اللي في الجدر يطلعه الملاس، مقولة إماراتية شهيرة ومتداولة، ولكن هل هي حكمة، أم مثل؟
لتحديد ذلك فلا بد من الوقوف أولاً على الفرق بين خصائص كل منهما، خاصة أن كثيرين يخلطون بينهما جراء تشابههما في الوظيفة، حيث يقال المثل في مواقف مشابهة للمواقف التي تقال فيها الحكمة للتذكير بأن الحادثة لها أصل وتفسير منطقي.
والفرق بين الحكمة والمثل يتمثل في أن:
الحكمة لغةً هي وضع الشيء في موضعه، وهي صواب الأمر وسداده.
والحكمة عرفاً، فعلٌ رشيد أو قول موجز سديد أو إصابة حق باستخدام الملكة العقلية، فيسمى صاحبه حكيماً أو عاقلاً.
وأما المثل من حيث اللغة، فهو الشبه فيقال مثل الشيء ومثله فهو شبيه.
والمثل عرفاً: قول موجز يحكى لتشبيه حال أو واقعة مماثلة.
والمثل يأتي به شخص بلا تخصيص، وأما الحكمة فيأتي بها شخص مرّ بتجربة أو أصاب الحق بالظن، وعادة ما تحمل في معناها توجيهاً وتذكيراً ونصحاً وإرشاداً.
هكذا نصل إلى أن تلك المقولة الإماراتية الذهبية إنما هي حكمة، أكثر من كونها مثلاً، حيث إنها دلالة منطقية، ليست مرتبطة بحادثة معينة، وخاصة، يقاس عليها ما شابهها، وإنما هي قاعدة منطقية، كأن تقول: الذهب يختبر بالنار.
نعود الآن إلى دلالات الحكمة: اللي في الجدر يطلعه الملاس. ولمعرفة ذلك نشير إلى أن الجدر هو القدر، وأما الملاس فهو المغرفة التي يؤخذ بها المرق واللحم من داخل القدر. فمهما كثر ماء المرق فإن المغرفة قادرة على استخراج المخبوء فيه من لحم أو عظم أو خضار.
الشاهد في الأمر، أن دور «المغرفة» في هذه المقولة شديد الأهمية، إذ لا يعرف ما في باطن القدر دون وسيلة اختبار فعالة، وقادرة على السيطرة، كما لا تستطيع تلك الملعقة الكبيرة القيام بدورها دون تحريكها وتفعيلها وتوظيفها، ولذلك فإن تلك الحكمة الإماراتية العميقة تدعونا لأن نعمل المعايير ونوظف الوسائل التي تمكننا من تشخيص الحالات المراد إدارتها وتوجيهها.
الحكمة تقول لنا إنه لا غموض، ولا عجز، فكل شيء قابل للفحص والاختبار، ومن ثم التعاطي معه ما دمنا نمتلك إرادة التحدي، ونمتلك العزيمة على التغيير، فضلاً عن امتلاك الأداة الصحيحة والفعالة التي توصلنا إلى ما نسعى إليه ونواجهه.
على أن كلمة «يطلعه» هذه لم توضع عبثاً، لأنها تختلف عن «تتحسسه» وتتجاوز أيضاً «تعرفه» إلى تخرجه، بمعنى تحولنا إلى امتلاك القدرة على تسخيره وترويضه. إنها مقولة مهمة فعلاً.