منارات شامخة في حاضر الدولة، وقناديل مضيئة أمام الأجيال.. رجال ونساء تركوا بصماتهم العطرة سيرة كفاح ورحلة نجاح، لم يعرفوا اليأس يوم أن كانت ذات اليد قليلة، ولم يعرفوا الغرور يوم أن أضحت نسائم النجاح عليلة.. في جعبة كل واحد منهم آلاف الذكريات، وفي كلماتهم آلاف العبر.. نقف كل يوم عند محطة جليلة لقامة إماراتية كبيرة.
خبرات طويلة في العمل البرلماني رفع من خلالها اسم الإمارات عالياً خفاقاً في المحافل الدولية، وقامة دبلوماسية محنكة، نثر خبراته الطويلة على أرض الدولة كإذاعي مقتدر ورياضي إداري، عشق عمله وأخلص له وأحبه، شغل مناصب أصبح من خلالها نائباً لرئيس البرلمان الدولي عن المجموعة العربية في دورته الحالية، وعضواً في الاتحاد، لذات البرلمان، كما عمل مديراً لشبكة إذاعة أم القيوين منذ العام 1978 وحتى يومنا هذا، وعضواً في الاتحاد الآسيوي للكرة الطائرة، ونائباً لرئيس مجلس الإدارة في النادي العربي بأم القيوين، فجمع بين البرلماني المخضرم خطيباً مفوها في المشاركات الخارجية، إنه علي جاسم أحمد جاسم، حيث التحق بالمجلس الوطني الاتحادي في العام 1993، وظل حتى الآن يعمل فيه 22 عاماً.
برلماني مخضرم
تلقى علي جاسم تعليمه الابتدائي والمتوسط في مدرسة الأمير بأم القيوين، ثم الثانوي بثانوية دبي، والتعليم الجامعي في جامعة بغداد، والتي تخرج منها في العام 1977، ويروي علي جاسم لـ(البيان) ويحدثنا عن تفاصيل العام الدراسي الأول، متذكراً أول يوم دراسي، حيث كان يشوبه البرد القارس، إضافة إلى التأخير في القبول نتيجة للأعداد الكبيرة من مختلف الدول العربية، مؤكداً أن أسلوب التدريس في الجامعة كان حازماً، ولا للتقاعس والتغيّب، الأمر الذي أكسبهم الانضباط وتحمل المسؤولية، كما إن الطلبة العرب، ومنهم الإماراتيون كانت لديهم أندية وروابط طلابية يلتقون خلالها، فتكونت علاقات وروابط وشيجة.
زيارة الشيخ زايد
لا ينسى علي جاسم زيارة المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان، طيب الله ثراه، إلى العراق، والتي كان مرحباً به كثيراً باعتباره قائد التجربة الوحدوية الناجحة، فالتقى الطلبة الإماراتيين، وحثهم على النيل من مختلف ضروب العلم والاهتمام بالدراسة، فكانت وصيته نبراساً يهتدي به، ما نتج عنه تخرج أعداد كبيرة من أبناء الوطن من جامعة بغداد، فتقلدوا مناصب سيادية عديدة، وعملوا على نهضة وتطور الدولة الوليدة آنذاك، ولعل أبرزهم من أم القيوين عبد الرحمن سعيد غانم والذي شغل منصب وكيل وزارة الاقتصاد سابقاً وعتيق عبد الرحمن عتيق وكيل مساعد بوزارة الصحة، وراشد إبراهيم سلطان والذي شغل منصب مدير شؤون الموظفين الاتحادية.
رمضان في الزمن الجميل
يحدثنا جاسم عن رمضان ويقول: «إن والدته كانت تخشى عليه من الصيام، ولكنه يتظاهر بأنه صائم في المدرسة، وبعد عودته ينظر إلى ما تبقى من فطور الأمس وليمة»، كما أن المستوى الاجتماعي والاقتصادي والمائدة الرمضانية تختلف عن السابق، وهي تحوي العيش والهريس وبعض أنواع الحلويات وأبرزها الكستر والجلي والتي دخلت حديثاً، حيث كان قبلها اللقيمات والتمر، إضافة إلى السحور (الرز الأبيض واللبن) الذي كانت تعده الأم باكراً وتوقظ كافة أفراد الأسرة لتناوله، فكنت أفضل الهريس والثريد في المائدة الرمضانية.
