منارات شامخة في حاضر الدولة، وقناديل مضيئة أمام الأجيال.. رجال ونساء تركوا بصماتهم العطرة سيرة كفاح ورحلة نجاح، لم يعرفوا اليأس يوم أن كانت ذات اليد قليلة، ولم يعرفوا الغرور يوم أن أضحت نسائم النجاح عليلة.. في جعبة كل واحد منهم آلاف الذكريات، وفي كلماتهم آلاف العبر.. نقف كل يوم عند محطة جليلة لقامة إماراتية كبيرة.
طفولة عذبة ممزوجة بخوف غرائبي لم يعهده من قبل، خوف يشوبه الأمل والتشبث بالحلم عاشها محمد دياب الموسى في وطنه فلسطين ولاتزال ذكريات قريته بتفاصيلها الكاملة؛ أفراحها، أحزانها، أعيادها، صلواتها، صيامها نضالها، وحتى مآتمها مخزنة في جزء من شخصيته وكينونته لتتشكل ملامح إنسان اسمه؛ محمد دياب الموسى.
ابن قرية
عاش الموسى ابن قرية كفر عانا التابعة لمدينة يافا الساحلية طفولته في ثلاثينات القرن الماضي تحت نير احتلال بريطاني غاشم، وبداية استيطان صهيوني متذكراً في صغره كيف كانت روح المقاومة شق يحارب الاستعمار بجبروته وآخر يتصدى للاستيطان الذي بدأ يرسم خطواته، بدعم من الغرب. يسرد الموسى حكايته التي بدأت في القرن الماضي لتمتد إلى القرن 21 ويقول: كانت المدارس آنذاك بسيطة لكن الرغبة العارمة للتعلم هي السمة الغالبة على الطلبة أما التعطش في الحصول على المعلومة كان يعكس مقدار الشعور بخطر الاستعمار وبداية الاستيطان الذي كان الأشد شراسة في ذلك الوقت إذ كانوا أشبه بعصابات لا يحكمها أي قانون.
على خطى الوالدين
ما أتذكره في بواكير حياتي الأولى عن شهر رمضان تقليد الوالدين والكبار بالصيام، كنا نفرح كثيراً عندما نسمع صوت الأذان يصدح مجلجاً في أرجاء القرية الصغيرة التي يغلفها سياج من المحبة والترابط والتآخي. كنا أسرة واحدة كبيرة، لم يكن في قريتي مدفع بل مؤذن يعتلي منبر المسجد ويبدأ بترديد «الله أكبر الله أكبر» وصوت المؤمن قوي دائماً «وما أن يترامى إلى مسامعنا أذان المغرب حتى نفر راكضين نحو منازلنا لتناول الإفطار مع ذوينا.
روح المقاومة
وبطبيعة الحال الشعب الفلسطيني شعب مسلم فكان الجميع ملتزم بالصلاة والصيام والزكاة، حيث يتجه الجميع للصلاة في المسجد وخصوصاً الجمعة لسماع خطبة الجمعة بصوت إمام الجامع الشجي، كنت أرى وأنا ابن السنوات السبع المقاومة الفلسطينية قليلة السلاح وقليلة التدريب بحكم الظروف آنذاك ومع ذلك لم يثنهم عن العهد برغم أن الاحتلال البريطاني كان يعدم من يجد معه رصاصة أو سلاحاً أبيض؛ فما بالكم ببندقية ولكن المقاومة على الرغم من بساطتها وقمع العدو بقيت مستمرة، وكان الاستيطان اليهودي قد بدأ يمد جذوره بدعم مالي ومعنوي من الغرب.
مع المختار
ومع كل هذه التحديات عشنا سعداء في أرضنا ومع أهلنا رغم الأخطار المحدقة، لا أذكر في صغري أيام الصيام بشكل جلي، لكن ما لا يبرح ذاكرتي أبداً اجتماع الأسرة وأبناء القرية عند كبيرها الذي نسميه مختار القرية يجلسون للتسامر ومناقشة الأوضاع، وكنا نجلس في مجالس الرجال على رغم حداثة سننا فترعرعنا بينهم وعلمتنا المجالس الكثير.
