إذا ما اشتدت وطأة الحياة وتأزمت الكلمة وعجز العقل عن التمييز بين الواقع والخيال، أو بين الشيء ونقيضه، عندئذ نلجأ للحكمة التي هي خلاصة تجارب الناس لمئات السنين.
والحكمة لا تأتي إلا من تجربة، والتجربة لا تأتي إلا بالعمل، وقيل قديما: اسأل مجرب ولا تسأل طبيب.
فما أحوجنا اليوم لمثل تلك التجارب. نتزود بها حكمة وعبرة، بما يعزز لغتنا وقيمنا، ويتصدى لما يعتورهما من تشويه أو تقصير. وفي هذه الصفحة سأتناول مختلف المواضيع وأبحث عن التجارب وأقف معكم على صفات وأخلاقيات البشر وحالاتهم.. بين الترح والفرح، كل ذلك في وجبات يومية استخلصتها من التراث العربي الأصيل لأقدمها في هذه المساحة زاداً رمضانياً ننهل منه جميعنا.
وبما أننا نوشك على انتهاء تواصلنا معكم عبر سلسة الأمثال والأقوال وما جادت به من عبر وحكم وتجارب السابقين، فإن موضوع اليوم مجموعة من النوادر من هنا وهناك، اخترتها من طرائف الأقدمين والمحدثين أو المعاصرين، وهي مما يستطيب الحديث بها في أمسيات الترويح، و لقاءات السمر والسلوى في كل وقت وحين.
المبالغة
يقال إن المرأة لا يمكنها حفظ السر، وإنها تبالغ كثيراً في الكلام. ويحكى أن رجلاً كان يتكلم مع صديقه عن مبالغة النساء، فقال له الصديق: إن كل النساء تبالغ إلا زوجته، فأرادا أن يمتحناها فاتفقا على الخطة.
دخل الزوج الحمام وأطال فيه، وبعد خروجه سألته زوجته عن سر بقائه الطويل، فقال لها: هل لكِ أن تحتفظي بسر وأن لا تخبري به أحدا قالت: نعم. قال: دخلت الحمام يا أم العيال وخرج من بطني عصفور، ولكن احفظي السر. قالت: أكيد. ولكنها بمجرد خروج الزوج من المنزل، حتى ركضت إلى جارتها وقالت لها: هل سمعتي أن زوجي كان في الحمام اليوم وخرج من بطنه عصفور لابس قبعة، ولكن أرجوكِ لا تخبري أي أحد. قالت أكيد لن أفعل. ولكنها بمجرد أن غادرت الأولى حتى ذهبت الجارة إلى بيت جارتها الأخرى وقالت لها: هل سمعتي اليوم أن زوج فلانة كان في الحمام وخرج من بطنه عصفور لابس قبعة وعليها ريشة، ولكن أرجوكِ أن لا تخبري أي أحد.
قالت: إن شاء الله أكيد، ولكنها مجرد أن جارتها خرجت من البيت حتى ذهبت هذه المرأة بدورها إلى جارتها الأخرى وقالت لها: هل سمعتي اليوم أن زوج فلانة كان في الحمام وخرج من بطنه عصفور لابس قبعة وعليها ريشة وفي يده عصا.
في اليوم التالي التقى الصديقان وقال له: سمعنا عن عصفور خرج من بطنك وعلى رأسه قبعة وعليها ريشة وفي يده عصا. قال له: ومن أخبرك بهذا؟ قال: زوجتي.
أقوال
وفي المبالغة قيلت هذه الامثال: عرج الجمل من شفته، و.. قال: كيف تعرفها كذبة؟ قال من كبرها، و.. يعمل من الحبة قبة، و.. يعمل من الحمل جمل، و.. يسكر من الزبيبة.
كوخ الغابة
قيل: ذهب ذئب في الصباح ليبحث عن فريسة له ولأنثاه، فمر على كوخ في الغابة، فسمع امرأة تقول لطفلها: اسكت وإلا رميتك من النافذة فيأكلك الذئب.فجلس الذئب ينتظر طوال النهار تحت النافذة. فلما أقبل المساء سمع المرأة تقول لطفلها: إنك هادئ ولطيف، فإذا جاء الذئب ليأكلك قتلناه.
