لابن القيم في بدائع الفوائد لفتات جميلة واستنباطات بديعة مبَّيناً ما اختصَّت بها سورة الرّحمن من الاقتران، إذ تتجلّى أسرارُه في هذه السورة لفظاً ومعنى أكثر من غيرها وقد تكرَّر فيها ذكر آلاء الله فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ وقد سَبقتْها سورة القمر التي تكرَّر فيها وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ جمعاً بين آلاء الله المجْلوَّة المنظورة وآياته المتلُوَّة المسطورة، وإن شئت فقل: بين جلال الله وجماله سبحانه.
ومن هُنا فإن العالم الهندي المجدّد: عبد الحميد الفراهي يقول: أجمع العلماء أن (آلاء) معناها النِّعم وأُخالفهم في ذلك، وإن كانت النِّعم من لوازم الآلاء وإنما معناها الدَّلائل القاطعات والبيّناتَ الباهرات.
وإنَّ هذه السورة قد قرنت بين كلّ زوجين ومِثْلَين بين شمس النهار المضيئة وقمر الليل المنير، ثم ذكر نوعي النّبات. ما قام منه على ساق، وما انبسط منه على وجه الأرض وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ثم ذكر نوعَيْ السماء المرفوعة والأرض الموضوعة ثم ذكر الإنس والجّنّ ونَوْعي المشرقين ونوعي المغربين ثم ذكر البحرين الملح والعذب.
ثم بيّن ابْن القيّم الحكمة من ورود المَشرق والمغرب في هذه السّورة بلفظ التثنية لأنّهما في سياق كل آيتين مثنى مثنى بخلاف غيرها من السور، ففي سورة المزَّمل وردا مُفْرَدين فقد تقدَّمهما ذكر الليل والنهار فأمر الله ورسوله بقيام الليل ثم أخبره أنّ له في النّهار سبْحاً طويلاً فكان ورودهما مُفْرَدَين في هذا السّياق أحسن من التثنية والجمع.
كما إنّ القرآن يُقرن في مواضع شتى بين النفس والمال لا سيّما في مواضع البذل والمجاهدة كما في سورة الصّف التي اقْترنت أيضاً بسورة الجمعة ففي سورة الجمعة عتاب لأولئك الذين آثروا التجارة عن ذكر الله وقت صلاة الجمعة وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا، وفي سورة الصّف بيانٌ للتّجارة الحقيقية التي تقود العبد إلى سعادة الدَّارين هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ .
ولذلك قرن القرآن بين المال والنفس وإنما قَدَّم المال هنا عن النّفس لمناسبته للمقام ومعالجته لتلك الحال التي شُغل البعض فيه بالمال عن ذكر الله وعن الصلاة، ولتقديم المال على النفس معنى آخر أدَقّ وأخفى: ذلك أن المانع من الجود بالنفس حبُّ الضّياع والأموال فإذا ما قدَّمها في سبيل الله هانت عليه نفسه وانقادت له طائعة لها تلتفت بين الحين والآخر إلى الوراء.
وفي هذا الاقتران وهذا التقديم لون من التدرُّج على الطاعات، ولذلك فإنَّ أولئك الذين جاوزوا هذه المراحل وتدرَّجوا في مدارج الإيمان أعلاها وأغلاها توجّه النداء إليهم أوَّل ما توَجّه إلى الجهاد بالنَّفس أوّلا، وليس بعد الجود بالنّفس من جود، قال تعالى إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ.
كما أنّ اقتران المال بالنفس وتقديم المال عليه يتضمّن المشاركة الجماعية في الطاعات وأعمال البرِّ والخيرات فلئن لم يَقْوَ على الجهاد بالنّفس كثير من الناس لسبب أو لآخر فلا أقلَّ أن تكون مجاهدتُهم بالمال ليشترك الجميع في الأجر رجالاً ونساءً شيوخا أو شيباً فيعمُّهم الله برحمة منه ورضوان وفي ذلك أيضاً تأصيل للاتجاه الجماعيّ في هذا الدين الذي يحقق الموازنة والمعادلة من غير إفراط ولا تفريط شعوباً وقبائِل أفراداً وجماعات.
المال والولد
من جنس هذا الاقتران البديع الذي يتدَفَق باللّطائف والمعاني ما يتكرّر في القرآن من الجمع بين المال والولد كقوله تعالى إنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وكقوله لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ذلك أنَّ هاتين النعمتين متلازمتان لا تكتمل إحداهما دون الآخر فرُبَّ صاحب مالٍ لا ولد له ورُبَّ ذي ولدٍ لا مال له.
* أستاذ جامعي وإعلامي