منارات شامخة في حاضر الدولة، وقناديل مضيئة أمام الأجيال.. رجال ونساء تركوا بصماتهم العطرة سيرة كفاح ورحلة نجاح، لم يعرفوا اليأس يوم أن كانت ذات اليد قليلة، ولم يعرفوا الغرور يوم أن أضحت نسائم النجاح عليلة.. في جعبة كل واحد منهم آلاف الذكريات، وفي كلماتهم آلاف العبر.. نقف كل يوم عند محطة جليلة لقامة إماراتية كبيرة.
أحمد سلطان السلامي آخر أوائل تجار مدينة العين، و«شاهد إثبات» على التحولات والتغيرات التي شهدتها هذه المدينة بكل مكوناتها خلال سبعة عقود من الزمن، بحكم عمله في تجارة مستلزمات اللباس الوطني في السوق القديم منذ عام 1948، والتي طرّز خلالها قصصاً وحكايات، مرصعة بالذكريات الجميلة، ومعطرة برائحة الماضي والأصالة والعراقة.
قد يبدو من الصعب الاستمرار طويلاً في مهنة واحدة، والصبر على مشقتها ومنغصاتها، لكن السلامي تاجر خبرة وقناعة وصاحب أسلوب في التعامل مع زبائنه وهو ما مكنه من الحفاظ على خصوصية المكان رغم تطور الزمان، متسلحاً بقناعته بأن «التجارة ليست شطارة، وإنما حظ ورزق من الله عز وجل» يقول السلامي الذي يرى كذلك أن الشطارة «كذب ونفاق».
مبادئ وقيم
محله الذي تأسس نهاية أربعينيات القرن الماضي، مازال صامداً وسط سوق العين القديم، شامخاً بعراقته واسمه وسمعته، وصارت جلّ تفاصيله ومكوناته المعتّقة جزءاً أصيلاً من المكان والزمان، ومزاراً لاستحضار الماضي الذي يمكِّن العميل العودة إليه بمجرد أن تطأ قدماه أرض المحل.
السلامي نشأ كأبناء جيله في بيئة اجتماعية متحابة، ووالده من الميسورين الذين يملكون أشجار النخيل، إلا أنه يرجع الفضل في ازدهار تجارته بعد الله سبحانه وتعالى إلى المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي «فتح لنا باب السعادة والرخاء، عندما تولى الحكم عام 1946، واستطاع بحكمته أن يؤسس لبناء دولة عصرية بأفكاره التي تتطلع إلى المستقبل في مجالات الحياة كافة، حيث بنى سوقاً للمدينة من اللبن والطين، وتابعه بنفسه، حتى إنه كان يعرف أبناء المدينة بأسمائهم، وهو من شجعهم على التجارة والزراعة، وجعل من سوق العين مركزاً تجارياً ومن أرضها واحات وحدائق غناء».
القراءة والكتابة
وعن تعليمه يروي لنا أنه تعلم القراءة والكتابة في سن العاشرة على يد الشيخ حمد بن حمدون، وكان وبقية الطلبة يتلقون التعليم تحت ظلال أشجار النخيل، قرب مسجد علي بن حمد المطوع وسط واحة العين الآن، ويتذكر أنه عندما تسلم المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان الحكم، جاء برفقته معلم اسمه محمد سعيد محمد الزمان، وبنى له غرفة أطلق عليها معهد العلم والثقافة، بالقرب من مسجد الزرعوني مقابل الجمعية التعاونية اليوم.
خيرُ زايد
ويعقد السلامي مفارقة بين حياة أهل مدينة العين قبل وبعد حكم المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان طيب الله ثراه، ويقول: «حياتنا في الماضي كانت صعبة، فالمواد التموينية كانت تصلنا من الهند إلى دبي عبر المراكب الكبيرة، وكنا نذهب على ظهور الجمال لنقل الرز والسكر والطحين من هناك، وأحياناً نقطع مسافات عبر الصحراء مشياً على الأقدام، لكن عندما استلم الشيخ زايد الحكم، أخذ على عاتقه تغيير أحوال المواطنين الذين عانوا وصبروا، إيماناً منه بارتباطهم بالأرض، وراح يبني للناس المساكن والمزارع ويوفر لهم المياه والكهرباء والمدارس وأصبحت المنطقة تمتلك مقومات راحة الإنسان.
