منارات شامخة في حاضر الدولة، وقناديل مضيئة أمام الأجيال.. رجال ونساء تركوا بصماتهم العطرة سيرة كفاح ورحلة نجاح، لم يعرفوا اليأس يوم أن كانت ذات اليد قليلة، ولم يعرفوا الغرور يوم أن أضحت نسائم النجاح عليلة.. في جعبة كل واحد منهم آلاف الذكريات، وفي كلماتهم آلاف العبر.. نقف كل يوم عند محطة جليلة لقامة إماراتية كبيرة.

يعد العقيد طيار سالم عبد الله الزحمي مدير مكتب سمو ولي عهد إمارة الفجيرة، من الشخصيات المواطنة المثابرة في حب العمل، قضى 27 عاماً من حياته في سلك الطيران بالقوات المسلحة، وعاد بعد التقاعد ليمسك زمان الأمور في مكتب ولي عهد الفجيرة.

لديه سجل حافل من الذكريات الجميلة التي انتقلت به، سعى وراء تحقيق الذات إلى مناصب قيادية عسكرية ومدينة، وحمل على عاتقة العديد من الملفات المهمة، وبشفافيته المعهودة، تحدث في كل الاتجاهات، فلم يقتصر عطاؤه في المجال العسكري فقط، بل امتد إلى العمل الوطني والإنساني، أيضاً كما عرف عنه صراحته المتناهية في العديد من المواقف، والجرأة في اتخاذ القرارات، وشفافيته في التعامل مع الناس. رحلته مليئة بفصول الطموح والإصرار، يرويها لأول مرة عبر صفحات «البيان»، وهو يشعر بأن ما قدمه للوطن لا يزال بسيطاً، الوطن الذي صنع منه رجلاً بارزاً على كل الأصعدة.

الطفولة والنشأة

لم تكن طفولة العقيد سالم الزحمي سهلة، حيث توفي والده وهو طفل صغير، وقال: كنت أقطن مع والدتي وشقيقي منطقة الفجيرة القديمة، عندما لم يوجد من مقومات الحياة شيء يذكر. فلا طرق ولا سيارات ولا كهرباء أو هواتف، ناهيك عن الإنترنت ووسائل الاتصال الحديثة، وبدأت علاقتي منذ صغري بالعائلة الحاكمة بالفجيرة، حيث كانت تربط والدي– رحمة الله عليه- علاقة وطيدة بالأسرة الحاكمة، حيث استمر تواصلي معهم.

وأضاف في حديثة بالقول: بدأت تعليمي بالفجيرة في مدرسة سيف الدولة للبنين، وكانت إرادتي تدفعني إلى تحقيق الأفضل وتغيير الوضع، حيث فارقت الفجيرة لأول مرة نحو أبوظبي، لأكمل تعليمي الثانوي هناك، وتخرجت في مدارس العاصمة، والتحقت بالكلية الجوية العسكرية في القوات المسلحة، كمرشح ضابط. وتم إرسالي لدراسة الطيران العسكري في بريطانيا، حيث بدأت حياتي هناك في السكن الداخلي للطلاب، وأكملت مسيرة الغربة بالعيش في كنف عائلة بريطانية، إلى أن تخرجت بعد ثلاث سنوات ونصف السنة، وعدت إلى الوطن برتبة ملازم طيار.

دراسة ووطن

وعن دراسته في الخارج، يجد العقيد سالم، أن الغربة مدرسة للحياة، فقد تعلم الكثير في مرحلة اغترابه للدراسة، واكتسب خصال التحمل والمسؤولية والاعتماد على النفس، فهناك فرق كبير بين أن يذهب الشخص إلى الخارج طالباً لدراسة فقط، وبين أن يكون ذاهباً لتحقيق طموح معين، حيث كانت وجهته لبريطانيا، منذ أن قبل كمرشح ضابط في القوات المسلحة، بغرض تحقيق طموح وشغف مهني، واكتساب خبرات جديدة. وهو ما من الله به عليه، بعد أن عاد من الخارج.

