منارات شامخة في حاضر الدولة، وقناديل مضيئة أمام الأجيال.. رجال ونساء تركوا بصماتهم العطرة سيرة كفاح ورحلة نجاح، لم يعرفوا اليأس يوم أن كانت ذات اليد قليلة، ولم يعرفوا الغرور يوم أن أضحت نسائم النجاح عليلة.. في جعبة كل واحد منهم آلاف الذكريات، وفي كلماتهم آلاف العبر.. نقف كل يوم عند محطة جليلة لقامة إماراتية كبيرة.
برنامجه الرمضاني حافل بالعبادة وصلة الأرحام وإعطاء الوقت الأطول للعائلة ولقاء الأصدقاء، وذكريات الطفولة الأثيرة في الشهر الكريم لا تزال ماثلة في مخيلة رجل الأعمال سلطان الحبتور، الذي يؤكد بحنين المشتاق لما مضى بالقول إن رمضان أول غير رغم الإمكانيات المحدودة.
السفر خلال رمضان لا يدخل أبداً في قاموس الحبتور، وهو يحرص على التفرغ لاستقبال هذا الزائر العزيز، وتلمس بركاته، وخيراته، وفضائل التقرب فيه إلى الله، من خلال قضاء «أيامه» في مجلس بيته، مع أفراد أسرته، وبين أهله وأقاربه وأصدقائه.
ضيفنا درس علوم السياسة والاقتصاد في جمهورية مصر إلا أنه آثر التفرغ لأعمال التجارة، وفي هذا اللقاء، نتجول مع سلطان الحبتور في ذكرياته، ومسيرة حياته الحافلة بالإنجازات والمواقف الجميلة والطريقة، فرمضان بالنسبة إليه شهر عائلي بامتياز، شهر النشاط والعبادة، والتحلل من الأمور الدنيوية، والاشتغال بالعبادات، وقراءة القرآن، وصلة الأرحام وتمتين جسور التواصل مع الأصدقاء والمعارف، وشد عرى الترابط الأسري، ولا يسمح بغير ذلك لاعتلاء قائمة أولوياته في تلك الأيام المباركات التي لا يغيب عن موائدها ولياليها الأخوة والأخوات والأهل والأصدقاء، فمجلسه مفتوح طيلة ليالي الشهر المبارك للغريب قبل القريب.
لحظات جميلة
«لحظات رمضان جميلة دائماً، فهي ذات مذاق خاص لأنها مواقف ثابتة لا يستطيع الزمن إزالتها من الذاكرة بالرغم من كثافة تفاصيل الحياة اليومية العصرية».. يقول الحبتور الذي يبدأ مع اقتراب الشهر الكريم بتقليب شريط محفوظاته الذهنية الحاوي على العديد من المواقف المرتبطة بهذا الشهر، منها الصعب والطريف، ولكنها في النهاية هي حصيلة جميلة تضفي على الشهر الفضيل طابعه الخاص، يستحضرها مبتسماً وإن كانت سبباً للمتاعب حينها، كيف لا، وهي يوميات تدوم في ذاكرة الحبتور، تخصه وحده في شهر الخصوصية، ولا يمحوها الزمن.
ويقول الحبتور: من المواقف التي لا تفارق ذاكرتي، هي تلك المرتبطة بمرحلة الطفولة، حيث كنا نسكن في منطقة الشندغة التي كان أهلها أشبه بأسرة ممتدة واحدة، فما كنا نعده من الطعام يصل إليهم، وما يعدونه هم يصل إلينا، في إطار متين من العلاقات الحميمية بين الجيران، ولم يغب عني مشهد والدي، رحمه الله، حين كان يجمعني أنا وإخوتي للذهاب معه إلى المسجد لنصلي الفجر والعشاء والتراويح.
ويضيف: كنت أعشق ممارسة رياضة كرة القدم منذ الصغر في نادي الخليج بالشارقة، وفي إحدى المرات وخلال أيام الشهر الفضيل تعرضت قدمي للإصابة الشديدة أثناء لعب الكرة، الأمر الذي دفع والدتي إلى منعي من ممارسة هذه الرياضة مرة أخرى خوفاً علي، إلا أن ولعي بهذه اللعبة جعلني أتوسل إليها، وأرسل لها كل معارفنا لإقناعها بالعدول عن قرارها، حتى وافقت، فوجدت نفسي أركض إلى الملعب بكل ما أوتيت من قوة، غير عابئ بإصابتي من شدة الفرحة بموافقتها.
ويقول: تعلمنا خلال تلك الفترة كيفية احترام القيادة الرشيدة، لما لمسناه منها من حنان الأبوة، وتربينا على قناعة بأن الأسرة الحاكمة هي عائلتنا الممتدة، وجذورنا الأصيلة التي لا نقبل المزايدة عليها.
