المستخدمة في الآية الكريمة، فقد اقترنت أداة الشرط (إذا) مع مجيء الخير والرخاء، وفي المقابل اقترنت أداة الشرط (إن) مع الإصابة بالمصائب والبلاء. فما السرُّ في هذا الاقتران؟!
أداة الشرط
إن السرَّ في هذا يتعلق باستخدام العرب لهذه الأدوات، فأداة الشرط (إذا) تستخدم مع الأمور التي يتحقق وقوعها أو يكثر وقوعها، ومنها قوله تعالى: (إذا جاء نصر الله والفتح) (النصر: 1)، وقوله تعالى: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون) (البقرة: 11)، وهذه الأمثلة وغيرها كثير لا يناسبها حرف الشرط (إن) مع ما يحمله من المعاني التي لا تناسب هذا المقام.
لأن أداة الشرط (إن) تستخدم مع الأمور التي يُشك في وقوعها أو يندُر وقوعها، ومنها قوله تعالى: (وإن كنتم جنباً فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً..) (المائدة: 6)، ولا شك أن هذه الأمور المذكورة طارئة على المرء وليس وقوعها هو الأصل، لذا لم تستعمل معها أداة الشرط (إذا).
روعة البيان
فإذا تقرر ذلك أدركنا روعة البيان في الآية الكريمة، وعلمنا أن فرعون وقومه كانوا في أغلب أحوالهم يتقلبون في الخيرات، وهذا ما جعلهم يظنون أنهم مستحقون لها، فغفلوا عن شكر المنعم عليهم، ولكنهم إن أصابتهم المصائب القليلة سارعوا بعزوها لموسى عليه السلام ومن معه. وقد أشار الزمخشري إلى هذا المعنى في تفسيره فقال:
(فإن قلت كيف قيل فإذا جاءتهم الحسنة بـ«إذا» وتعريف الحسنة، وإن تصبهم بـ«إن» وتنكير السيئة؟! قلت لأن جنس الحسنة وقوعه كالواجب لكثرته واتساعه. أما السيئة فلا تقع إلا في الندرة، ولا يقع إلا شيء منها. ومنه قول بعضهم: قد عددت أيام البلاء، فهل عددت أيام الرخاء؟) انتهى كلامه.
روعة المعاني
العجيب أن كل هذه المعاني تم تضمينها في أدوات الشرط المستخدمة في هذه الآية الكريمة. أضف إلى ذلك أننا لم نتناول كل المسائل البلاغية في الآية الكريمة، ومنها التعبير بلفظ المجيء مع الحسنات، والتعبير بلفظ الإصابة مع السيئات، وكذلك تعريف لفظ الحسنة بالألف واللام في مقابل تنكير لفظ السيئة بحذف الألف واللام، هذه المسائل التي بعلمها يزيد المعنى روعة وجمالاً.
ومثل هذه الآية في يتعلق بأدوات الشرط قوله تعالى: (ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير) (غافر: 12)، أي هذه حالكم، إذا دُعيتم إلى التوحيد مراراً وتكراراً فلا تستجيبون، وإن يشرك به لو مرة واحدة تسارعون للاستجابة لداعيه.