وعبر عن ذلك بالقول: بعد عودتي من الخارج، وفقت بفضل من الله بالتدرج في مراتب مختلفة بالسلك العسكري، من رتبة ملازم إلى عقيد، وشغلت خلال ذلك عدداً كبيراً ومتنوعاً من المناصب القيادية العسكرية والمدنية في مختلف الإدارات العسكرية بالقوات الجوية، وشاركت في أول دفعة إماراتية لإغاثة «كوسوفو»، وذلك في بداية التسعينيات من القرن الماضي، وكان دورنا مقتصراً على الجانب الإنساني، عبر البحث عن المحتاجين ومساعدتهم. وأنا فخور بما حققته من إنجازات مهنية، ولا تزال الذاكرة تحفظ جميل تلك الأيام. بل لا يزال أصدقاء العمل، وبالذات في العاصمة أبوظبي، الأشد قرباً وارتباطاً بي حتى اليوم.

زواجه وأسرته

تزوج الزحمي مبكراً في حياته، وكان ذلك بتاريخ 2 يوليو 1986، وزرق بـ 3 ذكور وابنتين، وقال: لقد اكتفيت بخمسة من الأبناء، لقناعتي بالأسرة المتوسطة، وبعدما كبروا، تركت لهم حرية اختيار مجالاتهم في الحياة، حيث اتجه أبناؤه الذكور الثلاثة، وهم محمد وخالد وماجد، إلى العمل في مجال البترول، فيما تدرس ابنته ميرة في الجامعة.

ولا تزال أصغرهم نوف، طالبة في الثانوية العامة في القسم العلمي. كما يحبذ العقيد سالم، الأجواء العائلية كثيراً، ويعشق لحظة تجمع الأبناء في المنزل، وغالباً ما يخصص أوقاتاً خاصة يقضيها معهم، رغم مشاغله الكثيرة. إلا أنه يميل إلى قضاء إجازته السنوية في ظل أبنائه وعائلة الصغيرة، سواء في الدولة أو حتى خارجها. ويوضح أن علاقته بأبنائه علاقة مودة وصداقة، بل مبنية على التفاهم، بعيداً عن سلطة الأبوة، مشيراً إلى أن التفاهم هو الأساس الصحيح لتربية الأبناء.

وأضاف أن العملية التعليمية، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لصقل مهارات الأبناء، بل لا بد من الدفع بهم نحو الانغماس في البيئة المحلية الغنية بالعادات والتقاليد الأصيلة، والاطلاع على ما تحويه من أمثلة وقيم عالية، تخلق للمجتمع أفراداً مميزين، يمتلكون صفات نبيلة، تعكس هوية الإمارات، وما تحمله من سمات رائعة، عنوانها الاحترام والتسامح والوحدة والعطاء.

مع ولي العهد

بعد سنتين من تقاعده من السلك برتبة عقيد طيار في عام 2005، كرم بمرسوم أميري من صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي حاكم إمارة الفجيرة، بتعيينه مديراً لمكتب سمو ولي عهده الإمارة، الشيخ محمد بن حمد الشرقي، حفظه الله. وكان ذلك في شهر أبريل من عام 2008. وقال الزحمي في ذلك: لقد كنت فخوراً بهذه الثقة، التي منحني إياها صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي حاكم الفجيرة، الذي حظيت منه دائماً بالمودة والاهتمام، وتواصلت بأن منحني ثقته مرافقة ولي عهده. حيث باتت خبراتي تجدد كل يوم في ظل عطاء هذه الأسرة وثقافتها غير المحدودة.

قيادتنا تسعدنا

أعرب الزحمي عن عجزه، عن تقدير الرعاية والاهتمام الذي حظي به منذ طفولته وحتى اليوم من قبل الأسرة الحاكمة بالفجيرة، ويقول في هذا الجانب: لا يسعني أن أصف علاقتي بحاكم الإمارة، إلا بالأب الحنون، سواء معي أو مع أبناء الإمارة جميعاً، ولا أحد يستطيع أن ينكر مدى عطف الشيخ حمد على أبناء إماراته، وسعيه الدائم إلى إسعادهم.