روحانيات رمضانية
وعن الشهر الفضيل يقول: رمضان له نكهة مغايرة، صوم في النهار وسهر في الليل، والدراسة كانت مستمرة بشكل طبيعي لا تختصر الفترة ولا المادة العلمية، وفي القرى دوماً الارتباط بالدين أقوى حيث تتأثر المدينة بالثقافات والجنسيات التي تفد لها، فالحياة منفتحة أكثر وكانت دعوات قوية من المجلس الإسلامي الأعلى ومركزه القدس بالتركيز على الأخلاق والسلوك.
كانت تجهيزات الإفطار لها طقوس لا تمس، فالرجال يتحلقون معاً حول مائدة عملاقة كل شخص يحضر طعامه معه ويقيمون الصلاة في المسجد في حين النساء يبقين في بيوتهن ولا تجد أحداً لا يصوم إلا الأطفال الصغار من هم دون السابعة، فالروحانيات في الشهر الفضيل تغلف المكان فيما يتسابق الجميع للصلاة وعمل الخير.
كان والدي الشيخ دياب كبير القرية ومن الوجوه المعروفة على مستوى المنطقة وممثل قرى منطقة يافا في اللجان القومية التي قامت بعد قرار تقسيم فلسطين وكان مجلسه يجمع كبار القوم الرجال يتسامرون في شتى الشؤون ويقرأون القرآن ويصلون التراويح، ويصلون أرحامهم ويحييون المناسبات الدينية كليلة القدر والتراويح، والجميل أن إخواننا في القرية من المسيحيين يصومون احتراماً ومجاملة لإخوانهم في القرية من المسلمين ومن يفطر لا يمكن له أن يقوم بذلك على مرأى من الصائمين احتراماً لهم، وهي علاقة وطيدة الكل يحافظ على معتقداته الدينية وكانت هذه واحدة من أجمل صور التآخي بيننا وبينهم فالدين يوحد لا يفرق».
عروس البحر
في فسلطين كانت المدارس منتشرة والتعليم متطور، حتى في القرى، نذهب إلى مدارسنا مشياً على الأقدام، فالمسافات في قريتنا قصيرة والحياة تعتمد على الزراعة وأشهرها البرتقال. كنا نذهب إلى مدينة يافا الأقرب لنا «عروس البحر الأبيض المتوسط» هناك نجد طابع الحياة مختلفاً، ودون شك فإن للحقبة العثمانية دوراً ملموساً في التطور الذي كانت تشهده المدينة من بنية تحتية هائلة وكانت قريتنا في منتصف المسافة بين يافا واللد وكان فيها مطار اللد الدولي، وكنا نشاهد مستعمرات اليهود قد بدأت تنتشر نراهم من بعيد ونستشعر الخطر الجديد القادم من الصهاينة بدعم بريطاني، كنا نتفوق في التعليم بصورة واضحة للعيان، وكان أبناء القرى والمدن مدرسة حقيقية في مقاومتهم وصمودهم رغم ضحالة الإمكانيات وتعدد التحديات..
صيام العصفورة
كنت حتى سن الثامنة أصوم صيام ما كان يصطلح الأهل على تسميته«صيام العصفورة» نصف يوم أو الساعات الأخيرة من النهار، وفي عمر التاسعة التزمت بشكل كامل في الصيام وكنت طالباً في الصف الرابع الابتدائي في مدرسة كفر عانا وبقيت فيها حتى السابع الابتدائي، وبعدها أكملت في الكلية العربية بالقدس التي تدرس نخبة الطلبة من كل لواء ويتم اختيار عدد معين وفقاً للتفوق، وكنت من الذين التحقوا بالكلية بعد أن انهيت الصف السابع الابتدائي فيها، و4 سنوات قضيتها في الفترة الثانوية درست الأول والثاني ثانوي وبعدها جاء قرار التقسيم واللجوء وأنهيت صفين فقط وصارت نكبة الـ1948 وخرجنا من قريتنا للجبل وبعدها بدأت أبحث عن مدرسة وأكملت الثانوية في مدرسة الرملة ومن ثم التحقت في الكلية الهاشمية بالبيرة التابعة للرملة.
