لم يكن للتاريخ أن يغفل سيرة رجل قدم نموذجاً فريداً لعظمة الإسلام ودوره في صناعة الرجال، وكيف واجهوا بقوة إيمانهم ملوك الدنيا وقياصرة الأرض. إنه عبدالله بن حذافة السهمي الذي أتاح الإسلام له أن يلقى أعظم ملوك زمانه: كسرى عظيم الفرس، وقيصر عظيم الروم.
عدنان حسن الخطيب، واعظ أول بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي، يحدثنا عن مآثر هذا الصحابي الجليل.
لقد كان عبد الله واحداً من السابقين الذين هاجروا إلى الحبشة فراراً بدينهم، ولكنه ما لبث أن عاد إلى المدينة المنورة ليرهن نفسه لخدمة دين الله تعالى، وليكون واحداً ممن اختارهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لمهمة عظيمة ورحلة خطيرة، وهي حمل رسالة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى بعض ملوك الأعاجم.
ومضى عبدالله بكتاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى بلغ مدائن فارس، ودخل بلاط كسرى، مشدود القامة، تتأجج بين جوانحه عزة الإسلام، ويتوقد في فؤاده كبرياء الإيمان. وأبى أن يعطي كتاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلا لكسرى يداً بيد، امتثالاً لأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم. ولما قرئ الكتاب على كسرى وفيه: من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى..) عندها تحركت فيه عنجهية الملك، وأخذته العزة بالإثم: كيف يبدأ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، باسمه قبل اسم كسرى؟ فانفجر غاضباً، وأخذ الكتاب ومزقه، وأمر بعبد الله فأخرج من ديوانه. وخرج عبد الله مرتاح البال مطمئن النفس، فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة.
وتمضي الأيام، وينطلق عبدالله في ركب المجاهدين لقتال الروم في عهد عمر بن الخطاب. ويقدر الله له أن يكون في جملة الأسرى في معارك (قيسارية) من أرض الشام. وكان ملك الروم يتابع الأحداث، وقد تناهت إليه أخبار المسلمين وما يتحلون به من صدق الإيمان واسترخاص النفس في سبيل الله، فأمر رجاله أن يأتوه بواحد من أسرى المسلمين. ووقع الاختيار على عبد الله، ولما حضر أمامه، أراد الملك أن يختبره، فعرض عليه أن يتنصر وقال له: إن فعلت خليت سبيلك، فأبى وقال: هيهات.. إن الموت لأحب إلي مما تدعونني إليه. وعرض عليه الملك من رغد العيش ومتع الدنيا ما تطمع له النفوس، فوجده جبلاً شامخاً لا يتزعزع.
عندها أمر الملك أن يقتادوه إلى قدر عظيمة فيها زيت مغلي، وأن يلقى فيها أحد الأسرى أمامه، على أمل أن يقبل بعرض الملك، فكان أشد إباء له من قبل. فلما يئس منه، أمر به أن يلقى في القدر. فلما همَّوا به دمعت عيناه، وظن الملك أنه قد جزع، فقال عبدالله: لا ترى أني بكيت جزعاً مما تريد أن تصنع بي، ولكني بكيت حيث ليس لي إلا نفسٌ واحدة يفعل بها هذا في الله، كنت أحب أن يكون لي من الأنفس عدد كل شعر فيَّ، ثم تسلّط عليَّ فتفعل بي هذا.
ذهل ملك الروم، وأسقط في يده، لقد فشل الوعد والوعيد، ولم ينفع معه إغراء ولا تهديد، أي معدن صنع هؤلاء الرجال؟ وأي إيمان هذا؟ عندها قال: هل لك أن تقبل رأسي وأخلي سبيلك؟ فقال له عبد الله: وعن جميع أسرى المسلمين؟ قال: وعن جميع أسرى المسلمين. فلما استوثق من عرضه دنا منه وقبَّل رأسه، وبالفعل خلى الملك سبيله مع أصحابه الأسرى.
وقدم عبد الله بن حذافة على عمر بن الخطاب، وأخبره خبره، فسر به الفاروق أعظم السرور، ولما نظر إلى الأسرى قال: حق على كل مسلم أن يقبِّل رأس عبدالله بن حذافة، وأنا أبدأ بذلك. ثم قام وقبَّل رأسه.