حب ووفاء
في أيام شبابه، حرص الحبتور على قضاء الأسبوع الأخير من رمضان وعيد الفطر في مصر وفاء منه لهذا البلد الذي درس فيه علم السياسة والاقتصاد بجانب دراسته في جامعة العين، ويرى بأن ذلك الإخلاص لمصر يأتي كذلك في إطار رد الجميل لشعبها الذي احتضنه واحترمه أيام الدراسة، ورغم زيارته المتكررة لـ«أم الدنيا» إلا أنه يفضل قضاء الشهر المبارك في الدولة وسط أهله وأصدقائه وذويه.
لم يكن الحبتور يخطط للعمل في غير مجال دراسته، إلا أن أقداره قادته للعمل بالتجارة، وله من الأبناء 4 بنات وولدان، أحدهما يساعده في العمل التجاري، بينما انضم الثاني الذي أنهى دراسة الثانوية العامة أخيراً، للخدمة الوطنية.
في رمضان تصبح الرياضة التي يعشقها الحبتور عادة يومية يمارسها قبل الإفطار، أما يومه الرمضاني فيبدأ من التاسعة صباحاً حين يجلس على مكتبه ليدير أعماله، دون أن يغفل عن قراءة القرآن الكريم، حينما تسمح له الفرصة خلال العمل، فختم كتاب الله في الشهر الكريم أمر لازم لا يفرط فيه مهما تعاظمت أشغاله وظروفه.
وما أن ينهي الحبتور دوامه المكتبي، حتى يعود إلى منزله ويستكمل قراءة القرآن، ثم أداء صلاة العصر قبل أخذ غفوة قصيرة، يستعيد خلالها نشاطه ويستجمع قواه لممارسة الرياضة، قبل أن يتهيأ للفطور الذي يفتتحه بالتمر والقليل من العصير أو اللبن، ثم يذهب بصحبة أبنائه إلى المسجد لأداء صلاة المغرب ثم يعودون للمنزل لتناول الفطور على مائدة حافلة بالأهل والأصدقاء، وغنية بالأكلات الشعبية مثل «الثريد والهريس واللقيمات» وغيرها من الأكلات التي تشتهر بها المائدة الإماراتية في رمضان.
30 ليلة
وعلى مدار ليالي الشهر الكريم، يبقى مجلس سلطان الحبتور عامراً بالأهل والأقارب والأصدقاء، وحتى المارة من المسلمين وغيرهم، ويحرص على الالتقاء بهم وتحديداً بعد صلاة التراويح إلى حين انتصاف الليل، حيث يتناول طعام السحور معهم قبل أن يتوجه إلى مجلس صديقه المقرب «زياد كلداري» ليلتقي أصدقاء آخرين لم يتمكن من رؤيتهم خلال بقية العام بسبب مشاغل الحياة، فيجدونها فرصة للسمر وممارسة الألعاب الشعبية ومشاهدة التلفاز وتبادل أطراف الحديث في المواضيع والقضايا العامة بعيداً عن العمل.
رمضان أول غير
ويرى سلطان الحبتور أن «رمضان أول غير»، لجهة بعض العادات والقيم والأصيلة، رغم أن الإمكانيات كانت محدودة، بعكس الوضع الآن حيث تنتشر المراكز التجارية والخيم الرمضانية المفتوحة.
ويقول: في السابق كنا نلعب في الفريج ونجتمع في المجالس التي كانت بمثابة المدارس التي نتعلم منها الحكمة من الكبار، كما أن المجالس كانت تلعب دوراً مهماً في غرس القيم الاجتماعية، والعادات والتقاليد في المجتمع، من خلال اصطحاب الآباء أبناءهم إلى مجالس الكبار، أما الآن فيرتاد الشباب الخيم والأسواق عوضاً عن المجالس، ما جعل مظاهر رمضان تختلف على مر السنوات، ومنها ما استمر وبقي ومنها ما اندثر وأصبح في طي النسيان، غير أن أهل الإمارات استطاعوا الاحتفاظ بالعادات والتقاليد المتوارثة، إذ يعطي الشهر الكريم رونقاً وبريقاً في تعزيز حالة التواصل الاجتماعي بين الناس وإذكاء روح المودة والتسامح بينهم.
3 أيام
تختلف ليالي رمضان عن غيرها من بقية الشهور لدى سلطان الحبتور الذي يفضل استغلال تلك الليالي في الطاعات وصلة الأرحام، طامعا ًفي نيل الأجر والثواب، ولذلك يحرص في كل رمضان على تخصيص ثلاثة أيام متواصلة لقضائها وسط أقاربه في العاصمة أبوظبي.
كما يمارس رياضة المشي باستمرار خلال أيام الشهر الفضيل، ولكونه من عشاق رياضة كرة القدم فإن مشاهدة المباريات على شاشات التلفاز فقرة ثابتة في برنامجه اليومي، فهو متابع جيد لكأس أوروبا.