«إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».. دستور جليل وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحمل في طواياه معاني التسامح والتعايش، ويرسم خارطة للإنسانية جمعاء محورها قبول الآخر، ويبني مستقبلاً للمجتمعات لا يعرف الإقصاء. على امتداد الشهر الكريم نستشف عبق الأريج الإنساني في رسالة الإسلام، ونقف عند شخصيات من تاريخنا حققت معادلة الإيمان والإحسان.
هذا السؤال الذي وجهه لي أحد الطلاب خلال محاضرة ألقيتها في إحدى المدارس الثانوية، وكنت أتحدث عن التسامح وكيف نفعله في المجتمع عن طريق أخلاقنا، وبعد الانتهاء من المحاضرة سألني أحد الطلاب بأسلوب فيه حب للتعلم، وبسؤال فيه أدب، فقال: أنا لدي سؤال، وهو في الحقيقة ليس سؤالاً وإنما أمر أشكل علي وأريد فهمه، نحن كيف نكون متسامحين ونحن إذا رأينا سائلاً في الطرقات نقوم برفضه، بل لتعريضه للإبعاد من الدولة وحرمانه من لقمة العيش؟
فقلت له: إن الصدقة وإغناء السائل نوع من أنواع التسامح ولا ينكر هذا أحد، فقد جاءت الآيات العظيمات، والأحاديث المتتابعات على فضل الصدقة، وفضل من نفّس عن مؤمن كربة، وفضل من مشى في حاجة أخيه، وأن المتصدق واحد من السبعة الذين يظلهم الله في ظل يوم لا ظل إلا ظله، وفي المقابل علينا أن نعي ونفهم أن التسول منهي عنه في الدين، كون هذه الحرفة صارت تجارة عند الكثير ويوهمون فيها الناس ويستعطفونهم، جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لا يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم» وقال في حديث آخر رواه مسلم في صحيحه: «من سأل الناس أموالهم تكثراً فإنما يسأل جمراً فليستقل أو ليستكثر»، أي: من سأل الناس ليزيد ماله دون حاجة فإنه يأتي يوم القيامة ويشهد عليه جلد وجهه، وأيضاً كأنما يسأل جمراً فتحرقه.
وقال عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره فيتصدق به على الناس: خير له من أن يأتي رجلا فيسأله أعطاه أو منعه»، وجاء في الصحيح أيضاً أن معاوية، رضي الله عنه، كتب إلى المغيرة، رضي الله عنه، أن اكتب إلي شيئاً سمعته من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه المغيرة: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: «إن الله كره لكم ثلاثاً قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال» والأحاديث في هذا الشأن كثيرة، وزد على ذلك أن ظاهرة التسول تعد ظاهر مؤثرة على الفرد والمجتمع وأنهم يستعملون النساء والأطفال، واستعمال الحيل في إظهار العجز والمرض، ومنهم من يجعلها تجارة تزداد وتروج في رمضان خاصة، وهذا لا يجوز شرعا كما سبق، ولو فتحنا لهم مجالا صرنا متعاونين معهم على الباطل وهذا خطأ، ويزداد الأمر سوءا عندما يتخذون المساجد سوقا لهم، وهي لم تبن لهذا وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن البيع وإنشاد الضالة في المسجد.
اقتنع هذا الطالب والأخ الكريم، إلا أنني أحببت له زيادة اطمئنان، فقلت له: قد يخطر في بالك أن تقول: ليس الكل اتخذ التسول تجارة وحرفة، بل ربما يكون منهم من هو مستحق ومحتاج، فيأتيك الجواب: أن الدولة عندما منعت التسول تبعاً للدين ولما رأته من مفاسد مترتبة على هذا الصنيع، لم تمنع الصدقة، كيف تمنع وهي دولة الإمارات التي يشهد لها الصديق والعدو، والكبير والصغير، والقريب والبعيد بأنها دولة كرم، وحب لمساعدة الآخرين وتقديم العون للدول المنكوبة!
ورحمت البلاد هذا المحتاج بالجمعيات الخيرية المعتمدة في الدولة الخاضعة للقوانين، فعلى المحتاج أن يقدم لهم ما يثبت حاجته، ولن يقصروا معه، وهكذا تكون الوسطية في المسألة هذه، والمؤمن مطلوب منه أن يكون حذرا ولا يكون غرا يخدع بسهولة من الآخرين، كما قال عليه الصلاة والسلام: «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين» إشارة إلى ضرورة أن يكون نبيهاً واعياً ويزن الأمور بحكمة، لذا علينا التعاون في إيقاف هذه الظاهرة مع الجهات المختصة حتى لا يستغل ذلك المستغلون ولا يطمع الطامعون، ولا نفتح باباً يسبب في تشويه المظهر الحضاري لبلادنا.
* رئيس شعبة إدارة الجلسات الأسرية في محاكم دبي