الحصول على الثانوية كان أمراً صعباً في ظل الانقسام واللجوء عشنا ظروف قاسية وعملت بعد أن أنهيت الثانوية معلماً في مدرسة بيتونيا 1950-1951 لأسافر بعدها إلى الكويت التي كانت تعيش نهضة تعليمية وطلبت حينها عدداً من المعلمين وخضعت لمقابلة عمل مع مجموعة من الرفاق وبالفعل وقع علي الاختيار مع زملاء آخرين وسافرت في العام 1951 وعلمت فيها حتى الـ1954 معلماً في مدرسة خالد بن الوليد ثم في مدرسة الفحيحيل في قرية كبيرة خارج مدينة الكويت وفيها ميناء النفط وفي هذه الفترة طلبت إمارة الشارقة من الكويت معلمين لفتح أول مدرسة وكنت من الأشخاص الذين قبلوا للعمل وسبقني اثنان من زملائي بعدة أشهر هم مصطفى طه وأحمد قاسم البوريني وكنت أنا ثالثهم، وعملت في المدرسة القاسمية أول مدرسة نظامية في الإمارات، وكنت في أول عام مدرساً وفي العام الذي يليه أصبحت مديراً للمدرسة.
رمضان الخمسينات
وفي فترة الخمسينات كان لرمضان نكهة جميلة رغم صعوبة الحياة كنا نصلي معلمين وطلبة في المسجد، وفي طابور الصباح تلاوة القرآن، وبعدها حدث العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وكان المعسكر البريطاني بجانب المدرسة وتم رشق سيارة للمعسكر بالحجارة واستدعيت على إثرها للمعتمد البريطاني وبعدها رجعت للكويت وبقيت فيها حتى عام 1965 وبعدها بعام رجعت إلى وطني فلسطين وعملت في التربية والتعليم وعينت مديراً لمدرسة الأمير حسن الثانوية في بيرزيت أكبر مدرسة في فلسطين وطلبتها في الفرع الأدبي وأصبحت المواجهات بعد احتلال 1967 أشد ضراوة وأصبحنا ونحن شعب يرزح تحت نير الاحتلال والمقاومة حق مشروع وتم في هذه الفترة زج ابنتي في المعتقل وهن في المرحلة الثانوية ولأني خشيت من مسألة إبعادي من بلدي بعد اتهامي كمدير مدرسة بتحريض الطلبة والمسؤول الأول عن الأحداث فاخترت الرحيل.
مفصل تاريخي
قام اتحاد دولة الإمارات وتشرفت بالرجوع إلى حضن الوطن الثاني وكان معظم قادتها من خريجي مدرسة القاسمية الذين تشرفت بالدراسة لهم، وكان صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى للاتحاد، حاكم الشارقة، حاكماً لإمارة الشارقة وهو ممن تشرفت أيضاً بالدراسة له، قد طلب مني القدوم للشارقة وحضرت وكان عبدالله عمران في هذا الوقت وزيراً للتربية وعينت مديراً للتخطيط التربوي لمدة 6 سنوات وبعدها تم تكليفي من قبل صاحب السمو حاكم الشارقة بتولي الدائرة الثقافية، وقضيت فيها 9 سنوات ثم انتقلت لإدارة تلفزيون الشارقة لتسع سنوات، وبعدها ترأست المجلس الأعلى للطفولة، وانتهى بي المقام مستشاراً لشؤون التعليم العام لصاحب السمو حاكم الشارقة.
رمضان.. كريم
ما أجده جميلاً في الشهر الفضيل بدولة الإمارات تقديم وجبات الإفطار التي تقدم في المساجد والأندية والخيم وتضم مئات الآلاف من الصائمين الذين يجدون في الإفطار التي تقدمه المؤسسات الحكومية والرسمية وفاعلو الخير متعة روحية، وهذه شيمة رائعة في الإمارات لا تجدها في دولة أخرى، فهي لا تفرق بين عربي وغير عربي، فغالبية الصائمين من غير العرب إضافة إلى الكثافة في البرامج الرمضانية والدينية والاجتماعية التي تنفذ والجلسات والزيارات ومجالس الحكام التي تشرع على مصراعيها لاستقبال شرائح المجتمع المختلفة وفيها من الفقير إلى الثري ومن المثقف إلى الأمي، والكل يقابل باحترام وفي مثل هذه المجالس تحل كثير من الطلبات للمحتاجين وما أكرم الحكام في رمضان بشكل مميز.