حياته رحلة طويلة كرواية، وأبطالها كثيرون والأدوار فيها مختلفة وفصولها مطبات مرة على شوارع الحياة، ومرة هوائية كتلك التي تعصف بالطائرات في الجو، ورغم كل حلو ومر تبقى جميلةً باستمرارها وعطاءاتها ومكتسباتها واستثماراتها في فلذات الأكباد وخدمة الوطن الغالي الإمارات، ولد في أم القيوين العام 1958 ودرس في مدارسها بالمنهاج الكويتي أربع سنوات ابتدائي وأربع متوسط وأربع ثانوي، ثم درس طب الأسنان في كلية طب الفم والأسنان بالقصر العيني جامعة القاهرة، وتخرج منها في مايو 1982، يعشق العمل التطوعي، الذي بدأه في جمعية الإمارات الطبية من عضو حتى وصل إلى نائب رئيس مجلس الإدارة وعضو في ندوة الثقافة والعلوم وفي جمعية الإمارات لحقوق الإنسان.
صومه كان نصف يوم؛ حاله حال أبناء الفريج، يصومون في الظاهر وفي المطبخ يسرقون الطعام بعيداً عن رقابة الأهل، حصل على 700 ألف درهم من جهات خيرية، فأنشأ مركز أم القيوين لطب الأسنان، كما يهوى ركوب الدراجات الهوائية وكرة القدم ويقرض الشعر.
يروي الدكتور جاسم خلفان، رئيس مركز عمليات الطوارئ والأزمات والكوارث بوزارة الصحة ووقاية المجتمع، من مواطني أم القيوين لـ«البيان» رحلته الدراسية، قائلاً: «إنه كان متفوقاً في الدراسة منذ التحاقه بالصف الأول الابتدائي وحتى الثانوية العامة، وإنه في العام الدراسي 1976 -1977 حصل تغيير في نهاية العام الدراسي، حيث كان يدرس بالقسم العلمي، وجاءت الأسئلة في نهاية العام من الكويت والإمارات، وكنا 6 من الطلبة بالفصل، ودخلنا امتحاناً آخر العام في مدرسة العروبة بالشارقة، حيث حصلت على المركز الأول بمعدل 73 %، والثاني حصل على 58% ، وما تبقى من الطلبة دخلوا دوراً ثانيا».
ويضيف: كما إن الحياة الدراسية كانت في سنوات الدراسة المدرسية قاسية وصعبة، ولم نكن مرفهين ولكننا تحملنا وصارعنا من أجل البقاء والنجاح، وكانت تختلف عن الوقت الحالي في كل شيء، ولكنها رغم ذلك كانت أقوى في تحمل المشاق والمسؤولية منذ الصغر، وأما الآن فظروف الدراسة أفضل نتيجة للقفزة النوعية التي انتشل فيها الشيخ زايد، طيب الله ثراه، أهل الإمارات من الفرقة والضعف إلى الوحدة والقوة، بتأسيسه مع المغفور له، الشيخ راشد بن سعيد، رحمه الله، اتحاد الإمارات، لافتاً إلى أنه في الرابع من أكتوبر من العام 1977 ذهب إلى الدراسة في مصر بتوجيه ودعم مباشر من المغفور له الشيخ، مكتوم بن راشد، رحمه الله، وهناك درس بكلية طب الفم والأسنان بالقصر العيني جامعة القاهرة وتخرج منها في مايو 1982 بتقدير جيد مرتفع.
كما إن الدراسة والعيش في مصر لهما تاريخ طويل ومحبب لقلبه، فشوارعها مدارس للحياة، كما إن المعاناة في العيش والدراسة تصنع الرجال، ففيها يتحول الشخص إلى رجل مسؤول عن قراراته، فإما أن ينجح في البحر المتلاطم الأمواج والحياة الطاحنة، وبجانبها كل الملاهي وملذات العيش الرخو ومتع الحياة أو يكون الفشل حليفه، لافتاً إلى أنه كان ينوي دراسة الطب العام، ولكن في ذلك العام كان آخر كرسي مخصص لطلبة الإمارات محجوزاً لشخص آخر، ولم يكن أمامه إلا طب الأسنان، فدخلها وأحبها كدراسة وتخصص، وأكرمه الله بأن اجتاز دراستها في السنوات الخمس المقررة.
