لغته لا تعرف المستحيل، وطموحاته لا يحدّها حد، تربى على قيم العطاء فأصبح أحد رموزه، قناعته تتلخص بأن بركة المال والعقل تأتي عبر مساعدة الآخرين والتخفيف عنهم، لا سيما في ظل قيادة تجسد في سياستها روح العطاء والإغاثة.

معالي جمعة الماجد الذي لا تكفي المجلدات لكتابة سيرته، له في بساتين الريادة والعطاء زهور يانعة، يسقيها بوفائه وحرصه وعطفه، ابتداءً من عمل الخير الذي استظل به أهل الشرق والغرب، ومروراً بالثقافة والكتب واللغة العربية التي بنى معها صداقات خالدة، فضلاً عن دعم التعليم الذي خصص له المدارس والمنح الدراسية العليا.

وما بين نشأته في أسرة فقيرة كانت عاجزة عن تأمين تكاليف الدراسة له، إلى تجارته التي انطلقت بـ700 روبية ينقلنا جمعة الماجد في رحاب النجاح مؤكداً أن كلمة السر في ذلك هي «دبي».

النشأة

نشأ معالي جمعة الماجد في منطقة الشندغة التاريخية التي كانت منعزلة في ذاك الوقت، مقارنة بمنطقة ديرة التي اشتهرت بحركتها التجارية الكبيرة لا سيما في قطاع الأقمشة، حيث كان يقصدها التجار والأفراد من الإمارات والدول المجاورة.

بدأ معاليه تعليمه بدراسة القرآن الكريم في منزل أحد أهالي الحي الذي كان يقطنه، ثم انتقل بعد ذلك إلى مدارس الفلاح النظامية التي شيدها محمد علي زينل تاجرُ اللؤلؤ، قبل أن يتحول إلى الدراسة لدى أحمد القمبري مدرسِ لغتي العربية والإنجليزية، ومن ثم إلى حسن ميرزا الذي كان عائداً من الدراسة في الهند.

10 روبيات

يقول معالي جمعة الماجد: كانت رسوم الدراسة عند القمبري 10 روبيات، ارتفعت إلى 20 روبية لدى المعلم ميرزا الذي تحدثت إليه حتى يخفض لي تلك الرسوم، فوافق بعدما أدرك إصراري على التعلم، لكني تركت الدراسة بعد فترة من الزمن، وانتقلت إلى العمل مع خالي عبدالرحمن الغرير بوظيفة محصل أموال من التجار الذين كان يشترون منه البضائع، إضافة إلى إحضار البريد، ثم تركت هذه الوظيفة بعد سنتين من الالتحاق بها، وافتتحت محلاً لبيع القماش في منطقة ديرة بدعم وتشجيع من خالي عبد الرحمن الذي زودني بكمية من القماش بقيمة 700 روبية.

جرد سنوي

ويتابع معالي جمعة الماجد: استعنت بأصدقائي وجيراني في السوق بشأن تجارتي الجديدة، ورحت أعمل باجتهاد حتى حققت في نهاية ذاك العام أرباحاً بنحو ألفي روبية، وفق ما أخبرني الفقيد محمد القاز الذي زارني في ذاك الوقت ومعه شخص آخر بغية الجرد السنوي، وحساب الأرباح.

ويضيف معاليه: في تلك الفترة كان المغفور له محمد القاز يذهب إلى الكويت للتجارة، فاقترح علي بعد مرور عامين من تأسيس المحل أن أذهب معه إلى هناك، فرفضت وقلت له إنني راض عن تجارتي، إلا أنه أقنعني بفكرته فكانت بداية مرحلة جديدة من الشراكة معه رحمه الله.

الشراكة مع القاز

وعن بداية شراكته مع المغفور له القاز يقول معاليه: «كانت السفن والبواخر والمراكب وسيلة نقل البضائع، حيث كنا نبحر ونحن جالسون على السطحة، وهي المساحة المفتوحة على ظهر الباخرة، وفي اليوم الذي وصلت فيه مع المرحوم إلى الكويت، أعطيته 500 روبية اشترى لي بها بعض البضائع، فكانت تلك الرحلة بداية الشراكة معه والتي استمرت 12 عاماً، قبل أن أذهب لتوسيع تجارتي، مستغلاً نهضة دبي الاقتصادية، فيما فضل القاز استرداد حصته والعمل بمفرده، دون أن ينتقص ذلك من صداقتنا ومحبتنا المتبادلة».

