«إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».. دستور جليل وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحمل في طواياه معاني التسامح والتعايش، ويرسم خارطة للإنسانية جمعاء محورها قبول الآخر، ويبني مستقبلاً للمجتمعات لا يعرف الإقصاء. على امتداد الشهر الكريم نستشف عبق الأريج الإنساني في رسالة الإسلام، ونقف عند شخصيات من تاريخنا حققت معادلة الإيمان والإحسان.
مفهوم التسامح لا يعتبر جديداً على مجتمع الإمارات، حرسها الله، بل هو مرتبط بها، ومتلاحم بأبناء شعبها سواء كان مواطناً أو مقيماً، ومازال أبناء شعبها يضربون أروع الأمثلة في تطبيق ونشر هذا المفهوم، وما حادثة الطفل «عبيدة» عنا ببعيدة، هذه الحادثة التي أثبتت مدى تلاحم أبناء المجتمع، ومدى رفضهم لكل ما يسبب الفوضى في مجتمعهم، الكل دون استثناء اعتبره أمراً دخيلاً ومقززاً، ولا يمكن أن يرضى به كل من يحمل ذرة من الإنسانية، مجتمع رفض هذا السلوك لأنه اعتاد على الرحمة وحب الخير، وإسعاد الآخرين، لا يساوم في أمن بلده، ولا يتردد في إيقاف وإنكار كل ما يسبب في ضياع أبنائه، في اليوم التالي من الحادثة لم تتوقف وسائل الإعلام بشتى مجالاتها من تشنيع هذا الأمر، وعرض تفاصيله، وصار الكل مهتماً في بيته وعلى أعصابه، وانهالت التعليقات في مواقع التواصل الاجتماعي لتطالب بإلحاق العقوبة المستحقة على الفاعل، وتدافع الناس إلى بيت أهل «عبيدة» وشهدوا جنازته، وقاموا بمواساة أهل الفقيد، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل قامت أم الإمارات سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، حفظها الله، بإنكار هذا السلوك أشد الإنكار، وأكدت أن هذه الحادثة الأليمة غريبة على مجتمع الإمارات، وقام أيضاً صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، حفظه الله، بزيارة أهل «عبيدة» ومواساتهم والتأكيد لهم أن الجميع معكم، فأنتم في دولة الأمان التي لا تفرق بين أحد يقيم على أرضها، وتتعامل مع الجميع بعدل، وأن حقوقهم محفوظة، لا يحق لأحد التعرض للآخر بأي نوع من أنواع الإيذاء، هذا كله يؤكد ويبين لنا قيمة التسامح والسلام الذي استقر في مجتمع الإمارات ولله الحمد.
ومن قبلها عدة حوادث وقف الناس ضدها وقفة رجل واحد، وقلب واحد، بعزم وهدف واحد، ألا وهو إحلال السلام والأمان في الأرض، ومن هذه الحوداث: حادثة شبح الريم، والطفلة وديمه، وطفل العيد، وغيرها، وشرعت القوانين الرادعة، ليكون هذا رادعاً لكل من سولت إليه نفسه بزعزعة أمن الناس وترويعهم، لذا علينا أن نبقى هكذا متكاتفين، متعاونين ومتلاحمين في سبيل أن يبقى الناس في خير، وأن تبقى المجتمعات آمنة مطمئنة، سالمة من التخريب والفوضى، كلنا مسؤول وعليه أن يستشعر هذا الأمر ويعظمه في نفسه، وينشره بين الناس، ويسهم في كل ما يؤدي إلى الحد من الجريمة وأشكالها، وكما جاء في الحديث عن النبي، عليه الصلاة والسلام «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، وقال تعالى «وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعانوا على الإثم والعدوان» فكلما تتابع إنكار الناس على المنكر والعدوان ساهم ذلك في إيقاف هذه الأخطار على الناس، ليكون ذلك زجراً للمنزجر، وذكرى للذاكرين، ودورنا نحن كأبناء لهذا البلد أن نثبت لكل من اختار بلدنا موطناً له أننا نحب الخير، ونعشق التسامح.
في إحدى حلقاتي من برنامج معاً نستطيع الذي يعرض على قناة دبي، كنت أتحدث عن حقوق الفئات العمالة المنزلية وأن الأسرة مطالبة بإكرامهم والإحسان إليهم، وجهت رسالة وأكررها هنا أيضا، أن هذه المكاتب التي تقوم بجلب الفئات العاملة إلينا، عليها دور كبير ومسؤولية عظيمة أيضاً في تبصير هذا العامل، أنك جئت إلى دولة عرفت بالكرم، وجمع الكلمة، والخير، ورفض الجرائم بكل أنواعها، دولة اجتمع شعبها مع حكامهم، وأحب الحكام شعبهم، فلا نسمح لكم بأي نوع من أنواع الجرائم صغيرها وكبيرها، كما أن لكم حقوقاً محفوظة، وقوانين تحمي حقوقكم.
هذه رسالة للجميع، وإنما ذكرت أصحاب المكاتب كمثال فقط، سائلاً الله أن يبقي لنا عزنا وجمعنا، ويبعد شبابنا وبناتنا عن السلوكيات الشاذة التي لا تنتمي إلينا أبداً.
* رئيس شعبة إدارة الجلسات الأسرية في محاكم دبي