ويضيف في الوصف، أن من يجالس الشيخ حمد، يدرك تماماً، كم هو شخصية مثقفة بدرجة عالية، بل مدرسة في علوم الحياة، فقد كان، ولا يزال، العقيد سالم، يستشير حاكم الإمارة في أغلب أمور حياته. حيث يجد الرشد في ما يسمعه منه، وقال: لقد تعلمت من صاحب السمو الشيخ حمد، الكثير، وأول ما اكتسبته منه، تمكين النفس من الصبر، فسموه من الشخصيات الصبورة، التي تتعامل مع الأمور بعين الرحمة والتريث في حل الأمور وتسييرها.

ويصف فترة مرافقته لولي عهد إمارة الفجيرة منذ 2008 وحتى اليوم، بالزمن الجميل، حيث اتضح له عبر الأيام، عمق الخصال الحميدة التي اكتسبها سمو الشيخ محمد من والده وجده، ويجده من الشباب الغيور على إرث ومكتسبات هذا الوطن، بل يتمتع بحنكة وذكاء كبيرين، وشخصية مطلعة ثقافياً في مختلف المجالات.

وقال العقيد سالم في علاقته بولي عهد الإمارة: إن الجميل في شخصية سمو الشيخ محمد الشرقي، أني أجد نفسي أتعلم منه، ولا أضيف له شيئاً، فاهتمامه الإنساني العميق، وتوجيهاته الداعمة للأنشطة الرياضية والثقافية والاجتماعية بالإمارة، تعكس مدى رؤيته الثاقبة لمستقبل هذه الإمارة. كما أنه رجل عاشق «للمقناص» ولرحلات البرية، التي يجد فيها نفسه، وتمنح سموه اهتماماً كبيراً بالبيئة والمحافظة عليها.

أجمل الهوايات

وحول هواياته المفضلة، فإن العقيد سالم، يجد في السفر متنفسه الجميل، حيث التغيير والمغامرة والمتعة، فغالباً ما يسافر، إما رفقة أسرته أو أبنائه الذكور، حيث يحبذ الرحلات الشبابية التي تجمعه بأبنائه في السفر لبعض الدول الأوروبية. ويرى أن السفر مفيد من الناحية الصحية والعلاجية، معتبراً رحلاته للخارج فترة نقاهة، يجدد الإنسان طاقته فيها.

كما يكشف عن الأشياء التي يفضلها في وقت فراغه، والتي تصب أغلبها في المطالعة الإلكترونية للأخبار والأحداث الدولية، فهو من أشد المتابعين للمستجدات السياسية والرياضية والثقافية على وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية، معتبراً أن هذه الوسائل، أضافت ميزة السرعة في نقل الأخبار. فضلاً عن بحثه الدائم عن إصدارات الكتب الجديدة، التي يحبذ قراءتها عبر صفحات الإنترنت.

رمضان العبادة والعمل

رمضان بالنسبة للزحمي، شهر عبادة وعمل، حيث يبدأ يومه في المكتب، لينجز المعاملات الخاصة بمكتب سمو ولي عهد الفجيرة، ويعود للمنزل في وقت الظهيرة، يقضي ساعات من العبادة وقراءة القرآن والذكر، إلى زمن الفطور، الذي يجمعه مع أفراد أسرته على مائدة العائلة.

في ضيافة الحاكم

يقول سالم عبد الله الزحم: أنا حريص على الجانب الاجتماعي، فمهما كانت ارتباطاتي في العمل، إلا أني حريص جداً على الجانب الاجتماعي، والقيام بواجباتي تجاه أسرتي وأصدقائي. أما في فترة ما بعد صلاة التراويح، أكون موجوداً بشكل يومي في قصر الحاكم، حيث يستقبل الحاكم المواطنين والمقيمين والمهنئين على مدى أيام الشهر الفضيل، وأحبذ الوجود هناك، لضرورة استقبال ضيوف الأسرة الحاكمة.