كلمة السر

«دبي، كانت ولا تزال، كلمة سر النجاح لرجال الأعمال والتجار»، هذا ما يؤكده معالي جمعة الماجد، الذي يرى أن المغفور له الشيخ راشد بن سعيد وضع اللبنة الأولى لتطور هذه الإمارة عندما أسس مجلساً اقتصادياً لدعم التجار والأفراد، فكان نواة لتوجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بإنشاء مؤسسة محمد بن راشد للمشاريع الصغيرة والمتوسطة.

ويضيف معاليه: كانت لدى المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد نظرة واسعة في قراءة المستقبل، والأمثلة على ذلك كثيرة منها ميناء راشد الذي كان في بداية الأمر يجسد رغبة لتعميق مياه الخور لدخول السفن والمراكب التي كان يصعب عليها ذلك سابقاً، إضافة إلى المركز التجاري العالمي الذي أصبح منصة عالمية وملتقى حضارياً تنطلق منه الأفكار، وتذاع على منبره آلاف المشروعات للعالم.

ويتابع معاليه في سياق الحديث عن رؤية المرحوم الشيخ راشد بن سعيد قائلاً: رؤية دبي التي وضعها الشيخ راشد بن سعيد طيب الله ثراه، ترجمها المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وعندما كان يطلق المغفور له الشيخ راشد بن سعيد المشروعات، كنا نقول له إنها كبيرة، ودبي ليست بحاجتها في الوقت الحالي، فيرد علينا «بعدكم ما شفتم شي».

«لم ندرك ما كان يطمح له الشيخ راشد بن سعيد إلا بعد أن شاهدنا القفزات التي حققتها دبي، بفضل رؤيته الثاقبة طيب الله ثراه، فمشروعاتها رائدة في نوعها، وتلخص معنى الابتكار».. يقول جمعة الماجد، ويضيف: «لقد أدركنا ما كان يريده طيب الله ثراه، وبعد وقت من الزمن سوف يدرك الناس ويعرفون حاجتنا للفضاء».

دعم التعليم

عندما نتحدث عن دعم رجال الأعمال لقطاع التعليم في الدولة، فإن أول من يحضر في أذهاننا هو معالي جمعة الماجد صاحب البصمة البارزة، والباع الطويلة في افتتاح المدارس الأهلية الخيرية، وكلية الدراسات الإسلامية والمصرفية في دبي، وفيها تخرج العديد من المواطنين والمقيمين، بجانب دعم الطلبة الجامعيين.

وعن بداية دعمه للتعليم يقول معاليه: «في أحد أيام الصيف، كنت متجهاً إلى مطار الشارقة لاستلام بعض البضائع، ولدى وصولي إلى هناك، لفت انتباهي مشهد تجمهر بعض الطلبة أمام أحد الأكشاك، حتى أنني ذهبت لاستلام البضاعة وعدت وهم ما زالوا في المكان عينه، فقصدتهم لاستكشاف الأمر، فأخبروني بأنهم طلبة من سكان منطقة الخان، وأن السيارة التي تقلهم إلى منازلهم قد تأخرت، فاصطحبتهم معي بسيارتي، وأوصلتهم، قبل عودتي إلى دبي التي وصلتها متأخراً، حيث كان المغفور له محمد القاز ينتظرني بقلق، مخافة أن يكون قد أصابني مكروه».

ويضيف: عندما وصلت القاز، سألني عن سبب تأخيري، فأخبرته بأنني سوف أجيبه في الغد، وبالفعل التقيته في اليوم التالي، وأشرت إليه بأنني سوف أوفر وسيلة مواصلات لنقل الطلبة إلى المدرسة، وتم الاتفاق مع سائق بأجرة شهرية.

توفيق

يقول معالي جمعة الماجد إن هناك الكثير من رجال الأعمال وأصحاب المال في دول كثيرة لم يوفقوا في عمل الخير ومساعدة الفقراء، لافتقار دولهم المناهج والمؤسسات التي تعد قنوات أساسية تضخ من خلالها المساعدات إلى آلاف المحتاجين، إضافة إلى تشديدات قوانين هذه الدول، بخلاف دولة الإمارات التي تبارك قيادتها الحكيمة أعمال الخير وتحث مواطنيها على المضي في هذا الالتزام الإنساني الذي أضحت بصمته واضحة في دول عدة، وساهم في التخفيف عن المنكوبين من الصراعات والكوارث الطبيعية دون تميز لعرق أو دين.