«إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».. دستور جليل وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحمل في طواياه معاني التسامح والتعايش، ويرسم خارطة للإنسانية جمعاء محورها قبول الآخر، ويبني مستقبلاً للمجتمعات لا يعرف الإقصاء. على امتداد الشهر الكريم نستشف عبق الأريج الإنساني في رسالة الإسلام، ونقف عند شخصيات من تاريخنا حققت معادلة الإيمان والإحسان.
التسامح والعفو عن الآخرين خلق نحتاج إليه في الرخاء والشدة، فما زال صاحب النفس المسامحة شخصاً رفيع القدر، عظيم المكانة، وها هي حادثة الإفك تبين لنا قيمة التسامح والعفو، هذه الحادثة كانت من أصعب الأحداث وأشدها بلاء على النبي، عليه الصلاة والسلام، والصحابة، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، جاءت قصتها وآدابها في القرآن في سورة النور تحديداً، لتكون هذه الحادثة منهجاً منيراً لنا في حياتنا، وبعد شهر من هذه البلاء وهذا الاتهام، جاءت الآية "إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم" والإفك هو أشد الكذب، وبين لنا سبحانه أن هذا الأمر خير لكم، كون البلاء يذهب الخطايا والذنوب ويجعل الشخص نقياً، وأيضاً خير لكم كونها نزلت عليكم آيات تنظم لكم حياتكم، وتقرب بينكم، وتجعل بينكم التراحم والتعاطف والتسامح لتكون هذه الأخلاق هي المخرج لكم من الفتن في قادم أيامكم، وكان ممن تكلم رجل يقال له مسطح وهو قريب لأبي بكر، رضي الله عنه، وكان أبو بكر ينفق عليه قبل الحادثة فامتنع بعد أن تكلم، فأنزل الله هذه لآية "ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربي والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم" فقال أبوبكر: بلى، والله إنا نحب- يا ربنا- أن تغفر لنا، ثم رجع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة، وهذه القصة المختصرة تبين لنا قيمة العفو عند المقدرة، وأن الجزاء من جنس العمل، فكلما عفوت عن الناس المخطئين المعترفين بذنبهم نلت مغفرة ربك كما قال تعالى "ألا تحبون أن يغفر الله لكم" وهذا أسلوب إغراء وتشجيع، يجعل القلوب الصادقة تشمر عن ساعدي الجد، ويجعلها مقبلة ومسارعة إلى العفو.
وجاءت أيضا قصة أخرى تؤكد هذا الجزاء، أن رجلاً كان يداين الناس، فكان يقول لفتاه إذا أتاك معسراً فتجاوز عنه لعل الله يتجاوز عنا، فلقي الله فتجاوز عنه، فمن تعامل مع الناس بود ورأفة ومودة وأحسن إليهم وحافظ على حقوقهم ونصرهم، كان الله معه، ومن كان الله معه لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، كما قال عليه الصلاة والسلام "إن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"، وهو ها يوسف عليه الصلاة والسلام، قال لإخوته بعد أن أظهره الله عليهم، ونصره عليهم "لا تثريب عليكم اليوم"، فكمل عزه، وظهرت حجته، وارتفعت مكانته، مع أنه كان يستطيع الانتقام منهم بكل سهولة، ما دام أنه بلغ ما بلغ من المكانة الدنيوية، وصار على خزائن الأرض.
ومن صور التسامح أيضاً، إيقاف الظالم عن ظلمه، كما جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قالوا يا رسول الله هذا ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟ فقال: يكفّه عن الظلم، فذاك نصره إياه"، فهذا الحديث يبين لنا أن منع الظلم، وإيقاف كيد الكائد دليل على نصرته في الحقيقة، لأنه لو لم يكن ذلك ستكون فوضى، وسيستغل ذلك من أراد بالناس سوءاً ومكراً، ولذهب كل ظالم بظلمه، وكل قوي بقوته، ولصارت أموال الناس وأعراضهم عرضة للآخرين، وعلى هذا يحمل معنى قوله تعالى "وجزاء سيئة سيئة مثلها" قال بعض المفسرين، هذه الآية في حق من يرى القبيح حسناً، ويظلم الآخرين بجبروته، هنا لابد من إيقافه عن طريق الجهات المختصة لكي يدوم أمن الناس واستقرارهم، وهذا يكون باعتبار النظر إلى المصلحة العامة التي يكون فيها الخير للمجتمع أكمل، ومن هنا تظهر لنا سماحة الإسلام حتى مع الظالم.
* رئيس شعبة إدارة الجلسات الأسرية في محاكم دبي