استثار رجل أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز، رحمه الله، فهم أمير المؤمنين أن يوقع به ثم لم يلبث أن قال: أيها الرجل، أردت أن يستفزني الشيطان بعز السلطان فأنال منك اليوم ما تناله مني غداً، اذهب فلا حاجة لي بذلك وعفا عنه، وهذا يذكرنا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"، وهذا نوع أيضاً من أنواع التسامح، فليس التسامح أن تفعل الخير فقط ، ولكن يدخل فيه أيضا منع الشر عنهم، كون الإنسان في صراع بين الخير والشر، وترك الشر عن الآخرين يعد أيضاً من القربات إلى الله.
كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل أي الناس أفضل؟ قال: "رجل يجاهد في سبيل الله، قالوا ثم من؟ قال: مؤمن في شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره"، فهذا الحديث يبين لنا جلياً أن ترك إيذاء الناس علامة من علامات الخير في هذا الشخص، وأنه بذلك يتقرب إلى ربه، عن طريق الإحسان إلى الآخرين، فإنه يحق لكل إنسان أن يعيش بسلام، وأن يخالط الناس بأمان، ويتعايش معهم بمحبة واستقرار، وأن الذي يؤذي الآخرين سواء بلسانه أو يده، يكون قد خالف هذا المفهوم، وعليه أن يراجع نفسه ويحاسبها ويصوّب طريقها، لذا من نظر إلى أصول الدين ومقاصد الشرع يجد القاعدة المتفق عليها عند المسلمين أن كل شيء يؤدي إلى الخصومة بين الناس والتنازع والقتل، يكون محرماً.
وأن الوسائل لها أحكام المقاصد، فنجد أن الدين حرم الغيبة والنميمة، وحرم أكل أموال الناس بالباطل، وحرم الزنا والسحر وغيرها من الأمور لأنها تؤدي إلى الفوضى والنزاعات والخلافات والفتن وزعزعة الأمن الاجتماعي وقطيعة الرحم وانصرام حبال المودة بين الأصحاب والأحباب، بل بمجرد أن يشير الشخص على الآخر بحديدة أو نحوها لعنته الملائكة كما جاء في الحديث، لأنه قد يتمادى بعد ذلك ويصل به الحال إلى قتله واستحلال دمه، وجاء في الحديث أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يأخذ أحدكم متاع أخيه، جاداً أو هازلاً" حتى لو كان هزلاً لا يجوز إيذاء الآخر ولو كان يسيراً في ظنك، كما قال الله في حادثة الإفك "وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم"، قد يكون الشيء هيناً بالنسبة إليك ولكنه عظيم في ميزان الدين، خاصة التسبب في تضييع حق الغير لأن ذلك يؤدي إلى الأحقاد والتباغض والتباعد، وهذا يبين مدى اهتمام الشرع بالصلح بين الناس والسماحة بينهم والابتعاد عن كل ما يؤدي إلى تنغيص حياتهم واستقرارهم في مجتمعاتهم.
الدين المعاملة، لم يغفل عن هذه الآداب، بل أكد عليها وشجع عليها، ورتب لها الأجور العظيمة لتبقى وتستقر في النفوس، ليعم الخير، فها هي المرأة التي كانت تصلي وتصوم إلا أنها كانت تؤذي جيرانها، فقال عنها النبي عليه الصلاة والسلام "هي في النار"، وامرأة أخرى دخلت النار في هرة كونها حبستها من الطعام، فلو كان هذا مع الحيوان، كيف إذن الحال مع الإنسان!
لذا علينا أن نتحلى مع الناس بالكلمة الطيبة، نتكلم بها وندعو إليها، نعظم حقوق الناس، ولا نتسلط عليهم لا باللسان ولا باليد، وكما أننا نعبد الله بفعل الطاعات، نعبده أيضاً بحفظ حرمة الناس وعدم التعدي عليهم بأي نوع من الإيذاء، ومن الإيذاء أيضاً الدخول في خصوصيات الناس وتتبع عوراتهم وفضحهم، والاستهتار في الطرقات ومخالفة أنظمة المرور التي تؤدي إلى زهق الأرواح كما يحدث في ما يسمى بـ"التفحيط"، والصور في ذلك كثيرة، كل شيء يؤدي إلى إيذاء الغير حسياً كان أو معنوياً فإنه منهي عنه ويخالف رسالة التسامح.
* رئيس شعبة إدارة الجلسات الأسرية في محاكم دبي