بيوت السعف
كانت بيوت السعف هي الواقي من حرارة الصيف– خاصة– في شهر رمضان، ولرمضان نكهة خاصة وحلاوة يلتمسها جميع مواطني أم القيوين من خلال البساطة آنذاك، كما كان الإفطار في الساحات خارج المنازل كعادة أهل الإمارة، حرصاً على تقوية الروابط الأسرية والاجتماعية، وعقب صلاة التراويح يجتمع الناس في المجالس ويستمعون إلى قصص البحارة البطولية ومغامرات الشواب الشيقة، ويتبادلون الحكايات في جو من الألفة والمحبة، وكانت تلك التجمعات تنمي روح التكافل والتعاضد وحب الآخرين، ويتناولون خلالها الأطباق الشعبية ومختلف أنواع الحلويات المحلية، كاللقيمات الخبيص والعصيدة.
العمل الإذاعي
يتذكر جاسم التحاقه بإذاعة أم القيوين قائلاً: "عندما تخرجت من جامعة بغداد تلقيت اتصالاً من معالي راشد بن حميد الشامسي وزير الشباب والرياضة سابقاً، وكان مديراً للديوان الأميري في أم القيوين، لدعوتي تقلد منصب مدير الإذاعة في العام 1978، وكان العرض مفاجئاً لي لأنه يجهل العمل الإذاعي والفني، ولكني قبلت التحدي وبدأت في الانخراط بدورات في إذاعة الشارقة، ثم إذاعة رأس الخيمة ودبي، وبعض إذاعات دول مجلس التعاون الخليجي والشرق الأوسط، واكتسبت خبرات فنية من شركة ماركوني البريطانية.
العمل البرلماني
يحدثنا ضيفنا جاسم عن تعيينه عضواً في المجلس الوطني الاتحادي عام 1993، عندما كان المغفور له - بإذن الله- الشيخ راشد المعلا حاكماً لأم القيوين، حيث تعرف إلى العمل البرلماني وخاض التجربة مكتسباً خبرات ومهارات من سبقوه في العضوية، فتدرج فيه عضواً ثم مراقباً ثم وكيلاً للشعبة البرلمانية، ثم رئيساً ومقرراً للجان، كما كان العمل البرلماني يبدأ بجزأين، داخلي ويتمثل في الرقابة ومتابعة التنمية، وخارجي يتمثل في الشق السياسي، كما مثّل الإمارات في الكثير من المحافل السياسية الخارجية، مناقشاً للقضايا العربية والعالمية في مختلف الشؤون السياسية والاجتماعية، كما التقى كبار الشخصيات السياسية الأوروبية، وأصبح نائباً لرئيس المجلس الوطني في الفصل الـ14، ثم انتخب للجنة حقوق الإنسان بالبرلمان الدولي، كما تم تعيينه في اللجنة التنفيذية للبرلمان الدولي ممثلاً للمجموعة العربية في اللجنة التنفيذية.
الأكثر نضجاً
ويوضح علي جاسم أن المجلس الوطني الاتحادي أصبحت له لجان عديدة، وأنه خلال الـ10 سنوات الماضية أصدرت الحكومة الاتحادية العديد من التشريعات والقوانين في شتى المجالات، كما إن الدولة تعتبر من أهم الدول في إصدار التشريعات المنظمة سواء للاقتصاد ولحقوق الإنسان، وتلك التشريعات التي تحفظ الموروثات الإماراتية الأصيلة وتعزز من الهوية، إلى جانب التركيز على الدبلوماسية البرلمانية التي أصبحت الناطقة باسم الشعوب لما لها من تأثير قوي، لافتاً إلى أن التجربة الديمقراطية في الإمارات قد أضحت أكثر نضجاً على المستوى العربي والإقليمي، وتطورت من تعيين إلى انتخاب نصف العدد، وتعد الثانية على مستوى الخليج، فنضجت بتمكين المرأة الإماراتية من خلال مشاركتها في البرلمان جنباً إلى جنب مع الرجل، إضافة إلى اختلاف آليات العمل في السلطة التنفيذية عن السابق من خلال وضع الاستراتيجيات والبرامج والميزانيات، ومتابعة تنفيذ الخطط المعلن عنها.
أعد علي جاسم قاموساً باللهجة المحلية من 1500 صفحة – تحت الإنجاز– تشمل كل المجتمع الإماراتي، من بدو وحضر وأهل بحر (السواحل)، حيث تحمس كثيراً ليكتب عن اللهجة الإماراتية المحلية من خلال قاموس يعده بنفسه وسيرى النور قريباً، حيث يهدف إلى الحفاظ على اللهجة المحلية وتمليك ناصيتها للأبناء من الجيل الحالي والذي يليه، باعتبارها لهجة الأجداد والتي يجب الحفاظ عليها من الاندثار.