الأمن والأمان
ويضيف السلامي: «عندما استلم الشيخ زايد،رحمه الله، الحكم في العين عام 1946، بنى برج المراقبة وأنشأ الأسواق وشق الطرقات وصان الأفلاج، وأشرف بنفسه على بناء قلعة «المربعة» لتكون أول تجمع للشرطة في المدينة، قبل أن يكلفني أنا وعلي بن دري المنصوري، ومحمد بن شيبان المهيري، وسيف بن غيث السويدي بالإشراف على هذه المربعة، وبعد خدمة 10 سنوات في شرطة هذه القلعة، منحني،طيب الله ثراه، ترخيصاً لتأسيس دكان في السوق، فكنت والمرحوم علي بن صالح من أوائل التجار».
وعند بدايات السوق يقول: «السوق في بداية الستينيات كان صغيراً، وشيد من الطين وسعف النخيل، ويحتوي على محلات لبيع الحبوب والبن والأرز والسكر والبهارات والعطور وأوراق التبغ المجففة والسمك المجفف، وكانت الأسر تعيش من مردود بعض الزراعات ومن النخيل الذي كانت تتاجر ببعض أصنافه لتغطية مصاريف الحياة».
الصدق والأمانة
ومن مخزون ذكرياته يستحضر لنا السلامي قصة كان المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان،طيب الله ثراه، شاهداً عليها أثناء تفقده السوق وهي: جاء رجل ليشتري بعض الأغراض، وبعته إياها بـ70 روبية، حيث أعطاني 100 روبية، وأرجعت له الباقي وانصرف، ثم عاد بعد وقت من الزمن معاتباً أنني لم أُعد له المبلغ المتبقي، واتهمني بسرقته، وفي تلك اللحظة حضر الشيخ زايد، رحمه الله، وسأل عن المشكلة، وعرف أن الرجل يتهمني بالسرقة، فغضب رحمه الله كثيراً، فاقتربت منه وأنا واثق من نفسي، وقلت له حساب «الريال» يا طويل العمر كتبته على ورقة وسلمته إياها وأنا بريء من هذه التهمة، فربما يكون خبأ المبلغ في مكان ما ولم ينتبه إليه».
ويروي تكملة القصة: «لما اقتنع الشيخ زايد بكلامي طلب من الرجل أن ينزل أغراضه من على ظهر الناقة ويضعها على الأرض، وقال لي اقترب يا سلامي وأبحث بين أغراضه وفي ثيابه، وقتها بدأ الرجل يرتجف ويتلون، وعندما وجدنا المبلغ في حوزته، نظر إليه الشيخ زايد وقال له: «اذهب من هنا، ولا تأتي السوق مرة ثانية وليس لدينا تجار بهذه الصفات، ولا تكرر هذا الأسلوب مع الناس، وأعلم أن هؤلاء التجار اخترتهم بنفسي، وفيهم الأمان والصدق، وأنا واثق من معاملتهم».. فمشى الرجل ذليلاً على مرمى ومسمع تجار السوق.
اللباس الوطني
وعن اهتمامه بتجارة الملابس الوطنية، يروي السلامي، أنه منذ ثلاثين سنة ارتبط اسم محلاته باللباس التقليدي، بدءاً من الكندورة إلى البشت والغترة والعقال، فالزي الإماراتي بدأت حلته تظهر أول السبعينيات ودخلت ألوان جديدة إلى الأسواق وخامات متنوعة، وعادة ما يغلب على الكندورة اللون الأبيض، والفرق بين كندورة اليوم والأمس، هو طريقة الصناعة التي تطورت وارتقت، ونوعية الأقمشة والحياكة وخيوط التطريز التي تظهر بشكل أنيق على الأفراد الذين يرتدونها.
وعن الغترة، هناك نوع يسمى «الدسمال»، وهي صوفية سميكة، تلبس في فصل الشتاء، أما البشت فهو علامة الوجاهة والهيبة، وهناك مثل شعبي يقول «عشت ولبست البشت»، والبشت اليوم يقتصر على المناسبات الرسمية والأعياد والأعراس.
هوايات السلامي
على الرغم من تقدم أحمد سلطان السلامي بالعمر، إلا أنه يستيقظ عند صلاة الفجر، ويؤدي الصلاة في المسجد المجاور للمنزل، ولديه هواية القراءة سيما قراءة الكتب التاريخية والدينية والتراثية، كما يحرص على مطالعة العناوين الرئيسة للصحف اليومية، وأهم رياضة يمارسها، المشي داخل واحة النخيل المجاورة لمحلاته التجارية وسط مدينة العين.