لقد ظلّ الأدب الإيماني يتنقل في سلوك الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم يتوارثونه كما يتوارثون العلم ويربُّونَ عليها ناشئتهم جيلاً بعد جيل.
وفي هذا المعنى يقول التابعي مجاهد بن جبر: صحبتُ ابن عمر لأخدمه فكان يخدمني وقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلاَّم صاحب كتاب الأموال: ما دققْتُ على محدِّثٍ بابه قَطّ، وفي رواية: ما أتيتُ قطّ فاستأذنت عليه، ولكن صبرتُ حتى يخرج إلي وإني تأوّلتُ قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾.
وفي قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.
فضيلة العفو
قال ابن كثير: وما أحسن ما استنبط الإمام مالك، رحمه الله، من هذه الآية الكريمة: أنَّ الذي يَسُبُّ الصحابة ليس له من مال الفيء نصيب لعدم اتّصافه بما مَدَح الله بِه هؤلاء في قولهم ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾.
ويذكر المؤرخون أنَّ زين العابدين كانت جاريتُه تصب الماء على يديه فوقع عنها الكوز فانكسر فنظر إليها غضباً فقالت له: (والكاظمين الغيظ) قال: كظمت غيظي.
قالت: (والعافين عن الناس) قال: عفوتُ عنك.
قالت: (والله يحبُ المحسنين) قال لها اذهبي فأنت حْرَّةْ لوجه الله.
لقد كان لكتاب الله وكلامه هيبة في نفوسهم ترتجف به فرائصهم ويقولون: سمعنا وأطعنا.
ذكر الله
ورَوى عبدالله بن نافع عن أبيه عن عمر قال: ما رأيتُ عُمرَ غضب قَطّ فذُكر الله عنده أو خُوّف أو قرأ عنده إنسان آية من القرآن إلا وقف عما كان يريد.
وقال سليمان بن حرب: كان حماد بن زيد إذا حدَّث قرآناً نتكلم لم يُحدثنا.
منزلة الأدب
ومما يثير الاهتمام في كتب العارفين أن أرباب السّلوك في مصنفاتهم قد اعتادوا أن يُفْردوْا للأدب باباً مستقلاً، ويعدّونَه من المنازل الإيمانية العالية الغالية التي لا تُنال بالقيل والقال ولا الانشغال بسفاسف الفعال، وإنّما هو نوع من السمت الإيماني الذي يكسو صاحبه الوقار، ويضفي عليه الرزانة والهيبة مَنّاً من الله وكرامةً .
وهذه المنزلة عند القوم مرتبطةٌ بالعلم لا تنفكُ عنها أبداً.. ولعلّنا لا نعجب إذا ما أطربت مسامعنا مقالة رائدهم وحادي مسيرتهم الإمام الجليل عبدالله بن المبارك: (نحن إلى قليل من الأدب أحوج منّا إلى كثير من العلم).
ثم بين هذه الحقيقة بقوله: (الأدب معرفةُ رُعونة النّفس وتجنّب تلك الرعونات).
وقال أصحاب عامر الشعبي له:
إنا لنستحي من كثرة ما نسأل فتقول لنا لا أدري؟
فقال: إن ملائكة الله المقَّربين لم يستحيوا حين سُئلوا عما لا يعلمون فقالوا:
﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.
وكان يقول: إنَّ الفقيه من ورع عن محارم الله والعالم مَنْ خاف الله وآفة المودَّة خُلْف الوعد.
التحذير من التقصير
كان الإمام أبو سليمان الدراني يحذر أصحابه من التقصير في السّنة لأنه يحرم العبدْ من الأدب الذي يلحقه بزمرة الصالحين، فقد شكى إليه أحدهم أنه لم يوتر البارحة ولم يصلِّ سنة الفجر؟ فأجابه محّذراً: بما كسبت يداك، وما الله بظلام للعبيد، شهوة أصبتها، أحذر صغير الذنب فإنه يجرُّ إلى كبيرة، وكان يقول: مَنْ أحسَن في نهاره كُفي في ليله، ومَنْ أحْسَن في ليله كُفي في نهاره، ويقول: ذهب المطيعون لله بلذيذ العيش في الدنيا والآخرة.
* أستاذ جامعي وإعلامي