كانَ الإمامُ أحمدُ بن حنبل يحثُّ الناس على اتباع الزاهد العارف: بشر بن الحارث الحافي ويوصي قائلاً: الطريق ما عليه بِشر، لكنّه في الوقت نفسه يعتب على بِشْرٍ ويقول: لو تَزَوَّج بِشْرٌ لتَمَّ أمْرُهُ، لأن الزواج نصف الدين، وذهب جمهور العلماء إلى أن القيام بشؤون الزوجية والانشغالُ بإعدادِ المهر والنفقة مقدّمٌ على التفرغ لنافلة العبادات وفي مقدمتهم ابن قيمّ الجوزية في بدائع الفوائد مستنبطاً من قصّة سيّدنا موسى مع نبي الله شعيب عليهما السلام هذه القاعدة فيقول: في معرض حديثه عن سيدنا شعيب حين عرض على سيدنا موسى الزواج من ابنته قائلاً: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ* فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ﴾.
فإن سيدنا موسى وافق على ذلك بالرغم من مشقة هذا العمل وهو الرعي ثم قال: فكم من نافلة ستفوته لانشغاله بهذا العمل خلال هذه المدة الطويلة لكنه علم أن الزواج مقدم على التفرغ لنوافل العبادات.
أمارات النبوة
وكأننا بسيدنا شعيب قد قرأ في سيماء سيدنا موسى، عليهما السلام، أمارات النبوة وعرض عليه هذا الأمر ليتدرب عنده على الدعوة إلى الله تهيئةً لأمرٍ أخطر وأعظم. وما من نَبي إلا ورعى الغنم، وقدْ صدقت في سيدنا موسى فراسة ابنة سيدنا شعيب، عليهما السلام، عندما قالت: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ* إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. كما صدقت فيه فراسة آسية امرأة فرعون من قبل عندما كان رضيعاً ﴿لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾.
الإيجاز والإعجاز
يقول أبو حيان: إن فتاة مدين قد أوجزت فأعجزت ولو أطَنبَتْ لأطربت ولكن المقام مقام إيجاز لأنها تخاطب أجنبياً غريباً عنها حين سألهما موسى؛ ما خطبُكما؟
فأجابتا: ﴿لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾، قال أبو حيان: إن هذه الآية من أوجز الآيات القرآنية لأنهما لا تزاحمان الرجال. وإنما خرجتا من البيت للضرورة كالماء، ولم تقولا: أبونا عاجز كبير، وإنما وصفتا أباهما أنه «شيخ» دلالة على الوقار والتبجيل فضلاً أنه كبير لا يَقْدر على هذا الأمر بنفسه ولم تتجاذبا معه أطراف الحديث، حاشاهما.
السفر إلى الله
وفي بدائع الفوائد: أن سيدنا موسى، عليه السلام، عندما كان سَفُره إلى مخلوق قال لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا﴾.
فخشي الجوع والتعب ولكن لما كان سفره إلى الله وقد واعده ربه ثلاثين ليلة وأتمها عشراً لم يشكُ جوعاً ولا ظمأ ولا تعباً لأن سفره قد كان إلى خالقه، سبحانه وتعالى، ولذلك فإن الإمام الكاندهلوي وهو يشرح موطأ الإمام مالك أيد استنباط الإمام النووي الشافعي في حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو يُبَينّ أسرار الوصال في الصيام إلى الفجر والوصال من خصائصه، صلى الله عليه وسلم: «لستُ كأحدكم أبيتُ عند رَبّي يُطعمني ويسقيني» مبّيناً أنّ الشوق إلى الله وعمارة قلبه، صلى الله عليه وسلم، بالمحبة الإلهية قد شغله عن الطعام وعن الشراب.
لها أحاديث من ذكراك تُشغِلُها.. عن الطعام وتلهيها عن الزّاد.
أطنب وأطرب
العجب كلّ العجب من سيّدنا موسى الذي أطنب وأطرب عندما سأله ربه في طور سيناء: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾. ولو قال: عصاي لكفى لكنه لم يمل إلى الإيجاز مغتنماً هذه الساعة ساعة المناجاة مع ربه ومولاه فأجاب مطنباً ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾. أما هنا مع فتاتي مَدْينَ فقد اكتفى بقوله إيجازاً وإعجازاً «ما خطبكما» ولكل مقام مقال ولكل مجال رجال.
* أستاذ جامعي وإعلامي