ذكريات
ويستطرد جاسم: لعل من الذكريات المضحكة الخفيفة كان صعوبة نطق اسمي «جاسم» في كل مكان هناك، وكان يقال لي يا قاسم أو آسم أو باسم أو جاسر، وكنت أتقبل ذلك مع تعطيش الجيم، ولأني أحببت مصر وكان لزايد الخير الدور الأساسي في حبنا لمصر واستمرار هذا الحب، فلم أنقطع عنها حتى الآن، وكلما طال الفراق حنت النفس لزيارتها لتنمية هذا الحب الذي يأتي بعد عشقي لوطني الأول إمارات زايد الخير، كما تعلمت بجانب دراستي كثيراً من مدرسة الحياة في مصر، بدءاً من الشارع والحي والجامعة والمسرح والسينما ودور الثقافة والكتب والمكتبات والرحلات الجامعية، فمصر هي بيت العرب ورمانة الميزان في العالم وبقاؤها بقوتها ضمان لبقاء الوطن العربي.
رمضان زمان
ويستطرد خلفان: إن رمضان زمان في الإمارات كان بسيطاً، به طاعة وعبادة وتواد وصلات أرحام ومعاناة مع ضعف الإمكانيات وقسوة الجو وحرارة الصيف، ولكنه كان يجمعنا كأسر متحابة في الأحياء ونتواد ونتواصل ونتكافل بروح إيمانية إسلامية، ولكن تغيرت الحياة وصار التمدن والتباعد، وضعف الوازع الديني ضريبة للمدنية، لافتاً إلى أن كل أطباق رمضان في ذلك الزمان كانت شهية لذيذة غنية في كل شيء، كما إن زايد الخير، رحمه الله، علم شعبه الحفاظ على تراثه وموروثه، فما زلنا نتناول الأطباق نفسها في رمضان الحاضر وهي معروفة للجميع من تمر وثريد وهريس وخلافها.
وعن بداية صيامه يروي أنه بدأ الصوم في أيام المدرسة، و«مثل ما يسوون الأولاد»، بدأ بصيام نصف يوم، ثم يوم كامل ويفطر في الذي يليه، وأحياناً يصوم في الظاهر وفي المطبخ يسرق ويأكل، ولكنها كانت فترة قصيرة جداً ولا تحسب، ومضت السنون وتغيرت الأحوال وتغيرت بعض ملامح الاحتفال بالشهر الفضيل، فدخلت علينا المدنية وتكيفنا مع مستجداتها ووسائلها وتعاصرنا مع شيء من المحافظة، مبيناً أن المجالس الرمضانية في الماضي كانت ملتقى أهل المنطقة، حيث يبدأ المجتمعون بترديد الصلاة والسلام على خير الأنام محمد، صلى الله عليه وسلم، ثم يتبادلون أخبار الغوص والأسفار أو إنشاد الشعر، حيث كان يخصص للشعر مجلس، وكانت المجالس تبقى مشرعة حتى وقت السحور، فيسمع الجميع طرقات المسحراتي الذي يجول وخلفه الأطفال يرددون عبارات بأصوات مرتفعة توقظ النائم.
بداية العمل
ويروي الدكتور جاسم أن بداية عمله بدأت بعد أن تخرج في مايو 1982 موظفاً في وزارة الصحة، ثم التحق بمستشفى راشد في دبي لعمل سنة الامتياز بمركز الأسنان، ورجع بعد ذلك مديراً لمجموعة عيادات في منطقة أم القيوين الطبية وطبيب أسنان في نفس العيادة وفي الأول من نوفمبر 1984 عين في وزارة الداخلية نقيب مدير الخدمات الطبية (تغطي جميع المناطق الشمالية)، وفي الوقت ذاته سجل للدراسات العليا في مصر لدراسة ماجستير جراحة الوجه والفكين وكان ذلك في أغسطس 1986، وفي العام 1988 ترقى إلى رتبة رائد بناء على كل ما قدمه من عمل وإنتاج وتطوير للخدمات الطبية بوزارة الداخلية، وفي مارس من العام 1999 عاد للعمل في نفس عيادة الأسنان السابقة بأم القيوين، وفي العام 2000 عمل على إنجاز مهم جداً حرمت منه إمارة أم القيوين منذ قيام الاتحاد في 2 ديسمبر 1971، حيث تم إنشاء مركز أسنان في الإمارة، وتم الافتتاح في 2001، حيث وفرت وزارة الصحة بعض الاحتياجات، وبحكم علاقاته المجتمعية حصل على تبرعات من مؤسسة الشيخ زايد بن سلطان، ومؤسسة الشيخ محمد بن راشد، وهيئة الهلال الأحمر الإمارات وكانت بإجمالي 700 ألف درهم تم من خلالها تزويد المركز بالمعدات، إضافة إلى مساهمته في تجهيز المخططات لإنشاء مبنى جديد لمركز أسنان أم القيوين يكون تابعاً للوزارة كمبنى ومركز مكتمل التجهيزات، ولقد تم إقراره في 2005 وبمبلغ 7 ملايين درهم، وبدأ التنفيذ في 2013 وتغير موقع المركز واستقر أخيراً أمام مستشفى الشيخ خليفة العام بمنطقة السلمة وتجاوزت تكلفته الـ30 مليون درهم.