فلما سمع الذئب عاد إلى جحره خائفا. فسألته أنثاه: لِمَ عدت بغير طعام؟ قال: حدث لي هذا.. لأني صدقت امرأة.
الفصيحة والرشيد
دخلت امرأة على هارون الرشيد وعنده جماعة من أصحابه فقالت: يا أمير المؤمنين أقر الله عينك، وفرَّحك بما أتاك، وأتم سعدك. لقد حكمت فقسطت.
فقال لها: من تكونين يا أيتها المرأة؟
قالت: من آل برمك، ممن قتلت رجالهم وأخذت أموالهم، وسلبت نوالهم.
فقال: أما الرجال فقد مضى فيهم أمر الله، ونفذ فيهم قدره، وأما المال فمرده إليكِ. ثم التفت إلى الحاضرين وقال: أتدرون ما قالت هذه المرأة؟ قالوا: ما نراها قالت إلا خيراً. قال: ما أظنكم فهمتم شيئاً. أما قولها: (أقر الله عينك).. أي أسكنها، وإذا سكنت العين عن الحركة عميت. وأما قولها: (فرَّحك بما أتاك).. فأخذته من قوله تعالى: (حتى إذا فرحوا بما أُتوا أخذناهم بغتة .( وأما قولها: (وأتم الله سعدك).. فأخذته من قول الشاعر: إذا تم أمرٌ بدا نقصه/ ترقب زوالاً إذا قيل تم.
وأما قولها: (لقد حكمت فقسطت).. فأخذته من قوله تعالى: (وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا).
أمثال عن النساء
قيل: كيد النساء غلب مكر الرجال، و.. المرأة مخلوقة من ضلع أعوج، وقال الشاعر: هي الضلعُ العوجاء لستَ تقيمها/ ألا إن تقويم الضلوع انكسارها/ أتجمع ضعفاً واقتداراً على الفتى/ أليس عجيباً ضعفها واقتدارها.
قالت الحكماء: لم تنه امرأة قط عن شيء إلا فعلته. وبلا تعميم قال طفيل الغنوي: إن النساء متى ينهين عن خُلقٍ/ فإنه واقعٌ لابد مفعولُ.
نصيحة
عن علي بن أبي طالب: لا تسترضعوا الحمقاء ولا العشماء فإن اللبن يعدي. ويقال: ضرب النبال ولا توبيخ النساء للرجال، و.. المرأة السوء غلّ من حديد.
قال أحد الشعراء:لا تشتمن امرءاً في أن تكون له/ أمٌ من الروم أو سوداءُ عجماءُ/ فإنما أمهات القومِ أوعيةٌ/ مستودعاتٌ وللأحسابِ آباءُ. قال حافظ إبراهيم:من لي بتربية النساء فإنها/ في الشرق علةُ ذلك الإخفاقِ/ الأم مدرسة إذا أعددتها/أعددت شعباً طيب الأعراقِ/ الأم أستاذ الأساتذة الأولى/ شغلت مآثرهم مدى الآفاقِ.
طرائف حافظ إبراهيم
كان الشاعر حافظ إبراهيم يسير مسرعاً في طريقه إلى دار الكتب بالقاهرة يوم كان يديرها، وكان شديد العجلة، فحاول أحد المارة أن يستوقفه قائلا بلفظه الدارج: (والنبي يا عم الشارع ده يروح على فين؟) أجاب حافظ مواصلاً سيره: (ما بيروحش أبداً، طول عمره هنا).
وذات مرة سافر حافظ إبراهيم لزيارة البدراوي باشا صاحب المزارع الواسعة لقضاء أيام في ضيعة من ضياعه في الريف المصري، ولما أراد العودة خرج الباشا لوداعه، فالتفت إليه حافظ وقال: (والنبي يا باشا، ما عندكش مزرعة قديمة تهديها لي؟).
