«إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».. دستور جليل وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحمل في طواياه معاني التسامح والتعايش، ويرسم خارطة للإنسانية جمعاء محورها قبول الآخر، ويبني مستقبلاً للمجتمعات لا يعرف الإقصاء. على امتداد الشهر الكريم نستشف عبق الأريج الإنساني في رسالة الإسلام، ونقف عند شخصيات من تاريخنا حققت معادلة الإيمان والإحسان.
إذا تخلّق الشخص بخلق التسامح ظهر ذلك على سلوكه مع الآخرين، فيكون إنساناً كريماً، طيباً، سهلاً ومتواضعاً، والتواضع خلق شريف كريم، يعد من أرفع الأخلاق ودليل محبة رب العالمين، هو الطريق إلى سعادة العبد في الدنيا والآخرة، هو السبيل لحصول الرفعة والبركة في المال والعمر، هو الذي يجعل الناس الصادقة تحبك وتتأثر بك، هو خلق الأنبياء والصالحين، أثنى الله، عز وجل، على عباده المتحلين بخلق التواضع بقوله: «وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً»، وقال مخاطباً نبيه عليه الصلاة والسلام، وهو في الحقيقة خطاب يوجه للأمة من باب أولى: «واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين»، إشارة إلى أنك كقائد ستكسب من معك بالتواضع ليس بالجاه والمال فقط، وعندما جاء النبي، عليه الصلاة والسلام، بالرسالة إلى قومه، رفض جمع من الكبراء الإيمان به بحجة أن أتباعه ضعفاء وفقراء ورعاة الغنم، حالهم كحال قوم نوح عندما قالوا له «ما نراك إلا بشراً مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادئ الرأي» هنا علم الله نبيه وأمره أن يبقى مع المؤمنين ويتواضع معهم ولا يلتفت إلى خلق الجاهلية الذي فيه التكبر على الضعيف واستصغاره، قال تعالى: «واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا»، التواضع فيه برهان أن هذا الشخص قدر نعم الله عليه وشكرها، فيه برهان على قربه من ربه، فيه دليل على تسامحه وإخلاصه، وله تأثير إيجابي عجيب في بقاء الود بين الناس، ويساهم مساهمة أكيدة في زيادة الترابط وتقوية العلاقة بالآخرين، لذا حث عليه النبي عليه الصلاة والسلام قولا وفعلا، قال: «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد»، وقال في الحديث الذي رواه الإمام مسلم«... وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله»، فمن أراد الرفعة في دنياه وآخرته لزم التواضع، ونزل إلى الناس، وصار قريباً منهم.
التواضع يكسب السلامة ويورث الألفة ويزيل الحقد ويذهب الصد، وثمرة التواضع المحبة، كما أن ثمرة القناعة الراحة، وإن تواضع الشريف يزيد في شرفه، كما أن تكبر الوضيع يزيد في ضعته، وقد أخطأ خطأ فاحشا من ظن أن التواضع يضعف الشخصية، بل لا شخصية دون تواضع، ويكفي مثالا على هذا ما حدث لقارون، هذا الرجل الذي تكبر كونه ذا مال وجاه واغتر بذلك، فكيف كانت نهايته !
وأين ذهب جبروته !، فالشخصية الرفيعة لا تكون بالكبر والترفع ورفع الأنف، إنما بالتواضع والاحتكاك بالآخرين والسؤال عن حالهم، لا يمكن لقائد أو مسؤول أو مدير أو صناع القرار أن ينجحوا في مهمتهم دون هذا الخلق، لأن القائد الحقيقي هو الذي يشارك فريقه، وينزل معهم إلى الميادين، وينسب إنجازهم لهم، يكون معهم في الصفوف الأولى ليكون قدوة لهم، بخلاف ذاك الشخص الذي يظن نفسه قائدا وهو بعيد عن الناس ويغلق باب مكتبه، ويصدهم، فأي تطوير سيقدم هذا النوع ! وأي إنجاز سيظهر على يديه!، حقا لا يمكن لهذا النوع أن ينجح في زمن التحديات والإبداع والابتكار.
التواضع ليس مجرد كلمة أو أمنية، إنما هو عمل، وما نراه نحن اليوم في بلادنا من حكامنا يدعو للفخر والاعتزاز، عندما ترى القائد يتجول بين أبناء شعبه، ويتابع أعمالهم، ويحضر أفراحهم وأحزانهم، عندما تراه يعمل مع فريقه ويطلع على الأمور بنفسه، ويحتضن أفراد جيشه، ويحقق حاجيات أسرهم، هنا اعلم أنك في خير، وأننا في عز وسلام وتقدم، وهكذا يفعل التواضع بأهله. سائلا الله أن يديم علينا نعمه ويرزقنا التواضع والخلق الرفيع.
* رئيس شعبة إدارة الجلسات الأسرية في محاكم دبي