طرفة الطبيب الشاعر
من نوادر الشاعر اللبناني شاكر الخوري وكان طبيباً، أنه كان يعالج عين امرأة حسناء وكانت عينها الأخرى سليمة، فقال فيها هذين البيتين: لها مقلةٌ مرضى وأخرى سليمةٌ/ أعالجُ إحداها تعالجني الأخرى/ فبين علاجي في الهوى وعلاجها/ لقد ذهب الإثنانُ عقليَ والأجْرا.
يازجيات
طلب الشيخ ناصيف اليازجي ذات مرة من ابنته أن تأتيه بقارورة (قنينة) الحبر فجاءته بها ثم قالت:(هاكِ القَنينة يا أبي) ولفظت القنينة بفتح القاف، ولما كان الشيخ ناصيف يُصِر على أن تلفظ العربية في بيته فصيحة صحيحة، صاح بابنته: إكسريها. فما كان من البنت إلا أن ضربت القنينة عرض الحائط فكسرتها، لأن هذا ما فهمته.
أبو تمام والجارية
قال الشاعر أبو تمام: كنت يوما في مجلس رجل ومعه فتاة حسنة الصورة وفتى قبيح دهيم، وكانت الفتاة مقبلة على هذا الدهيم بحديثها وغنائها. وبينما نحن كذلك إذ أقبل فتى جميل فلم تعبأ به، فقال لي صاحب البيت: إن في أمر هذين لعجبا.
قلت: وما ذاك؟ قال: هذه الجارية تحب هذا القبيح وليس لها في قلبه محبة، وتكره هذا الجميل وهو متيم بها. فقلت للجارية: تختارين هذا وهو أقبح من ذنوب المجرمين على هذا الذي هو أحسن من توبة التائبين؟فقالت: ليس الهوى بالاختيار، ثم أنشأت تغني: فلم تلم المحبُ على هواه/ فكل متيمٌ كلف عميدُ/ يظن حبيبه حسنا جميلا/ وإن كان الحبيب من القرود.
نوادر صحافي
قرر أحد الزملاء الصحافيين إجراء مقابلة مع احد الملوك المعروفين، وفي خلال المقابلة كان الملك يستشهد بآيات قرآنية. فقال له الصحافي: يا جلالة الملك أنا أعرف فقط آيتين. فقال له الملك: وما هما الآيتان؟ قال الصحافي للملك: الآية الأولى: وادفع بالتي هي أحسن. وقال له الملك: والآية الثانية؟ قال الصحافي وهو ينظر إلى ساعة الملك: إن الساعة آتية لا ريب فيها. ضحك الملك وكان كريما معه.
من كنت أباه فهو يتيم
كتب الخليفة المنصور إلى عامله أن يقسّم مالا قد خصصه للقواعد من النساء والعميان والأيتام. فقال أحد الأعراب للعامل: اكتبني في القواعد. فأجابه العامل: ويحك إن القواعد هن النساء اللواتي لا أزواج لهن. فقال: اكتبني إذن في العميان. فقال: اكتبوه، لأن الله تعالى يقول: (فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) الحج: 46. فقال: أرجوك أيضا أن تكتب ابني في الأيتام. فقال: حقا، من كنت أباه فهو يتيم. دمتم بخير وعيدكم مبارك وأيامكم سعيدة بإذن الله. عمر وعلي وحذيفة بن اليمان
روي عن عمر بن الخطاب أنه لقي حذيفة بن اليمان وهو صحابي من الولاة الشجعان، فقال له: كيف أصبحت يا حذيفة؟ فقال: أصبحت أحب الفتنة، وأكره الحق، وأصلي بغير وضوء، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء. فغضب عمر غضباً شديداً، فدخل علي بن أبي طالب فقال له: يا أمير المؤمنين على وجهك الغضب! فأخبره عمر بما كان له مع حذيفة. فقال له: صدق يا عمر، يحب الفتنة يعني المال والبنين، لأن الله تعالى قال: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) سورة التغابن: 15، ويكره الحق، يعني الموت، ويصلي بغير وضوء، يعني إنه يصلي على النبي بغير وضوء في كل وقت. وله في الأرض ما ليس لله في السماء، له زوجة وولد، وليس لله زوجة وولد، فقال عمر: أصبت وأحسنت يا أبا الحسن، لقد أزلت ما في قلبي على حذيفة بن اليمان.